اللواء الدكتور الحميدان: إدارة المملكة للمشهد اليمني بين الحزم والاحتواء

اللواء الدكتور الحميدان: إدارة المملكة للمشهد اليمني بين الحزم والاحتواء

 

Telegram

تتعامل المملكة العربية السعودية مع الملف اليمني اليوم من موقع الدولة لا من موقع رد الفعل ومن منطق إدارة التعقيد لا من منطق فرض القوة المجردة. لانها تدرك أن الأزمات المركبة لا تُفكك بضربة واحدة ولا تُدار بخطاب انفعالي بل برؤية سيادية طويلة النفس توازن بين حماية الأمن الوطني والحفاظ على شبكة العلاقات الإقليمية التي تشكل عمق الاستقرار الخليجي والعربي. ومن هذا المنطلق يصبح أي تحرك سعودي في الساحة اليمنية جزءا من معادلة أوسع تتجاوز الحدث الآني إلى حسابات الأمن البحري وتدفقات الطاقة واستقرار الإقليم ككل.

 

ولهذا فان اي قراءة لما جرى بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقات الأخوية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة تقود إلى استنتاجات مضللة. لان العلاقة بين الدولتين تأسست على التنسيق العميق وتلاقي المصالح الاستراتيجية ومواجهة التحديات المشتركة لا على التنافس أو إدارة الخلافات عبر الإعلام. وعليه فإن أي تطور ميداني أو أمني في اليمن لا يمكن تفسيره كتصادم إرادات بل كاختلاف في مقاربات ظرفية داخل إطار شراكة راسخة أثبتت قدرتها على تجاوز التباينات عندما تفرض الوقائع نفسها.

 

والتحرك السعودي الأخير يحمل في جوهره بعدا سياديا واضحا يتمثل في حماية أمن الملاحة البحرية والدفاع عن المصالح الوطنية ومنع تشكل تهديدات مباشرة أو غير مباشرة لأمن المملكة. علما بان هذا التحرك لا ينفصل عن مسؤولية الدولة تجاه حدودها ومقدراتها ولا يتعارض في الوقت ذاته مع حرصها على إبقاء باب التفاهم مفتوحا مع جميع الشركاء. فالمعادلة السعودية تقوم على أن الحزم لا يعني القطيعة وأن الوضوح لا يعني التصعيد بل ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر خطورة.

 

ولهذا ما زالت الرياض وأبوظبي تتحركان ضمن خندق واحد في مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى سواء المرتبطة بأمن البحر الأحمر أو بمسارات النفوذ الإقليمي أو بمخاطر تفكك الدول الوطنية. وأي تباين في التقدير أو الأولويات يبقى قابلا للإدارة عبر الحوار الاستراتيجي وقنوات التنسيق المباشر التي شكلت على الدوام صمام أمان للعلاقة. والتجربة أثبتت أن الخلافات بين الأشقاء وإن ظهرت تكون مؤقتة بينما المصالح الكبرى المرتبطة بأمن الخليج واستقراره هي الثابت الذي لا يخضع للمساومة.

 

وبيان المملكة الأخير جاء بلغة محسوبة ودقيقة حملت رسائل متعددة المستويات. فقد حرصت الصياغة على تسمية الوقائع وتحديد الأطراف ومسارات التحرك بما يعكس رغبة واضحة في منع الالتباس وإغلاق باب التأويلات المتناقضة. وهذا الأسلوب يعبر عن سياسة تقوم على الشفافية المدروسة لا على الغموض ويهدف إلى رسم صورة مكتملة للمشهد من زاوية المصالح السعودية مع التأكيد على أن الالتزام بالأطر المتفق عليها هو المدخل الوحيد للحفاظ على الاستقرار ودعم المسار السياسي في اليمن.

 

أما الحديث عن أن أي تهديد لأمن المملكة هو خط أحمر لا يندرج في إطار التصعيد اللفظي بل في سياق ترسيخ معادلة الردع. لان الدولة عندما تحدد خطوطها الحمراء فإنها تفعل ذلك لإعادة ضبط سلوك الأطراف لا لدفعهم نحو المواجهة. وقوة هذا الموقف تكمن في وضوحه وفي كونه موجها للجميع بلا استثناء ويؤسس لحدود لا يمكن تجاوزها دون كلفة. وهو بذلك يسهم في منع سوء الحسابات التي غالبا ما تقود إلى انفجارات غير محسوبة.

 

ومن غير المرجح أن تتجه المملكة إلى تصعيد عسكري واسع النطاق ما دامت أدوات الاحتواء لا تزال قائمة. لان النهج السعودي تاريخيا يقوم على إعطاء الفرص للحلول السياسية واستخدام القوة بشكل محدود ودقيق عندما يصبح التهديد مباشرا. غير أن استمرار أي دعم عسكري أو مالي يفضي إلى زعزعة الأمن قد يدفع إلى خطوات أشد صرامة تستهدف مصادر الخطر نفسها. والرسالة هنا واضحة وهي أن نافذة التهدئة ليست مفتوحة بلا سقف وأن المعالجة بالقوة تظل خيارا قائما إذا فشلت كل البدائل.

 

ورغم حدة اللحظة فإن أفق الحل السياسي لم يُغلق. فالبيان السعودي أكد بشكل غير مباشر أن القضايا اليمنية المعقدة لا يمكن حسمها عسكريا وأن العودة إلى طاولة الحوار تظل الخيار الأكثر واقعية. وما يجري يمكن فهمه كمحاولة لإعادة ضبط المسار ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة بما يهيئ بيئة أكثر توازنا لأي تسوية سياسية مستقبلية تحترم وحدة اليمن وأمن جواره.

وفي هذا السياق جاءت الضربة الجوية كرسالة حازمة أكثر منها فعلا عقابيا. لان بعض الأطراف ربما توقعت ردودا سياسية تقليدية أو مساعي تهدئة مطولة لكن سرعة التدخل عكست مستوى عاليا من الجدية في التعامل مع التحركات غير المنسقة. لان الهدف لم يكن استهداف طرف بعينه بقدر ما كان منع التصعيد وضبط الإيقاع وإعادة الجميع إلى المسارات المتفق عليها.

 

وأما مجلس القيادة الرئاسي فيبقى أمام خيارات عسكرية محدودة لكنها مؤثرة إذا ما استُخدمت بحساب. تعزيز التواجد الأمني وتثبيت خطوط السيطرة وتنفيذ عمليات دقيقة يمكن أن يشكل أدوات ضغط لدفع الأطراف المتمردة نحو الحل السياسي. غير أن إنهاء التمرد بشكل كامل عبر القوة وحدها يظل أمرا معقدا في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية ما يجعل الجمع بين الضبط الأمني والمسار السياسي الخيار الأكثر واقعية.

 

وإعلان دولة الإمارات الشقيقة إنهاء ما تبقى من وجودها العسكري في اليمن يمكن قراءته كخطوة تهدف إلى خفض التوتر وسحب الذرائع التي قد تستخدم لتبرير التصعيد. وهو يعكس أيضا إعادة تموضع مدروسة تنتقل من الحضور العسكري المباشر إلى أدوار سياسية ودبلوماسية أكثر انسجاما مع الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للتهدئة.

 

وفي المحصلة لا يشير المشهد الراهن إلى حرب شاملة بقدر ما يعكس مرحلة إعادة ضبط حازمة للمشهد اليمني تُرسم فيها حدود السلوك السياسي والعسكري بوضوح. علما ان باب الحل السياسي لا يزال مفتوحا لكنه بات مشروطا باحترام الأمن السعودي واستقرار اليمن. وفي قلب هذه المقاربة تقف جهود المملكة بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان الذي يقود سياسة تجمع بين الحزم والتهدئة وبين حماية السيادة وصون العلاقات الأخوية. وهذه المعادلة هي ما يمنح السياسة السعودية قدرتها على المناورة ويجعلها رقما صعبا في معادلات الإقليم المتغيرة.

 

بقلم: اللواء الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميدان

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram