عام الفضائح لمطاعم لبنان.. ماذا على موائد اللبنانيين!

عام الفضائح لمطاعم لبنان.. ماذا على موائد اللبنانيين!

 

Telegram

| سيلين سعدو |

حشرات، تلوث، ومواد غذائية فاسدة… هذه لم تعد مجرد كلمات تحذر، بل أصبحت واقعًا يختبئ خلف واجهات المطاعم الفاخرة في لبنان.

 

وراء “الديكورات” البراقة والمظاهر الجذابة، تكشف الأروقة عن تهاون خطير وإهمال مريب بصحة المواطنين.

 

لم تعد الانتهاكات مجرد حوادث معزولة هنا أو هناك، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة تثير القلق، حيث تتسارع مؤشرات تدهور معايير السلامة الغذائية بشكل يومي، لتضع اللبنانيين أمام خطر صحي حقيقي يطال وجباتهم اليومية ويقوض ثقتهم بما يقدم لهم من طعام.

 

عام، كان مليئ بـ”الفضائح” التي وضعت تحت المجهر، تتعلق بسلامة الغذاء للمواطن.

 

فقد تم كشف تحقيق عن مصنع تحت الأرض يحتوي على كميات كبيرة من السمك الفاسد والملوّث، تُباع لاحقًا للمطاعم، بالإضافة إلى زيت زيتون مزور مصنوع من زيوت نباتية وملوّن صناعياً.

 

أما الأفران، فتم العثور فيها على جبنة مُحضّرة بمواد غير طبيعية وزيوت مهدرجة، بدلًا من الجبنة الطبيعية.

 

كما تم رصد مطاعم تقدّم أسماكًا ملوثة، فيما يُعرض الطعام في الطرقات، خصوصًا السمك، لأشعة الشمس والدخان الناتج عن السيارات، ما يزيد من خطورة التلوث.

 

ولم تسلم معظم المطاعم من مشاكل البرادات غير النظيفة، أو تخزين “السوشي” بدرجة حرارة 20 درجة مئوية، ما يهدد بانتشار السالمونيلا، أو استخدام الطحين المعفن، وحتى الأدوات المستخدمة للطهي كانت ملوثة أحيانًا بالحشرات وبقايا الطعام، إلى جانب وجود ملابس وفرش أسنان ومشط في المطابخ.

 

حتى في بعض أسواق القمح، تم رصد العدس والأرز منتهيي الصلاحية، ومزروعات تُسقى بمياه المجارير، إضافة إلى غياب التعقيم في بعض عمليات الغسيل بالمطاعم الأخرى.

 

كل هذه الوقائع تشكّل نموذجًا صادمًا من التلوث الغذائي المستمر في لبنان، وتطرح سؤالاً كبيرًا: في ظل كل هذه المخاطر، هل أصبح تناول الطعام خارج المنزل في لبنان مغامرة صحية؟

 

حين يتحوّل الطعام إلى خطر..

 

عرّفت اختصاصية التغذية العلاجية ميسا عبدالله، التسمم الغذائي بأنه مرض ناتج عن تلوث الطعام بعوامل مختلفة، مثل البكتيريا كالسالمونيلا، والفيروسات، والطفيليات، إضافة إلى السموم البيولوجية التي تفرزها البكتيريا في الغذاء، فضلاً عن الملوثات الكيميائية الناتجة عن المبيدات أو المعادن الثقيلة التي قد توجد في بعض الخضار.

 

وأشارت إلى أن معظم حالات التسمم الغذائي تنتج عن ما يُعرف بـ “التلوث الخلطي”، أي انتقال البكتيريا من اللحوم النيئة إلى الأطعمة الجاهزة عبر السكاكين أو الأيدي أو ضعف تعقيمها، إضافة إلى عاملَي الوقت والحرارة، لافتة إلى أن ترك الطعام أكثر من ساعتين يدخل ضمن “مرحلة الخطر” التي تتكاثر فيها البكتيريا بسرعة، ما يجعل الطعام ملوثاً وغير آمن.

 

وشددت في هذا السياق على أهمية النظافة الشخصية للعاملين، ولا سيما الأظافر وطلاؤها، وارتداء الخواتم والساعات، إضافة إلى الشعر.

 

وأكدت عبدالله أهمية التخزين السليم، معتبرة إياه معياراً أساسياً في السلامة الغذائية، إذ إن حرارة الغرفة قد تؤدي إلى تضاعف البكتيريا، بحيث تتحول خلية واحدة إلى ملايين خلال أقل من سبع ساعات، خاصة مع ارتفاع الرطوبة والحرارة.

 

ولفتت إلى ضرورة الالتزام بمبدأ “الأول دخولاً هو الأول خروجاً”، (First in, first out) موضحة أن وضع العبوات الجديدة في مقدمة الرفوف، وترك القديمة في الخلف، يُعد خطأً شائعاً قد يؤدي إلى التسمم أو التحلل الكيميائي ونمو الفطريات.

 

كما حذرت من التخزين المتراكم داخل الثلاجات، أي تكديس كميات كبيرة من الطعام دون ترك فتحات للتهوئة، لافتة إلى أن بعض الأطعمة، مثل البيض والحليب، لا يُنصح بوضعها على باب الثلاجة بسبب تذبذب الحرارة الناتج عن الفتح المتكرر.

 

وكشفت الاختصاصية عن أخطاء “التخزين العمودي الخاطئ”، كأن توضع اللحوم النيئة على الرفوف العلوية والخضار في الأسفل، إذ يمكن أن تتسرب سوائل اللحوم الملوثة بالبكتيريا إلى باقي الأطعمة.

 

وحذرت من المعلبات، التي تصبح عرضة للتلوث في حال تُركت مفتوحة أو خارج أماكنها المخصصة، حيث قد تتفاعل مع الأوكسجين وتتأكسد المعادن وتنتقل إلى الغذاء، ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ “التسمم الكيميائي”.

 

وأشارت عبدالله، إلى أن أكثر الأطعمة عرضة للتسمم هي اللحوم والدواجن، نظراً لاحتوائها على نسب عالية من البروتين والرطوبة، ما يجعلها بيئة مثالية لنمو البكتيريا.

 

وأوضحت أن الخضار أيضاً قد تكون ملوثة، في حال عدم استخدام مياه نظيفة ومفلترة ووسائل تعقيم صحيحة، نتيجة طرق الزراعة والري.

 

ولفتت إلى خطورة المأكولات البحرية و”السوشي”، بسبب سرعة تحللها وتراكم السموم البحرية فيها، خاصة في ظل التلوث البحري في لبنان، إضافة إلى الألبان غير المبسترة التي لم تُحضّر بطريقة تضمن حفظها لفترات طويلة.

 

ودعت المستهلك إلى مراقبة سلوك موظفي المطاعم، متسائلة: “هل يرتدون القفازات؟ هل أيديهم نظيفة؟ هل يلمسون اللحوم النيئة ثم الخضار؟”، مؤكدة أن هذه التفاصيل يمكن للمواطن ملاحظتها والالتفات إليها.

 

وحذرت عبدالله من استخدام بعض المواد البديلة المحظورة دولياً، مثل الملونات والصبغات الصناعية، التي قد تسبب السرطان وتلفاً حاداً في الكبد، والزيوت المهدرجة التي تُستخدم كبديل أرخص للزبدة أو الزيوت النباتية، لتمديد صلاحية الطعام، لكنها تؤدي إلى أمراض القلب وانسداد الشرايين.

 

وجبات سريعة تتحول لكابوس صحي!

 

وقع العديد من المواطنين ضحايا الأطعمة الملوّثة وسوء معايير النظافة في بعض المطاعم.

 

وتروي المواطنة “ز.ف” تجربتها مع التسمم الغذائي، مشيرةً إلى أنها طلبت وجبة شاورما عبر خدمة التوصيل من أحد مطاعم الضاحية وبعد نحو ساعتين بدأت تظهر عليها عوارض التسمم، من آلام حادة في البطن، وتقيؤ، ودوار، وارتفاع في الحرارة.

 

ومع تدهور حالتها الصحية، نُقلت إلى المستشفى حيث أكد الطبيب إصابتها بحالة تسمم غذائي خطيرة.

 

ويُذكر أن هذا المطعم كان قد خضع لكشف سابق من قبل وزارة الصحة، حيث تم رصد مخالفات صحية أدّت إلى إقفاله.

 

من جهتها، أشادت المصابة بإجراءات وزارة الصحة والبلديات في تكثيف الرقابة، مؤكدةً أنها ستتجنب تناول الطعام الجاهز مجدداً حفاظاً على صحتها.

 

وتروي المواطنة “ج.ك” تجربتها مع حالة تسمم غذائي تعرضت لها، بعد تناول وجبة “كرسبي” من أحد المطاعم في بيروت.

 

وقالت إنها شعرت بأعراض متشابهة، تشمل ألمًا في البطن وتقيؤًا متكررًا، مشيرة إلى أن العوارض لم تظهر فورًا، ما استدعى نقلها إلى قسم الطوارئ في المستشفى حيث تلقت العلاج.

 

وأضافت أنها زارت أيضًا طبيب صحة عامة، بعد أن تسببت الحالة بجرثومة في المعدة، وخضعت لعلاج دام أكثر من أسبوع شمل أدوية ونظامًا غذائيًا محددًا.

 

ورغم تقييمها الإيجابي لإجراءات وزارة الصحة، لفتت إلى وجود مطاعم في المناطق الشعبية و”السناك” التي لا تخضع للترخيص أو الرقابة الكافية، مطالبة بتكثيف الإجراءات لتشمل جميع المطاعم.

 

وشددت على أهمية اتخاذ احتياطات إضافية، من بينها تفضيل تناول الطعام في المنزل.

 

بين المخالفات والالتزام.. مطاعم تصمد بمعايير سلامة الغذاء

 

على الرغم من رصد عدد كبير من المخالفات الغذائية، لا تزال مطاعم عدة تحافظ على معايير عالية لسلامة الغذاء ونظافة منشآتها.

 

وفي هذا الإطار، أكد علي علوية، صاحب مطعم “Magnifico” في الضاحية الجنوبية، أن سلامة الغذاء تُعد أولوية أساسية في مطعمه.

 

وأوضح أن المطعم يتعاقد مع شركة ”Beoker” المتخصصة، التي وضعت نظاماً متكاملاً لسلامة الغذاء، يشرف عليه مفتشون مختصون، ويعتمد معايير محددة لتدريب الموظفين، إضافة إلى إجراء زيارات تفتيشية دورية.

 

أما على صعيد الرقابة الرسمية، فأشار علوية إلى أن بلدية “حارة حريك” تنفّذ جولات تفتيش مفاجئة، تُسجَّل خلالها ملاحظات دقيقة.

 

ويصف هذه الجولات بأنها مهنية وشفافة، لافتاً إلى أن المراقبين يدخلون إلى المطابخ التي يُحضَّر فيها الدجاج واللحوم، ويدققون في مصادر المواد الغذائية، ويطّلعون على الفواتير، وأماكن التخزين، ويأخذون عينات من سوائل التعقيم، إضافة إلى مراقبة عملية الإنتاج، بما فيها استخدام الزيت والطحين.

 

واعتبر علوية أن حملة التفتيش على المطاعم إجراء فعّال، ظهرت نتائجه بوضوح، إذ التزمت مطاعم كثيرة بمعايير سلامة الغذاء بعد أن كانت تفتقر إليها، كما ارتفع مستوى وعي المستهلك.

 

وفي المقابل، أشار إلى أن بعض المطاعم ادّعت تعرضها للظلم نتيجة هذه الجولات.

 

ولا ينكر علوية وجود تحديات، أبرزها التزام الموظفين الدائم بمعايير النظافة، إذ قد تحدث مخالفات فردية تستدعي المتابعة المستمرة.

 

وفي ما يتعلق بالحفاظ على ثقة الزبائن، أوضح أن مطبخ المطعم مكشوف أمام الرواد، وأن الموظفين يخضعون لتدريب يومي ومراقبة مستمرة من الشركة المختصة، إضافة إلى إشراف مدير المطبخ على سلامة الغذاء ومتابعة تواريخ صلاحية المواد الأولية.

 

وقال علوية: “لم نتأثر بالأزمة، بل كان لها أثر إيجابي، إذ ازداد إقبال المواطنين على المطعم لأنه نظيف، ونُظهر للناس بشكل علني كيف تتم عملية التنظيف”.

 

وشدد على أهمية استكمال المشروع الرقابي، وضرورة إطلاق حملات توعية للموظفين وأصحاب المطاعم، وتنظيم مؤتمرات متخصصة بسلامة الغذاء، محمّلاً المواطن أيضاً مسؤولية اختيار ما يتناوله من طعام.

 

بلدية حارة حريك ترفع وتيرة التفتيش الغذائي

 

أكد مدير “المفرزة الصحية” في بلدية حارة حريك، عباس الزين، في حديث لموقع “الجريدة”، أن البلدية تضطلع بدور أساسي في حماية صحة المواطنين من خلال مراقبة سلامة الغذاء ضمن نطاقها الجغرافي، وذلك عبر تنفيذ جولات تفتيش دورية ومفاجئة على المطاعم، والملاحم، والأفران، والتعاونيات، والمستودعات الغذائية، ومحال بيع الدجاج والأسماك والحلويات، إضافة إلى محال بيع مياه الشفة.

 

وشدد الزين على حرص البلدية على التأكد من الالتزام بشروط النظافة العامة والصحة الغذائية، ومراقبة آليات التخزين والتبريد وتواريخ الصلاحية، إلى جانب تطبيق القوانين والأنظمة الصادرة عن وزارة الصحة والجهات المختصة.

 

وأشار إلى أن البلدية تقوم أيضًا بكشوفات دورية على دور الحضانات، بالتنسيق مع وزارة الصحة و”الهيئة الصحية الإسلامية”، للتأكد من سلامة إنتاج الغذاء وتخزينه وفق المعايير الصحية المعتمدة.

 

وأكد الزين، صلاحيات البلدية في المحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة، وفق ما ينص عليه القانون، من دون التعدي على الصلاحيات الممنوحة لدوائر الأمن في الدولة.

 

ولفت إلى أن المادة 17 من المرسوم الاشتراعي رقم 1932/16 (القواعد الصحية العامة)، تنص على تكليف رؤساء البلديات، أو المختارين في المناطق التي لا توجد فيها بلديات، السهر على سلامة مياه الشرب العامة تحت إشراف مديرية الصحة والإسعاف العام، واتخاذ جميع الوسائل اللازمة لضمان نقاوة وسلامة المواد الغذائية المعدّة للاستهلاك.

 

وكشف أن البلدية نفذت خلال الأشهر الأخيرة عددًا من الجولات التفتيشية الدورية والمفاجئة (280 كمعدل شهري)، شملت مختلف المؤسسات الغذائية، وذلك ضمن خطة رقابية تهدف إلى رفع مستوى السلامة الغذائية وحماية المستهلك.

 

وعن أبرز المخالفات التي تم رصدها، أشار إلى عدم الالتزام بالنظافة العامة، وسوء تخزين المواد الغذائية، ووجود مواد منتهية الصلاحية، وعدم توافر شروط التبريد المناسبة، إضافة إلى عدم التزام العاملين بشروط السلامة الشخصية، وممارسات خاطئة في عمليات التذويب والفصل، واستخدام مواد أولية من مصادر غير موثوقة.

 

وأوضح أنه عند ضبط أي مخالفة غذائية، تتخذ البلدية الإجراءات المناسبة بحسب نوع المخالفة وخطورتها، والتي تتدرج من توجيه إنذار شفهي أو خطي، إلى تنظيم محاضر ضبط، وتنفيذ محاضر تلف بحق المواد الغذائية الفاسدة أو المنتهية الصلاحية أو المخزنة بطريقة غير سليمة، وصولًا إلى إقفال المؤسسة مؤقتًا لحين استيفائها الشروط الصحية المطلوبة، أو أخذ تعهد خطي من صاحب المؤسسة، وفي بعض الحالات رفع دعاوى قضائية عبر محامي البلدية.

 

كما أشار إلى مجموعة من التحديات التي تواجه عمل البلدية، أبرزها قلة عدد المراقبين الصحيين (أربعة فقط)، وضعف الإمكانات اللوجستية من حيث الآليات والمعدات، وعدم التزام بعض أصحاب المؤسسات بالقوانين، وارتفاع عدد المؤسسات الغذائية ضمن النطاق البلدي الذي يبلغ نحو 700 منشأة، إضافة إلى ضعف التنسيق مع الوزارات المعنية.

 

وأشار إلى أن البلدية تساهم في حملات توعوية ميدانية، تشمل توزيع منشورات و”بروشورات” إرشادية لأفراد المجتمع الأهلي، وكتيبات توعوية لأصحاب المؤسسات الغذائية، فضلًا عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإبراز عمل البلدية وتعزيز الوعي الصحي.

 

في بلدٍ تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية والصحية، تبقى سلامة الغذاء خط الدفاع الأول عن صحة المواطن وكرامته.

 

فما كُشف من مخالفات صادمة يضع الجميع أمام مسؤوليات لا تحتمل التأجيل أو التبرير، من الجهات الرسمية وأصحاب المطاعم، وصولاً إلى المستهلك نفسه.

 

وبين الإهمال الذي يحوّل الوجبة إلى خطر، والنماذج الملتزمة التي تثبت أن السلامة ممكنة رغم الصعوبات، يبقى الرهان على رقابة صارمة، ومحاسبة شفافة، ووعي مجتمعي لا يقبل التهاون.

 

فالغذاء الآمن ليس رفاهية، بل حقّ أساسي، وحمايته اليوم قد تنقذ صحة اللبنانيين غداً.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram