مدرسة في لبنان تؤمّن الموت!

مدرسة في لبنان تؤمّن الموت!

 

Telegram

بعثت إدارة إحدى المدارس الخاصّة المرموقة رسالة إلى أهالي التلاميذ، تُعلن فيها عن فرض بوليصة تأمين إجبارية عليهم، لضمان استمرارية التعليم وتسديد الأقساط المدرسية، في حال وفاة أو عجز أحد الوالدين. في ظاهرها، تبدو الرسالة إجراءً للحماية، لكن في عمقها، تعكس منطقاً خطيراً نابعاً من فلسفة سياسية اقتصادية تُشبه إلى حدّ بعيد ما يُسمّى بـ”سياسات الموت”، أي السياسات التي تتعامل مع الأفراد وفق مبدأ إدارة المخاطر الّتي يجب الحدّ من خطرها، وليس كمواطنين ذوي حقوق. وهي تتخطّى المفهوم النيوليبرالي الكلاسيكي. بمنطق هذه السياسات تُبنى العلاقات الاجتماعية على العقود المالية المشروطة، لا على الثّقة ومبدأ الترابط والتكافل الاجتماعي. فيتحوّل التعليم من التزام جماعي إلى خدمة فردية، تُقدَّم فقط لمن يستطيع الدّفع، لا لمن يملك الحقّ. 

 
 
تسليع التعليم
 
قد يُسارع البعض إلى القول إن المدرسة هي مؤسّسة خاصّة، ويحقّ لها أن تحدّد الشروطوالاحكام كما تشاء، والأهل الذين لا يوافقون عليها ينقلون أبناءهم إلى مدرسة أخرى. لكن هذه المقاربة التي تتعامل مع التّعليم كسلعة تخضع لمنطق السوق الحرّ، تتجاهل أن هناك حدوداً قانونية وتربويّة وأخلاقية تُفرض على المؤسّسات التعليمية الخاصّة.
 
ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو النّموذج الفرنسي، الّذي تتماهى معه العديد من المدارس الخاصّة في لبنان، خصوصاً مدارس اللّيسيه، سواء في الشّكل أو في البرنامج التربوي. ففي فرنسا، يُنظّم التعليم الخاص ضمن إطارين قانونيين: الأوّل هو المدارس “المتعاقدة” مع الدولة. والثاني هو المدارس “غير المتعاقدة”. وفي الحالتين، تبقى المؤسّسات مُلزمة باحترام مبادئ أساسية، أبرزها: استمرارية المسار التعليمي. فالمدرسة لا تقدّم خدمة مؤقّتة، بل تفتح مساراً طويلاً ومتصاعداً من المفترض أن يُستكمل حتى نهايته. من هنا، إن شرطاً مثل بوليصة التأمين على حياة الأهل يتناقض مع هذا المبدأ. فعلى عكس ما يوحي هذا الاجراء بأنّه يحمي التلميذ ويوفّر بديلاً مالياً عند الوفاة أو العجز، فإنّه يُقحم عنصر الخطر في صلب العلاقة التربوية، ويحوّل التعليم من التزام مستمرّ إلى سلعة مشروطة بمستقبل غير مضمون. 
 
 
مسؤولية مشتركة
 
 
ليس الأهل وحدهم المسؤولين عن هذه الاستمرارية. بل إن الدولة حين تكون حاضرة، هي المسؤول الأوّل. والمدرسة أيضاً مسؤولة بصفتها مؤسّسة تربويّة لا مجرّد مزوِّد خدمة. فعندما تُلقي المدرسة بهذه المسؤولية على كاهل الأهل وحدهم، وتُعلّق مصير التلميذ على حياة الأهل وقدرتهم، هي لا تحميه كما تدّعي، بل تنقلب على جوهر وظيفتها، وتتحوّل إلى مؤسّسة تجارية- مالية تسعى لضمان تدفّق الأموال، لا لاستمرار التعليم.
 
وتؤكّد الممارسات التعليمية في فرنسا أن ربط التعليم ببوليصة تأمين على حياة الأهل كشرط لاستمرار التلميذ في المدرسة، ممارسة غير موجودة، ويصبّ في خانة التمييز وعدم الأخلاق. فهو يتعارض مع واحد من أبرز مبادئ التعليم: عدم ربط الحقّ في التعليم بأي شرط خارج عن المسار التربوي. يعني أنّه لا يحقّ للمدرسة أن تحمّل التلميذ ثمن ما لا يملك السّيطرة عليه، كحياة أهله أو حالتهم الجسديّة. 
 
 
الانزلاق نحو الوحشيّة
 
في مواجهة منطق السّوق هذا، ظهرت حول العالم نماذج بديلة قائمة على فلسفة التضامن بدل إدارة المخاطر. فالعقود التضامنيّة على شكل صناديق داخل المدرسة، أو مبادرات خارجها، تقوم على الاعتراف بأن التعليم حقّ يتطلّب تكافل الجماعة حول مصلحة التلميذ. بالمقابل، تتعامل عقود التأمين -كما في حالتنا- مع التّعليم على أنّه يخصّ فرد معرّض للخطر وعليه التسديد مسبقاً. لذا، يُصبح منطق التأمين التجاري بدل بناء شراكات تضامنيّة، منطقاً لا يبحث عن حماية التلميذ، كما تدّعي المدرسة، بل عن حماية ذاتها كمؤسّسة تجارية وماليّة تعمل بمنطق السوق، لا كمؤسّسة تُعنى بالتكوين الاجتماعي والتربوي. 
 
هذا التحوّل بوظيفة المدرسة ليس تفصيلاً صغيراً وعابراً، بل هو إشارة إلى الانزلاق نحو وحشيّة قائمة على الخوف والعزل والفرز. “الوحشيّة” هنا ليست تعبيراً شعبياً، بل ترجمة لانحدار قيمي في التربية. فحين يُربّى التلميذ على أن تعليمه مشروط ببقاء أهله على قيد الحياة، يُصبح العالم بالنسبة له مسرحاً للخطر وللصراع، لا مساحة التقاء وتنمية. فالتهديد يولّد قلقاً، والقلق يُنتج “الوحشيّة”.
 
 
المنفعة العامّة
 
هذا الانقلاب في وظيفة المدرسة لا يأتي من فراغ، بل يعكس تحوّلاً أعمق في الفلسفة التي تسود العالم منذ عقود، والتي اختزلت الإنسان في كائن فردي، يسعى لنجاته الذاتيّة. هذا ما عبّرت عنه رئيسة الوزراء البريطانية الأسبق، مارغريت تاتشر بوضوح حين قالت: “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد رجال ونساء”. لم يكن هذا التّصريح مجرّد رأي سياسي عابر، بل تحوّل إلى عقيدة اقتصادية تربويّة ترى في التلميذ مشروعاً فرديّاً وليس كائناً ينتمي إلى جماعة لها مسؤولية مشتركة في رعايته. 
 
لا يمكن التعامل مع التعليم كأي قطاع خدماتي آخر، لأنّه ليس سلعة، بل حقّ إنساني مُعترف به عالمياً. وهذا ما يُفسّر أن بعثات تعليمية مثل البعثة العلمانية الفرنسية (الليسيه)، ليست مؤسّسات تجارية، بل جمعيات ذات منفعة عامّة بحسب القانون الفرنسي. أن تكون الجمعيّة ذات منفعة عامّة لا يعني فقط آنّها لا تبغي الرّبح، بل يعني أيضاً أنّها مُلزمة بخدمة أهداف إنسانية وتربويّة تتجاوز السّوق. من هنا، يُصبح فرض بوليصة تأمين على حياة الأهل، يُشكّل تناقضاً بنيوياً مع هويّتها القانونية والثقافيّة. فالمدرسة التي تعمل باسم المنفعة العامّة لا يُمكن أن تُهدّد استمراريّة التعليم بشروط ماليّة، ولا أن تحوّل الموت أو العجز إلى خطر يتمّ تسعيره. 
 
 
أزمة السياسة في لبنان
 
ما نتكلّم عنه لا ينفصل في لبنان عن أزمة أعمق: غياب المايكرو-سياسة. فالعمل السياسي السائد في لبنان لم يرق يوماً إلى مستوى بناء البُنى العضويّة للفعل السياسي؛ أي العمل على البذور العميقة التي تشكّل نسيج المجتمع من الداخل. نحن أسرى الماكرو-سياسة التي تستهوينا لأنّها لا تتطلّب جهداً ولا التزاماً. هي سياسة البيانات، والتصريحات، والشعارات، والتحاليل. سياسة النقاشات العقيمة والأوراق التي يصحّ فيها القول “انقعها واشرب ميّتها”.
 
المايكرو-سياسة هي فعل يوميّ، شفّاف، يتطلّب مواجهة مباشرة مع السلطة ومع المنظومة. فيها يصطدم الفعل السياسي الحقيقي مع المصالح الرّاسخة للمافيات: من مافيات التربية إلى الكسّارات والمقالع، من الاحتكارات إلى السلطات الدينية ومغارة المصارف. هي مواجهات لا تُناسب من يبحث عن موقع أو شعبيّة أو سلطة. من هنا يمكن فهم لماذا فشل ما يسُمّي بـ”التغيير” في أن يتحوّل إلى فعل تغييري، أو ثوري، أو تقدّمي. الابتعاد عن المايكرو في السياسة ليس خياراً تقنياً، بل هو فعل جبان في السياسة، هو هروب من جوهر المعركة؛ والملفّ التربوي بكلّ أبعاده هو جوهر الجوهر. 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram