كتب رشيد حاطوم
إرث الفراغ وفشل البدائل
تشكلت اللحظة الفاصلة في المشهد السياسي السني اللبناني مع القرار الصادم للرئيس سعد الحريري بمقاطعة انتخابات عام 2022، وهو القرار الذي جاء بعد فتور في العلاقة مع حليف إقليمي تقليدي. لم يكن هذا الانسحاب مجرد غياب لشخص، بل كان اختفاء لمركز الثقل السياسي الذي كرّس، رغم كل الانتقادات، نموذجاً للاعتدال والتوافق في أكثر المراحل تعقيداً. حاولت شخصيات رفيعة المستوى، أمثال فؤاد السنيورة وفؤاد مخزومي، أن تملأ الفراغ القيادي، إلا أنها اصطدمت بحقيقة أن الزعامة لا تُصنع في الفراغ. وفي المقابل، سعت قوى من المجتمع المدني وحركات التغيير الناشئة إلى استثمار اللحظة، لكنها سقطت في فخ الواقع الانتخابي؛ إذ عجزت عن تحويل الحماسة إلى كتلة نيابية متماسكة، تاركة ناخبي القاعدة السنية في حيرة وإحساس عميق بالخيبة.
الفصل الأول: تيار المستقبل وتراث الاعتدال.. حصاد مسيرة وأسئلة مستقبل
يوجد تيار المستقبل اليوم على مفترق طرق مصيري، حاملاً إرثاً سياسياً ثقيلاً يتمثل في كونه كان، وعلى مدى عقود، القوة السنية الأكثر اعتدالاً والأقل انكفاءً على الخطاب الطائفي الضيق. لقد مارس التيار، بقيادة الراحل رفيق الحريري ثم نجله سعد، السياسة بمنطق الدولة والتوافق، متحالفاً مع قوى مسيحية في "تحالف 14 آذار"، ودافعاً باستمرار نحو الحوار الوطني والمشتركات في مواجهة منطق الاصطفافات الحادة. كانت هذه المركزية المعتدلة هي جوهر مشروعه، وهي ما منحه شرعية التمثيل الأوسع التي تجاوزت الطائفة نحو فكرة الوطن المشترك.
· وهم العودة الذاتية والحنين إلى الاستقرار: ما زال التيار يراهن على حنين قاعدته الشعبية إلى ذلك النموذج من السياسة، الذي رغم كل عيوبه، كان يضمن درجة من التوازن والحماية. بدأ التحضيرات الميدانية، فيما تُعد مشاركة السيدة بهية الحريري في صيدا إشارة عملية على توجه نحو المشاركة. لكن هذه الاستعدادات تصطدم بجدار صمت قائدها؛ فالقرار النهائي، خاصة فيما يتعلق بالدور الشخصي للرئيس الحريري، لا يزال معلقاً. إنه يترنح بين أمل العودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فكرة الاعتدال، وبين مرارة واقع جديد يرفض الاعتراف بمنطق السياسة القديم.
· التحول السعودي: تغيير القواعد على لاعب بارع: هنا تكمن المفارقة القاسية. فبعد أن كرس الحريري مسيرته السياسية على بناء علاقة استراتيجية مع الرياض كحليف أساسي للاستقرار اللبناني، يجد نفسه اليوم في مواجهة تحول جذري في سياساتها. لم يعد الموقف السعودي يقوم على الدعم الحصري. لقد تحولت سياسة الرياض إلى "الحيادية المنفتحة"، التي تتعامل مع جميع الأطراف. هذا التحول ليس مجرد إعادة ترتيب تحالفات، بل هو تجاهل لإرث سياسي كامل بني على الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للاعتدال، مما يضعف الميزة الأخلاقية والسياسية الأساسية للتيار، ويفتح الباب أمام منافسين لم يبذلوا نفس الجهد في بناء الدولة أو تجاوز الطائفية.
الفصل الثاني: الساحة السنية الجديدة.. فوضى خلاقة أم تشظٍّ بلا نهاية؟
في ظل غياب القطب الجاذب التقليدي وانفتاح الباب الإقليمي، تشهد الساحة السنية حالة من التحول التعددي الذي لم تعرفه منذ عقود. لم تعد هناك "ورقة فيتو" سعودية تحسم الصراع لصالح طرف، فبرزت خريطة جديدة من اللاعبين:
1. قوى الوسط والاستقرار: يمثل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الوجه الأبرز لهذا التيار. فهو في نظر الرياض رمز الاعتدال والاستقرار، وإن كان لا يطمح - أو لا يستطيع - حشد الزعامة الشعبية أو ملء الفراغ الهائل الذي تركه انسحاب مشروع سياسي كامل.
2. المشاريع الشخصية الإصلاحية والظاهرة الجديدة: برزت في انتخابات 2022 أسماء كانت تتربص على هامش المشهد أو تخوض معارك انتخابية خاسرة بشكل متكرر في السابق. يأتي في طليعتهم أشرف ريفي، الذي استطاع أخيراً دخول البرلمان، ليس لقوة مشروعه الإصلاحي المفاجئة، بل بفضل الفراغ الهائل الذي خلَّفه انسحاب تيار المستقبل المنظم. ينطبق هذا الوصف على عدد من النواب الجدد أو المستقلين الذين وجدوا أنفسهم، للمرة الأولى، في مواجهة انتخابات من دون "المارد" التقليدي. لقد نجح هؤلاء لا لأنهم انتصروا في معركة، بل لأن الخصم الرئيسي غاب عن ساحة المعركة، مما يجعل موقعهم البرلماني الجديد هشاً ومُعرَّضاً للاختبار الحقيقي في انتخابات 2026.
3. الأسماء التوافقية والتقنية: تطفو على السطح أسماء كرموز حكم قد تُعتمد في سياقات تشكيل الحكومات، لا كزعامات بديلة قادرة على ملء الفراغ الكبير.
هذه التعددية لا تشكل كتلة موازية متماسكة، بل هي ساحة حرب باردة مصغرة، يتنافس فيها الجميع على شرعية تمثيل السنة، في وقتٍ يبحث فيه الناخب عن قيادة تحميه وتوفر له الاستقرار في دولة منهارة.
الفصل الثالث : 2026.. اختبار الإرادة بين القاعدة الشعبية والإرادة الإقليمية
تتحول الانتخابات النيابية المقبلة من استحقاق روتيني إلى محكمة مصيرية ستحدد شكل التمثيل السني لعقد مقبل.
· الرهان الأخير على الشارع والذاكرة: ستكون المعركة بالنسبة لتيار المستقبل اختباراً نهائياً لصدقية شرعيته التاريخية القائمة على الاعتدال والوطنية. سيكون عليه أن يختار بين الانكفاء على الذات والمراهنة على ذاكرة الناخب التي تثمن الاستقرار النسبي الذي مثله، أو التحالف مع قوى جديدة لحماية ما تبقى من فكرة التمثيل الواسع. أي خيار سيكون محفوفاً بمخاطر إما الذوبان أو الانزواء.
· مأزق الاعتماد على الخارج: تريد الرياض قيادة سنية معتدلة، لكن السؤال المرير: أليست هذه هي الصفة التي جسدها الحريري لسنوات؟ إن سياسة الحيادية الحالية قد تنتج فوضى مؤقتة، ولكنها أيضاً تكافئ مسيرة سياسية كرستها الرياض نفسها سابقاً بالتجاهل، مما يطرح تساؤلات كبيرة عن معايير التحالفات الإقليمية ومصير الشركاء القدامى.
ثمن الاعتدال وارتدادات التخلي.. ومفارقة السيادة الصماء
لم تعد انتخابات 2026 مجرد منافسة على مقاعد برلمانية. إنها محاكمة تاريخية لنموذج سياسي قائم على الاعتدال والتوافق والتعددية، تجسد في شخص سعد الحريري وتياره. لقد دفع هذا النموذج ثمناً باهظاً، من اغتيال مؤسسه إلى استهداف مشروعه سياسياً ومالياً وإعلامياً، وصولاً إلى التخلي الإقليمي المفاجئ عن شراكة استمرت عقوداً.
اليوم، يقف هذا الإرث على حافة الهاوية. الساحة السنية، بكل تشظيها الجديد، هي نتاج مباشر لغياب القوة المركزية المعتدلة.
وهنا تُطرح المفارقة الأكثر إيلاماً: ففيما تتصاعد أصوات في الداخل اللبناني مناديةً بـالسيادة ومنع التدخل الخارجي ورفض الوصاية، نجد هذه الأصوات نفسها تبتلع لسانها وتغض الطرف عندما يتعلق الأمر بتدخل إقليمي صريح في الشأن السني الداخلي، يستهدف تفكيك كيان سياسي رئيسي تحت ذرائع واهية أو بسبب خلافات وعداوات شخصية لا علاقة لها بمصلحة لبنان ولا باستقراره. إنه اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الوطني. فليس من المعقول أن تكون السيادة سلاحاً يُرفع في وجه طرف سياسي، وغطاءً يُتستر به لتمرير تدخلات تمليها أجندات ضيقة ضد طرف آخر. فليعلم الجميع أن التعاون الإقليمي الحقيقي لا يُبنى على الفيتوات الشخصية والمزاجية، وأن مصالح الدول لا تُدار بانفعالات العداوات والخلافات الفردية. إن إسقاط مشروع سياسي كامل، امتد لأكثر من ثلاثة عقود وكان حجر زاوية في استقرار لبنان، لمجرد تلبية رغبة في تسوية حسابات شخصية، هو خيانة ليس فقط لشريك قديم، بل لفكرة الاعتدال ذاتها، وأخطر من ذلك، خيانة للمصالح العليا للوطن الذي يتشدق الجميع بالدفاع عنه.
من يربح في 2026 لن يكون بالضرورة من يملك الدعم الخارجي الأقوى، بل قد يكون من يستطيع أن يقدم للناخب السني، المحاصر والخائف، إجابة على سؤال: هل انتهى زمن السياسة المعتدلة والتوافقية إلى غير رجعة؟ أم أن ذاكرة الشارع وحرصه على البقاء ستكون المنقذ الأخير لإرث كان، رغم كل شيء، حصناً منيعاً ضد الانزلاق إلى المجهول. إنها معركة وجود لمشروع، وربما لرجل، ظل حتى في غيابه، السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً في الحياة السياسية السنية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :