هناك قطبة مخفيّة في ما أخرج من صناديق الاقتراع يوم الأحد الكبير، تتلخّص في الكميّة الهائلة التي جمعت من الأوراق الملغاة والبيضاء، على نحوٍ تسبّب بـ”طوشة” عند صالونات سياسيّة مهتمة بإحصاء النتائج إلى حدٍ أذهب عقلها.

القطبة تكمن في السرّ الذي يقف خلف النسبة العالية، علماً أن فكرة ظهور أوراق ملغاة لم يكن طارئاً عند الصالونات بل كانت تتوقع رقماً أقل قيمة. وتأسيساً على ما شاهدته، استخلصت أن وجود أعداد كبيرة ينم عن حالة غير منطقية حدثت، تتعدد وجهات النظر حيال تفسيرها، ما اجبر هذه الصالونات على فتح ورشة تحليل بيانات أنكب عليها الخبراء في المجال.

في الأساس، كانت هذه الصالونات تتوقّع أن يحمل القانون ساري المفعول عواصف رقميّة بظل وجود سقطات وهفوات وثغرات واخطاء وشوائب تعتريه بوضوح، وما أسهم في رفع موجوداتها التسرّع في انتاجه الغير مبني على معيار غير المصالح السياسية الظرفية، فضلاً عن عدم كفاية فترة الترويج للقانون، ولم يكن هناك من إمكانيّة لبلد مثل لبنان أن يجري اختباراً عليه، فترك الاختبار ومدى توافق القانون وظروف الانتخاب ليوم الاقتراع، وانتظرت هذا اليوم كي تبني خلاصتها وتقيم على الشيء مقتضاه.

بلغت الأوراق الملغاة على صعيد كافة الدوائر 38909 أي ما نسبته 2.08% من عدد المقترعين الـ 1.863.223 البالغة نسبتهم 49.2% من الناخبين المسجلين، مقابل 15029 ورقة بيضاء. وفي حال تم جمع الحاصلين نصل لنسبة 3% من ناخبين صوتوا خلافاً للقانون.

الأرقام، بخاصة الملغاة منها، تسببت بطوشة عند اصحاب الشأن، وما زادها تعدد الاجتهادات المختلفة حول تفسير هذه الحالة.

فمنهم من اعتبر أن كثرة الأوراق الملغاة يعود لعدم فهم للقانون من قبل شريحة لا بأس بها من الناس. وفي مقاربته تلك، استند على الأرقام الواردة من أقلام اقتراع الدوائر النائية (أي الأطراف) والتي كان لها حصة الأسد، بحيث بلغت في دائرة طرابلس المنية الضنية وحدها 5340 ورقة لاغية.

أضف إلى ذلك، أن أصحاب هذا الاستنتاج، فسروا “الخربطة” تلك بأن سكان هذه المناطق متعودون على إنزال اللوائح الخالصة في الصندوق كما هي دون الحاجة إلى عمليات وسم، بل أكثر ما كانوا يقدمون عليه هو استبدال إسم بآخر.

وفي بالهم أيضاً، أن نسبة من الأوراق الملغاة تحال على مسؤوليّة كبار السن الذين لم يلتزم جانب منهم ببنود القانون الذي حدد كيفيّة الاقتراع، وذلك استناداً على شهادات وحالات لفت يوم الاقتراع. فمثلاً، استخراج الاوراق أظهر شروداً لإشارة التصويت عن مكانها الصحيح ما إعتبر الورقة لاغية، كذلك واجه رؤساء الأقلام خلال يوم الاقتراع إشكالات مع هذه الفئة بالذات من الناخبين الذين لم يقتنعوا بتغير القانون، ففضلوا الاقتراع على النحو السابق!

وثمة قسم آخر اظهر جانب من الأوراق المستخرجة، انه لم يكن على دراية كافية أو واضحة بأحكام القانون ولا آلياته، بحيث اتضح وجود أوراق عليها أكثر من تعليم على صوت تفضيلي واحد أو اوراق صوت فيها تفضيلياً لمرشحين من لائحتين متنافستين، وفي أخرى ثبت أن البعض صوت بإستخدام إشارة “نقطة” ما حولها لاغية تلقائياً.

هناك قسم آخر تورط عن قصد في “جريمة الأوراق الملغاة”، بحيث أتت فعلته كشكل من اشكال الاعتراض على القانون، بحيث أراد قسم لا باس به من المقترعين الذين هم على سوية معرفيّة به، إيصال رسالة إلى أباء هذا القانون مفادها انه لا يصلح في ظل ما فيه، لكي تجرى عليه عملية اقتراع شاملة.

وفي خلاصة تقدير الموقف الذي توصل إليه المفسرون، أن المقترعين لم يتقبلوا فكرة اعتماد اللوائح المقفلة بظل حرمانهم من التشطيب أو الاقتراع لشخص لا يرغبون فيه، فكان أن قاموا بخطوات خدمت رفع حواصل الورقة الملغاة.

كذلك توصل هؤلاء أن الورقة المطبوعة سلفاً في ظل تحديد الالتزام بإعطاء الصوت التفضيلي لمرشح واحد ضمن القضاء، أظهر خللاً في فهم القانون وغيّب العدالة عن مرشحين، وأنتج رفضاً لمنطق حصر الصوت بلائحة واحد وحصر التفضيلي بالقضاء لشخص واحد، وهي أمور بحاجة لتعديل في حال أريد للقانون أن يدوم إلى جولة اقتراع ثانية.

وإذا ما تبين اختلاف رأي المفسرين حول الأوراق الملغاة، فإن سوادهم اجمع حول السبب الرئيس في وجود 15029 ورقة بيضاء.

فيتلخص الرأي بوجود نية بإيصال رسالة إلى الطبقة السياسية تتضمن معارضة حول الخيارات الانتخابيّة والاليات المعتمدة فيها، ومن ضمنها رسالة أن اجراء عملية اقتراع بظل هذا القانون، عارية عن استحداث تغيير يذكر.

وذهب قسم من أصحاب هذه النظريّة إلى تشريح كل دائرة بدائرتها. فمثلاً، بلغت نسب الأوراق البيضاء في دائرتي الجنوب 1753 (صور الزهراني) و1980 في النبطية مرجعيون حاصبيا بنت جبيل أي ما نسبته 24% من عموم الأصوات البيضاء، وهي الاعلى من بين كل الاوراق البيضاء، وحل في المركز الثاني دوائر الشمال.

وبحسب خلاصة موقف هؤلاء المفسّرين، انه في دوائر الجنوب غابت عن اللوائح الشخصيات المعارضة ذات الارتباطات الشعبية او تلك التي لديها جذور أو نشاط أو ذات قدرة على الاستقطاب، بحيث لم يكن بمقدور الناخب اعطاء صوته لشخصية يجهلها. وفي ظل غياب هذه المعايير، ففضل ان يرمي ورقة بيضاء حمالة اوجه تحمل رسائل لأحزاب السلطة من موالاة ومعارضة.

الكاتب: عبدالله قمح
المصدر: ليبانون ديبايت
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)