تعديلات السريّة المصرفيّة: الامتحان المقبل في البرلمان

تعديلات السريّة المصرفيّة: الامتحان المقبل في البرلمان

 

Telegram

 

 

يوم الأربعاء الماضي، صدر رسميًا مرسوم مشروع قانون تعديل قانون سريّة المصارف، وجرت إحالته إلى المجلس النيابي لدراسته وإقراره. وحتّى هذه اللحظة، ما زالت المداولات بين الكتل النيابيّة الأساسيّة تتراوح بين سيناريوهين: الاكتفاء بإقرار مشروع القانون في اللجان المشتركة، قبل سفر الوفد اللبناني إلى اجتماعات الربيع مع صندوق النقد في واشنطن، أو المضي بإقراره في الهيئة العامّة قبل هذا التاريخ. والمسألة هنا لن ترتبط فقط بنوايا الكتل وتوجّهاتها عند التصويت على القانون، بل ثمّة دور حاسم لرئاسة المجلس النيابي وهيئة مكتب المجلس، وخصوصًا لجهة إمكانيّة وضعه على جدول أعمال الهيئة العامّة، أو حتّى الدعوة إلى جلسة تشريعيّة قبل اجتماعات الربيع.

 

القوى السياسيّة ما زالت تتعامل مع صندوق النقد بنفس عقليّة السنوات الخمس الماضية. فالميل إلى التريّث في إقرار مشروع القانون، واحتمال عدم إقراره فورًا في الهيئة العامّة قبل اجتماعات الربيع، يعود أساسًا إلى الرغبة في إبقاء الملف كورقة مقايضة مع الصندوق. أي بمعنى أوضح: إبقاء مشروع القانون شرطًا معلّقًا خلال المرحلة المقبلة، لتمريره لاحقًا من ضمن الخطوات الإصلاحيّة التي يطلبها صندوق النقد، في مقابل البرنامج التمويلي. وعلى هذا النحو، تبقى الإصلاحات التي تحتاجها البلاد للخروج من أزمتها الماليّة مجرّد خطوات اضطراريّة، يقوم بها لبنان في إطار الضغط التفاوضي مع الصندوق، بدل أن تندرج ضمن رؤية إصلاحيّة جديّة.

 

ماذا تشمل التعديلات؟

 

من المهم التذكير أولًا أنّ المجلس النيابي كان قد أقرّ مجموعة من التعديلات عام 2022، على قانون سريّة المصارف. وتضمّنت تلك التعديلات رفع السريّة المصرفيّة تجاه مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، في إطار عمليّة “إعادة هيكلة القطاع المصرفي وممارسة دورها الرقابي”. كما سمحت التعديلات لهذه الجهات بتبادل المعلومات فيما بينها، “لهذه الغاية”. وبهذا الشكل، تضمّن التشريع لبسًا، من خلال الإيحاء بأن صلاحيّة رفع السريّة المصرفيّة محصورة في إطار العمل الرقابي المرتبط بإعادة الهيكلة فقط، من دون أن يشمل الدور الرقابي الروتيني والتقليدي. وهذا تحديدًا ما أشارت إليه الأسباب الموجبة لمشروع القانون الجديد، الذي أعدّته الحكومة وأحالته إلى مجلس النوّاب.

 

التعديلات الجديدة المطروحة اليوم ترفع السريّة المصرفيّة “بشكلٍ كامل وغير مقيّد تجاه كل من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف”، في إطار العمل الرقابي أو للقيام “بأي دور آخر مناط بأي منهما”. وبهذا الشكل، لم تعد عمليّة رفع السريّة مرتبطة بعمليّة إعادة الهيكلة حصرًا، بل باتت مرتبطة بأي عمل يؤدّيه المصرف المركزي أو لجنة الرقابة على المصارف، من دون تحديد. وتشمل التعديلات المطروحة رفع السريّة المصرفيّة أمام “أي طرف يتم تكليفه بمهام التدقيق أو رقابة”، وهو ما يعني عمليًا إعطاء الولوج للداتا المصرفيّة لشركات التدقيق التي قد يتم تكليفها بتقييم وضع المصارف، عند إجراء عمليّة إعادة الهيكلة. بل ويمكن أن تشمل هذه الصلاحيّة حتّى شركات التدقيق، التي قد يتم تكليفها باستكمال التدقيق الجنائي، أو بإجراء تدقيق جنائي جديد في المصارف أو مصرف لبنان.

 

وجاءت التعديلات الجديدة واسعة النطاق، لتشمل رفع السريّة المصرفيّة عن: الحسابات الدائنة والمدينة، والأشخاص المعنويين والحقيقيين، والحسابات داخل أو خارج الميزانيّة. كما لا يقتصر أثرها على الحسابات المصرفيّة حصرًا، بل يشمل كذلك السجلات والمستندات والمعلومات. وهذا ما يتضمّتن مثلًا الوثائق التي تم تقديمها لتبرير التحويلات، أو للتصريح عن مصدر الدخل وقيمته عند فتح الحسابات. وأخيرًا، تشمل صلاحيّة رفع السريّة المصرفيّة طلب معلومات عامّة “عن جميع الحسابات والعملاء”، أي من دون تحديد حساب معيّن بعينه.

 

أهميّة هذه التعديلات، تكمن في ضرورتها لإنجاز عمليّة إعادة هيكلة المصارف. فمن دون رفع السريّة المصرفيّة، سيتعذّر القيام بتدقيق الموجودات المصرفيّة، وتقدير حجم الفجوة الموجودة في كل مصرف على حدة. كما سيتعذّر فهم طبيعة العمليّات التي حصلت خلال السنوات السابقة قبل وبعد حصول الأزمة المصرفيّة.

 

ثغرات التعديلات وإيجابيّاتها

 

ثمّة ما يراه كثيرون إيجابيّة معيّنة في هذه التعديلات، وتحديداً فيما يخص مفعولها الرجعي الذي يعود إلى 10 سنوات إلى الوراء. ومع ذلك، ثمّة انتقادات -من جهة أخرى- ترى أنّ هذه التعديلات كان يفترض أن تنص على مفعول رجعي غير مقيّد، أي أن تشمل رفع السريّة المصرفيّة عن جميع العمليّات التي جرت في تواريخ سابقة، بمعزل عن مداها الزمني. لكن في جميع الحالات، تجدر الإشارة إلى وجود نصوص قانونيّة تحدد الفترة الزمنيّة التي يجب خلالها الاحتفاظ بأرشيف العمليّات الماليّة، وفقًا لنوع هذه العمليّات، وهو ما يقيّد أساسًا واجب المصارف بتقديم هذه المستندات بمعزل عن مضمون التعديلات.

 

الثغرة الأهم في التعديلات المطروحة، تكمن في إمكانيّة عرقلة طلبات رفع السريّة المصرفيّة، عبر تقديم اعتراضات أمام قاضي الأمور المستعجلة، وهو ما يمكن أن يمثّل بابًا للامتناع عن التعاون مع السلطات الرقابيّة. والتجربة السابقة، أثبتت أن المصارف استعملت بالفعل أي ثغرة متوفّرة من هذا النوع، للمماطلة والتسويف، والتهرّب من تقديم المعلومات المطلوبة، عند ورود أي طلب لرفع السريّة المصرفيّة. وفي التعديلات المطروحة، اكتفى النص المطروح بتقييد حق الاعتراض بالأصول المقرّرة بشأن هذا النوع من العرائض، من دون وضع قيود إضافيّة تمنع إساءة استعمال هذا الحق، أو تحديد الحالات التي يمكن فيها الاعتراض على طلبات رفع المصرفيّة.

 

في جميع الحالات، تبقى هذه التعديلات قاصرة عن رفع السريّة بشكلٍ كامل، وفقًا للمعايير الدوليّة الحديثة المعتمدة لمكافحة تبييض الأموال. ومع ذلك، يبدو أن جهات مصرفيّة عديدة غير مطمئنة، حتّى إزاء رفع محدود للسريّة المصرفيّة من هذا النوع. إذ بدأت مؤخرًا الحملات التي تبث أخبارًا مغلوطة، ومنها على سبيل مثال الزعم بأن صندوق النقد الدولي لم يطلب هذه التعديلات. لكن وبخلاف هذه المزاعم، من المهم التأكيد بأنّ مسألة تعديل قانون السريّة المصرفيّة كانت محورًا أساسيًا في اجتماعات بعثة صندوق النقد الأخيرة مع المسؤولين اللبنانيين، كما أكّد الصندوق نفسه على عدم كفاية تعديلات العام 2022 في التقرير الأخير للبعثة الرابعة.

 

 

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram