المحكمة الدولية والعدالة

المحكمة الدولية والعدالة

 

Telegram

لا شك أنّ "العدالة" قيمة إنسانية كبرى . قيمة في كل الأزمان والأماكن وتحقيق العدالة غاية أي جماعة او دولة حتى وأنها غاية إنسانية على مستوى العالم أجمع . تختلف النظرات الفلسفية بتحديد مفهوم واحد واضح للعدالة كما تختلف المجتمعات والمذاهب بتحديدها أيضاً فهي تتجلى بمفاهيم وقيّم مختلفة بين مجتمع وآخر أو جماعة وأخرى .
العدالة بين الأفراد ضمن مؤسسة الدولة تصونها النصوص والقضاء والأجهزة الموكلة. وإذا ما لحق غبن بالمواطن يلجأ إلى القضاء لإزالة الغبن وإذا ما ارتكب مواطن جرم ما بحق آخر أو بحق مؤسسة ما فعلى القضاء إنزال العقوبة المناسبة حسب القانون بحق المرتكب وعليه يفترض تحقيق العدالة كما من المفترض أنّ اي مواطن هو تحت سلطة القانون وهو بالطبع لا يستطيع التمرد على القانون أو على المكلفين تطبيقه .
إنّ هيبة الدولة أكبر من أي فرد أو جماعة ضمن الدولة.
في لبنان تنقلب بعض المعطيات . الطوائف جماعات ضمن الدولة وهيبة الطوائف الأساسية. أكبر من هيبة الدولة وعليه فالقيادات ذات النفوذ بالطوائف من دينية أو سياسية تستطيع كسر هيبة الدولة مما يسمح لبعض رعاياها بالتمرد محمياً من تلك القيادات انقلاب هذه المعطيات أطاح بالعدالة . عدم القدرة على تحقيقها في مواضيع وأماكن عديدة يسقط المفهوم الطبيعي لها ويصح القول بإنتقاء العدالة بلبنان لكن المستغرب أنّ من يطيح بالعدالة هو من يشكو غيابها ويبرر مطالبته بتحقيق خارج عن سلطة الدولة، التحقيق الدولي مثلاً :
إذن وبصرف النظر عن اسباب ضعف هيبة الدولة في لبنان يعتقد البعض أن لأي محكمة دولية هيبة كبرى وسلطة لا ترد ناتجة عن مكانة هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها وبالتالي فإن قرارات محكمة دولية لا ترد حيث لا يستطيع الفرد أو الجماعة أو الدولة التمرد مما يعني تحقيق العدالة المنشودة في قضية ما. أي قضاء يستمد هيبته وقوته من هيبة وقوة الدولة وبالتالي من الأجهزة الأمنية . من أين يستمد القضاء الدولي قوة؟ هو لا يملك جهازاً أمنياً لملاحقة أحد . عند رفض دولة ما التعاون أو الإستجابة لا بدّ من قوة رادعة تحقق ما يطلبه القضاء . وحتى الأمم المتحدة لا تملك بوليساً دولياً ولا جيشاً دولياً . فمن أجل تحقيق قرار لمجلس الأمن أو لمحكمة دولية ضدّ دولة ما أو رئيس دولة من الممكن أن تشكل قوة من بضعة دول اعضاء في الأمم المتحدة وبمبادرة ذاتية لفرض القرار بالقوة العسكرية . أما من أجل تحقيق قرار تجاه شخص أو جماعة ضمن دولة فإن المحكمة ستطلب ذلك من الدولة صاحبة السيادة . مما يعني أن تقوم القوى الأمنية المحلية بتنفيذ الأوامر الدولية عبر الدولة المعنية وبذلك نعود إلى البداية مع فارق أساسي يتعلق بنتائج التحقيق بين المحلي والدولي السؤال : ماذا اذا كانت الدولة المتهمة أو الجماعة أو الفرد محصنين ؟ هناك العديد من قرارات مجلس الأمن ضدّ اسرائيل ولم تنفذ! لماذا لم تجبر على ذلك ؟ من يستطيع أن يحاكم الولايات المتحدة أو رئيسها أو أي عنصر من جنودها على أي جريمة ترتكب؟ آلاف الأبرياء قتلوا بالعراق بنيران الجيش الأميركي ! كانت اميركا تعترف وتقول عن طريق الخطأ ! من يحاكمها بخرق سيادة العراق وقتل الجنرال سليماني وابو مهدي المهندس ؟ إنّ مجرد وجود دول وقوى فوق القرارات الدولية وإنّ القضاء الدولي يقصر عن محاكمة مجرمين كثر يعني إنتقاء واضح للعدالة الدولية . إنها غير موجودة أساساً بل مجرد دول قوية تتحكم بدول ضعيفة تحت عدة مسميات .
بالعودة إلى وضعنا فإن أي شكوى تقدم إلى مجلس الأمن هي فقط للإعلان عن عدم القبول وللتذكير تاريخياً . أما ما يصدر بحقنا من مجلس الأمن فهو ما يريده إلى حد كبير تلك الدول التي نشكو منها الظلم . مع كل ذلك فإن بعض الناس، جماعات وأحزاب وأفراد يتطلعون إلى ما يسموه "المجتمع الدولي"من الصعب أن نصدق أنهم مقتنعون بالعدالة الدولية ويسهل الإقتناع أنهم يبحثون عن الإقتصاص من اخصامهم المحليين . هذا الفريق الذي يكره المقاومة ويخاصم أي عداء لدولة الإغتصاب والإرهاب هذا الفريق الذي يكره كل ما يمت إلى الشرق بالمعنى الحقيقي ولا يريد من الشرق إلاّ الدعم الخليجي ويتوق أن يتحول غرباً لا بالمظاهر وحسب بل بالثقافة والإجتماع .هذا الفريق وجد في مقتل الحريري فرصة للإنقضاض بل وطلب منه ذلك وظن أن وراء المحكمة الدولية قوة الدول العظمى التي ستحارب عنه وتفتك بخصومة المقاومة وحلفائها واذا عبر عن خيبة أمل من نتيجة المحكمة علماً، أنّ القرار قد يتدحرج سوءاً، فذلك لأنه يريد لخصومه أن يكونوا متهمين منذ اللحظات الأولى وجه الإتهام دون دليل ورفض بالمطلق حتى الإشارة إلى اتهام اسرائيل أو اميركا أو السلفيين . انه لا يبحث عن حقيقة ولا عن عدالة . لا يعنيه من المحكمة الدولية إلاّ أن تحكم على خصومه وأن تنفذ .
اليوم بعد انفجار المرفأ تتكرر السبحة . يطالبون بتحقيق دولي يراد منه الإتهام ولا يراد منه حقيقة ولا عدالة ولا لإصلاح ولا بناء دولة .

عميد الإعلام والثقافة
الأمين مأمون ملاعب

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram