في ظلالِ الحزنِ العميقِ الذي تركتهُ الحربُ ، يقفَ شبابُ " المقاومةِ " الذينِ فقدوا بعض أعضائهم كالشهداء الأحياء، لقد زارهم الموت وعندما رأى بصيرتهم رحل عنهم سارقًا منهم بعضًا من فيضهم، تركهم في عمق الحياة يحملونَ في جراحهمْ ذكرى التضحيةِ والوجعِ ، فقدوا عيونهمْ التي كانتْ تشعُ نورا وحلما ، وأيديهمْ التي كانتْ تمتدُ للحياةِ ، لكنهمْ لمْ يفقدوا إيمانهمْ بتضحياتهمْ ووطنهمْ ، أجسادهمْ باتتْ تحملُ علاماتٍ لا تمحى ، تشهدَ على الألمِ الذي عاشوهُ في سبيلِ حمايةِ أرضهمْ تاركينَ ملذاتِ الحياةِ بما فيها . . . فحيّا على الشهادةِ في سبيلِ وطنٍ ذبحتهُ خناجرُ العمالةِ والعدوِ الذي ضربَ القيمَ الإنسانيةَ بعرضِ الحائطِ .
بينَ مشهدَيْ المستشفياتِ المكتظةِ و " ضربةَ الضاحيةِ الجنوبيةِ " ، قصةٌ وغصةٌ ، حيثُ سماءٌ ملبدةٌ بالغبارِ والألمِ ، يتوقفَ الوقتُ عندَ لحظةِ ما قبلَ الفاجعةِ... يتسارعُ نبضَ الحياةِ في الشوارعِ الهادئةِ ، الأطفالُ يركضونَ بحثا عنْ مأوى بينَ أيدي أمهاتهمْ ، الأعينُ تترقبُ السماءُ التي كانتْ يوما ملاذا للأملِ ، عقارب الساعةِ تتحركُ ببطءٍ ، كلُ ثانيةٍ تزنُ ثقلاً فوقَ الأرواحِ . يمرَ النسيمُ العليلُ بينَ الأزقةِ ، لكنهُ لا يحملُ معهُ سوى خوفٍ مستترٍ تحتَ قشرةِ الصمتِ وتسمعُ دقاتُ القلوبِ كأنها تهتفُ بدعاءٍ صامتٍ ، والكلُ ينتظرُ في رهبةٍ... فملكُ الموتِ يقفُ خلفَ الأفقِ ، ينتظرَ أوامرهُ ، والأنفاسُ الأخيرةُ تحبسُ بينَ الأملِ والخوفِ...
في لحظةٍ بدتْ وكأنها مشهد من فيلم بإخراج هوليوودي، تحولتْ المستشفياتُ هي الأخرى إلى ساحاتِ معركةٍ: انفجرتْ الأجهزةُ ، بلبلة، أصوات وصراخ، نداءات استغاثة وهرولة طواقم طبية، أطباء، مرضى، ومتطوعين وقفوا بينَ الحياةِ والموتِ ، بينَ الألمِ والرجاءِ ، وسطَ إرهاقٍ لا يوصفُ وأصواتَ أنينِ اختلطتْ مع أنفاس طويلة وهمْ يناضلونَ لإنقاذِ كلِ نفسٍ متشبثةٍ بالحياةِ ، يمسحونَ دموعهمْ بأكمامِ ملابسهمْ المتشحة بالدماء ، بينما لمعتْ في أعينهمْ قوةً صامتةً وعزم لا يتزعزعُ وبين ضلوعهم قلب لا ييأس مهما عظمت الفاجعة، تتحرك أيديهم دون توقف لتضمدَ الجراحَ رغمَ الجراحِ التي في صدورهمْ . 3000 جريحٍ أدخلوا إلى المستشفيات وحالات أكثرَ منْ 90 % كانتْ تستدعي التدخلَ العاجلَ في مجزرة لا إنسانية جديدة ارتكبها عدوّ تجرّد من الصفات الإنسانية بأكملها بعملَ دؤوبَ والتنسيقَ أكثرَ منْ ممتازٍ الذي حصلَ...
أسئلة كثيرة بلا أجوبة وقصص كثيرة ستروى عن مجازر يومين من التاريخ الصهيوني الأسود ...والسؤال الأبرز والأكثر انتشارًا وعمقًا يتمحور حول نشرِ الإعلامِ الإسرائيلي "أسماء ومهام قادة الحزب الذين تم استهدافهم في الضاحية الجنوبية لبيروت" في قناعة ودلالة عن تسريب واضح للمعلومات وفي شرحٍ دقيق ومفصل مما يُمثل ثغرة كبيرة وخرقًا متغلغلًا حتى الأعماق على الصعيدِين الأمنيّ والاستخباراتيّ وهذا الأمر خطير جدا بكل المقاييس.
في المحصلة وفي خضم الدمار الذي خلفته ضربة الضاحية والانفجار المدوي للأجهزة اللاسلكية, ستبقى آثار هذا العدوان محفورة في وجوه أولئك الذين خسروا أحباءهم ...أطفالهم، إخوانهم وعائلات كاملة بقيت بعض صور تحمل أطياف أرواحهم وزوايا منزل تحول إلى ركام وأرصفة طرقات تحمل حرارة دموع وشوق وخوف وصراخ أمهات ثكلى يكافحن لرأب صدوع أرواحهنّ وصدى الانفجار يسكنُ زوايا قلوبهن..
و وسط هذه الفاجعة, نتساءل: من أعطى تلك اليد حق الضغط على ذاك الزر الأحمر؟! وإنهاء مسيرة عشرات الأرواح؟
وهل أرواحُ الأبرياء عملة رخيصة تُدفع في صفقات الخيانة والعمالة؟!
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :