أسئلة المصير حلقة حوار حول كتاب: البحث عن زيوسودرا

أسئلة المصير حلقة حوار حول كتاب: البحث عن زيوسودرا

Whats up

Telegram

 

أسئلة المصير؟

حلقة حوار حول كتاب نزار سلّوم: البحث عن زيوسودرا

البحث عن زيوسودرا ” عن مشروع أنطون سعاده ومصير سورية”، عنوان كتاب لمؤلفه نزار سلّوم، صدر في ربيع العام 2023.

حول هذا الكتاب ومضمونه وما طرحه من تساؤلات تخصّ مصير الحزب السّوري القومي الاجتماعي، في واقعه ومستقبله وما إذا كانت العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة التي وضعها أنطون سعاده لا زالت تشكّل حاجة مصيرية وجودية للمجتمع والأمّة، حول ذلك وما يرتبط به ويتشعب عنه، عقدت مؤسسة سعاده للثقافة، وتحت عنوان: أسئلة المصير؟ حلقة حوار عبر تقنية “الزوم”، أدراها السيد فادي خوري وشارك فيها بمداخلات رئيسيّة مكتوبة:

1-الدكتور ادمون ملحم: أستاذ جامعي، كاتب ومؤلف باللغتين العربيّة والانكليزيّة.

2-الأستاذ إبراهيم مهنّا: باحث وكاتب.

3-الأستاذ أسامة عجاج المهتار: باحث ومؤلف ورئيس تحرير مجلة الفينيق.

4-الدكتور يوسف كفروني: أستاذ جامعي، باحث ومؤلف.

5-الدكتور ربيع الدبس: أستاذ جامعي، باحث ومؤلف.

كما شارك العديد من حضور الندوة بمداخلات شفوية وهم على التوالي السّادة: أحمد أصفهاني، كوكب معلوف، جورج جريج، عبد الرحمن قوطة، ماهر يعقوب، إضافة لمؤلف الكتاب الذي أجاب على الأسئلة الموجهة إليه، بعد مداخلة رئيسية كانت بمثابة “تعقيب عام”.

ننشر فيما يلي نصوص المداخلات، وفق التسلسل الذي اتبعته إدارة الندوة، مع التعقيب العام وشروح وردود المؤلف، كما نضع رابط التسجيل الصوتي (فيديو) كاملاً، الصادر عن مؤسسة سعادة للثقافة.

 

نحن جميعاً يمكننا أن نكون زيوسودرا

الدكتور ادمون ملحم

أهلاً بكم إلى نُدوَةِ اليوم المميزةِ بموضوعها، وهو باختصار مناقشةُ كتابٍ قيّمٍ يتّسمُ بالغنى والعمقِ والتحليلِ الجدّي، ويُشكِّلُ مرجعاً مهماً في فهمِ رسالةِ سعاده ومشروعِه الإنقاذي لسوريةَ المفككةِ والتائهةِ عن نفسِها وشخصيتِها التاريخية.

“البحثُ عن زيوسودرا” (Ziusudra) عنوانٌ مُلفتٌ يختزلُ مضمونَ الكتاب، بالرغمِ من أن الكاتبَ لم يخصص إلا ما تجاوزَ الصفحتينِ بقليلٍ ليشرحَ لنا عن فعل هذا الملِكِ التقيِّ الصالح الذي أخذ على عاتقِهِ إنقاذَ بَذرةِ الحياةِ على الأرض، حَسْبَ أسطورةِ الطُّوفانِ السُّومريّة.

في بحثِهِ النقدي الرصين، يطرحُ الأمين نزار سلوم أسئلةً جوهريةً عن الحزبِ السوريِّ القوميِّ الاجتماعي، الذي أوجدَهُ سعاده حزباً غيرَ اعتيادي، ليكونَ حاملاً للنهضةِ السوريةِ القوميةِ الاجتماعية ورسالتِها، ومُتنكّباً مُهِمّةً شاقةً مزدوجة ألا وهي، أولاً، خلاصُ الأمةِ من أمراضِها وتشوُّهاتِها السائرةِ بها إلى الفناءِ، وثانياً، انقاذ الإنسانية من اختناقها بالصراعات والحروب المدّمرة. ويكشِفُ الكاتبُ عن وجودِ علةٍ بُنيويةٍ في الحزبِ رافقت تاريخَهُ وعطّلتْ فِعلَ النهضةِ وأدخلتْهُ في متاهةٍ تنظيميةٍ معقّدةٍ يحاولُ الخروجَ منها فيجدُ نفسَه غارقاً في تلافيفِها وعِقَدِها، فاقداً ذاتَه ومبتعداً عن معناه.

هذا الحزب، تمَّ اختِطافُهُ من قِبَلِ قادةِ (الواقع اللبناني) أثناءَ اغترابِ سعاده القسري، ما اضطرَّ سعاده إلى إعادةِ الحزبِ كنهضةٍ فاعلةٍ بعد عودته إلى الوطن. ولكن بعد استشهاده، نَخَرَتِ الحزبَ جُرثومَةُ التطبيعِ مع الواقعِ القائم، وأحدثَتْ عاهةً دائمةً في جسدِه، وأصبحتْ، برأيِ الكاتب، سبباً دائماً لابتعادِهِ عن جنةِ النهضة، لأنها حوَّلتهُ إلى حزبٍ سياسيٍ عادي مأزومٍ ومهددٍ دائماً بالتفكُّكِ والتآكلِ الذاتي.

أولى الإشكالياتِ التي يطرحها الأمين سلّوم هي أن دستورَ الحزب، كما وضعَهُ سعاده، ارتبط عُضوياً بوجودِهِ (أي سعاده) الفعلي، بمَيّزاتِهِ الشخصية، وبصفتِهِ الزعيمَ الضامنَ لسلامةِ الحزبِ من التفكك، جرّاءَ الأهواءِ الخصوصيةِ والمماحكاتِ والأنانيات. ومع غيابه، أصبح هذا الدستورُ في حالةِ عدمِ التوازنِ مولِّداً أزماتٍ دائمةً في عمليةِ إنتاجِ السلطة، ولم يتمكنِ الفكرُ الدستوريُ القوميُ الاجتماعيُ من مَلءِ فَجوَةِ غيابِ سعاده بابتكارِ نظامٍ تعويضي.

الإشكاليةُ الثانيةُ التي يطرحُها الأمين نزار تتعلقُ بالوضعِ الراهنِ لسوريةَ المفككةِ والضعيفةِ والخاضعةِ لسيطرةِ قُوىً ودولٍ وإرادات.. فَهْيَ في حالةِ الضَّياعِ الكبيرِ المُثقلِ بهزائمَ وكوارثَ وتراجعاتٍ في مختلفِ المستويات، وبالتالي، فَهْيَ في مواجهةٍ مصيريةٍ مع خيارين: أوَّلُهُما مُهلكٌ سيقودُها إلى الفناءِ كأمة، وثانِيهِما يمثلُ لها طريقَ خلاصٍ وحيد.

يستخلصُ الكاتبُ بأن مصيرَ سورية، وجوداً وارتقاءً، يتوقفُ على مشروعِ سعاده، أي على عقيدتِهِ ووُجهتِها. ولكنَّ هذه العقيدة، برأيه، لا حاملَ لها يوازيها الآن، لذلك فهي تحتاجُ اليوم إلى حاملٍ قادرٍ على وضعِ مشروعها، الذي وحدَه سينقذُ سوريةَ من الضياعِ النهائي، وربما من الفناءِ ويعودُ بها إلى زمنِ البهاءِ المضيء.

ويطرح الكاتبُ السؤالَ الأساس: كيف سيكون الإنقاذ؟

برأيه، سيكون الإنقاذُ باستحضارِ الأسطورةِ السُّومرية والبحثِ عن زيوسودرا الجديد، عن جهةٍ صالحةٍ تمثِّلُ الحاملَ الجديدَ للعقيدة، الذي يعيدُ إلى سوريةَ وعيَها بذاتِها ويرشدُها إلى خطِّها الإبداعيِ تحتَ نورِ النهضة، ويوصِلُها إلى الحياةِ الجديدة. فمتى تظهرُ هذه الجِهَةُ الصالحةُ وتنشقُّ عن هذا الخرابِ الفظيع؟

بجوابٍ مختصر، نقولُ لحضرةِ الأمين: “لماذا الانتظارُ وإلى متى؟ بإمكانِنا جميعاً أن نكونَ تلك الجهةَ الصالحةَ المساهمةَ في الإنقاذ.

في رحلة خلاص حزب الخلاص

إبراهيم مهنّا

أدخل إلى الموضوع من رِحْلات ثلاث تشكل كلاً واحداً:

   الرحلة الأولى: في رحلة التفتيش عن سر الحياة وسر الموت الذي شغلته طويلاً موت الفرد أو الانسان ككل، تنكب جلجامش القيام برحلة للتفتيش عن عشبة الخلود في جبال الأرز، ولكنه نام وأكلت الأفعى العشبة، وكان أمام تحد كبير. وصل إلى الحقيقة: الخلود حاصل بالحياة نفسها. الحياة بعد الموت وقبله. الموت دورة من دورات الحياة. الحياة في تجدد. التجدد هو انتصار الحياة على الموت. الحياة خالدة. وجعل للخلود إلهاً. التجدد هو الحل لهذا الويل.

   الرحلة الثانية: انطلق فيها أنطون سعاده من الشوير، مر على كل حقول المعرفة وجال على الفلسفة وفي عصارات العلوم، ليصوغ السؤال نفسه، عن الويل، ويل الأمة والخلاص منه، وخلص إلى أن الأمم تتجدد وأن الموت دوري، تنفض الأمم عنها الموت بالتجدد. الحزب هو تجدد الأمة. إنَّ الخلاص يحتاج عقيدة وحركة. الحركة أو الحزب هي المخلص. هنا افترق سعادة، إنَّ الخلاص يحتاج فعلاً إلى مخلص.

 الرحلة الثالثة: بعد تسعين عاماً من رحلة سعادة، قام الأمين نزار سلّوم برحلته بعد عقود من العمل الحزبي والفكري وتبوؤ المسؤوليات، عاد ليسأل عن الويل نفسه الذي أصبح ويلاً يضاف إلى ويل الأمة هو ويل الحزب، عن مؤسسات الخلاص وعن عقيدة الخلاص. تحليل واقعها وتجربتها التاريخية. وكأنني وجدت نفسي أمام رحلة التفتيش عن عقيدة جديدة للخلاص هي عقيدة خلاص حزب أنطون سعادة.

وندخل إلى الكتاب بعد هذه المقدمة اللازمة.

   أولاً، من الصعب رصد ما أراد قوله الكاتب وربطه ومعاينته وتقييمه، لسبب أساسي يبدو في أن الكتاب ليس بحثاً تقليدياً كما أشار في مقدمة الكتاب، بل هو وشائج معرفية. ولكن قراءته المتتالية وهضمه وإعادة تنظيم محتواه، تجعل من الممكن إعادة صياغة الكتاب بشكل بحث منهجي متسلسل حتى يمكن للقارئ والمستمع إدراك ماذا يريد الكاتب أن يقول.

 السؤال الأساسي: ما الذي أراد الكاتب قوله في هذا الكتيب المكثف الصغير؟ ستقتصر ورقتي هذه لتعرض للكتاب من الناحية البحثية: السؤال البحثي، التحليل، النتائج، الخلاصة، وما يترتب على هذه الخلاصة.

   إذاً، دون مقدمات إنشائية وحشو ولت ورغي، يتقدم الكاتب إلى سؤال واضح محدد لا لبس فيه: لماذا لم ينتصر الحزب؟ لماذا لم يحقق غايته؟ وهذا يقع في صُلْب القاعدة التي أرساها سعاده قاعدة التعيين والوضوح. إذاً هو سؤال الإنجازات وما مدى تحقق الغاية؟

وفي الواقع يقوم بضربة قوية على رأس المؤسسات فيسجل جرأة في هز تابوات أو مقدسات وأخرى على رأس القوميين إذ يهز أيضاً وجدانهم. وهذه معضلة كبرى بين اشتباك عقلي ووجداني ما الذي وصلنا إليه.

   نبدأ بالسؤال نفسه ونسجل هنا أن السؤال: من المسؤول عمّا جرى على الحزب؟ قد تم نقله إلى لماذا لم ينتصر الحزب؟ وهذا يشكل خروجاً من عقلية السؤال الإداني إلى السؤال التقييمي. وأيضاً يطرح أسئلة فرعية، تحتاج كل منها إلى مناقشة على حدة.

في التحليل، نرصد تحليلين، تحليل تاريخي تم فيه رصد المشهد الأم للأمة وكيف تطور، والمشهد العام للحزب وكيف تطور داخلاً إلى المستويات الأساسية فيه:

. المسار التاريخي، تمت قسمته إلى مرحلتين: مرحلة سعاده ما بين خطي 16 من تشرين والثامن من تموز49. ومرحلة ما بعد سعادة.

       المرحلة الأولى: نبدأ من تأسيس الحزب، أسس سعاده حزباً غير اعتيادي. العقيدة والحامل. تعرض الحزب للاختطاف. عاد سعاده وكان أمام تحديات منها: استئناف المعركة الأولى معركة الوعي. استعادة الحزب المخطوف. صون النهضة وحمايتها من الأخطار المحيطة. خوض معركة الواقع والتعامل مع عناوينه الكبرى. عاكسته الظروف: الحرب العالمية الثانية واختطاف الحزب. من 2 آذار 1947 حتى 8 تموز 1949 كان يدير أربع معارك في الوقت نفسه.

       . ما هي الاستراتيجية التي وضعها سعاده لحماية النهضة؟

       . تاريخ 9 تموز 1949 استشهد سعاده. كان يمكن أن يكون إحدى خاتمتين إما على منصة انتصار أو على منصة إعدام. التاريخ هو من صاغ تلك الخاتمة. هنا ينشأ السؤال: لماذا وصل سعاده إلى المنصة الملونة بدمه؟ أول عائق للإجابة على السؤال صورة سعاده الملحمية.  ملحمية سعاده طغت على كل صورة أخرى. هنا أدى الغمر الملحمي لسعاده إلى إحالة نصه من نص ابداعي خلاق إلى وعظ تفسيري متواصل ومتكرر له، بما يوقعه في مصيدة النص الديني.

       في هذه المدّة كانت شروط الانتصار متوفرة..

       . مشروع سعاده الذي تأسس عام 32 لم يتلق مؤازرة من حركة التاريخ العامة، بل على العكس واجه صعوبات ومشاريع شكلت حصارًا عليه.

ننتقل إلى مرحلة ما بعد سعاده أو منذ غياب سعاده: عاد الحزب حزباً عادياً بكل ما في الكلمة من معنى. الحزب لم يتمكن من توظيف طاقته الكُلِّيَّة في العمل لإنجاز غايته / بدد الحزب طاقته واستعملها وقوداً لأزماته المتلاحقة / الحزب في مسيرته تعرض لكوارث لعل أكبرها استشهاد زعيمه.

هل تحققت إنجازات؟ يعتبر الأمين نزار أنه حصل فقط من نص سعاده الإبداعي. وهذا يحتاج إلى مناقشة.

       . بالمعنى الاستراتيجي أصبح الحزب ملتزماً مقتضيات استراتيجية حلفائه منذ الخمسينيات حتى اليوم ومنذ غياب مؤسسه، الحزب في متاهة تنظيمية يحاول الخروج منها فيجد نفسه غارقاً في تلافيفها / معظم الطاقة التي صرفتها الأجيال المتعاقبة لم تكن في سبيل قضيته الرئيسة، بل وقوداً لأزمة لا نهاية لها / في كل هذه المدّة كان حزباً مأزوماً دائماً. من الصعب رؤيته معافى /المعاندة الصلبة والقاسية التي واجهها الحزب من الشعب المسجون في أقفاص الطائفية. لم يتمكن من تفكيك أقفالها.

       . السمة البارزة في هذه المدّة تطبيع الحزب مع الواقع القائم ما أفقده القدرة على استعادة المسافة التي تجعل الواقع تحت نظره، ومعاينته الرؤيوية، فقد الحزب مِيزة الاختلاف، وسلب الواقع منه فكرة تغييره فاشترك في تكريسه وحمايته.

       . فالارتقاءات المعرفية الكونية والإنجازات التكنولوجية التي بنى سعاده على أسسها التفكيرية وإنجازاتها الفلسفية والاجتماعية، نظريته المجتمعية الفريدة، أضحت في غيابه شبه عاجزة عن الارتقاءات المعرفية العالمية وانعكاساتها المحلية حيث احتفت النخبة التفكيرية بنشوة راهنية سعاده، مكتفية منها بالفخر والاعتزاز وليس بالعمل و متابعة الإنجاز، فاتسمت بإعادة اكتشافها بالتفسير وإعادة تأويل السعادية كشروح في العقيدة على طريقة رجال الدين مستعرضين بين الفينة والأخرى جملاً وكلمات سعادية ثبت اطلاعهم الدائم على ما أتى به سعادة.

       . سعاده أسس عقيده غير اعتيادية ومؤسسات غير اعتيادية، تم خطف الحزب من دعاة الواقع اللبناني، قام سعادة بتحرير الحزب، بعد استشهاده عاد حزباً اعتيادياً وتفاحة التطبيع مع الواقع عادت..

     المشهدية:

       . على مدى أكثر من قرن تواظب الأمة على ارتكاب فعل هزيمة نفسها مرة تلو الأخرى / هذا إفناء ذاتي. يمكن أن تلتقي سوريا بذاتها وتتعرف على شخصيتها الضائعة بالأخذ بعقيدة سعاده بكونها تشكل نظام وجودها / الآخذة بالعقيدة القومية الاجتماعية. يتطلب خروج سورية وتحررها من استبداد السردية العربية الإسلامية وانتحارية السرديات المتمردة عليها.

       . سوريا اليوم في مواجهة مصيرية مع خيارين أولهما مهلك سيقودها الى الفناء كأمة، وثانيهما يمثل لها طريق خلاص وحيد.

الخلاصة: كان حزباً غير اعتيادي، ومنذ استشهاد سعاده في التاسع من تموز 1949 تكرس الحزب السوري القومي الاجتماعي كحزب عادي.

تتمة الخلاصة أو ما ينبى عليها: لم يعد البحث عن مخرج من المتاهة مجدياً.

والآن ما المشهد؟

        واقع الحزب: اليوم الحزب يكابد قدر الشيخوخة / تحاصره الأسئلة الكبرى من مثل: ماذا فعلت خلال حياتك المديدة؟ لماذا لم تنتصر؟ وأين أنت الآن وكيف ترى المستقبل؟ الحزب يبدو كحطام تنظيمات مدمرة في بنيتها كما في كونها بالأصل تشكل حاملًا لعقيدة ونهضة.

       واقع الأمة: المشهد العام

       1-مع انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت سوريا خامدة ولم تتمكن من النهوض، فأضاعت فرصتها التاريخية الأولى.

الفرصة الثانية التي خسرتها، كانت عندما لم تتمكن النهضة السورية القومية الاجتماعية من الانتصار مع فقدانها لرأسها الطبيعي سعادة.

       2-تعاني سوريا من خطر الوجود لا من تحديات الدخول إلى الحداثة / دخلت في طور الإفناء الذاتي / اليوم سوريا على حافَة الضياع النهائي / سورية الآن في طور التيه العظيم أو الضياع الكبير.

       المشهد التفصيلي:

       سوريا الآن دون قوام جغرافي وتاريخي وسكاني، ففضلاً عن كونها أشلاء كيانات سياسية، أكثر من ثلث أراضها محتل أو مستلب تماماً شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، دولها مفككة ضعيفة وتحت سيطرة قِوَى ودول وإرادات واستراتيجيات إقليمية وعالمية، مجتمعها مفكك ومنقسم على ذاته ومتوضع على مرتسم طائفي، مذهبي إقطاعي عرقي عائلي، أوابدها وآثارها التي هي شاهد على أسبقيتها الحضارية مهدمة ومسروقة ومهملة ومسجاة في متاحف العالم، ثرواتها داشرة ومبددة ومنهوبة، أرضها تتصحر ومياه أنهرها الكبرى تجف، العديد من مدنها وبلداتها مهدم ومدمر، إن بفعل أعداءها أو بفعل أهلها أو بفعل الكوارث الطبيعية، أكثر من ثلث شعبها نازح ولاجئ ومشرد، وأعظمه يحاول الهجرة، نخبها الفكرية ضائعة ومشتتة أو ملتحقة بمراكز مالية وسياسية إقليمية، عالمية، نخبها العلمية مهاجرة في معظمها، حركاتها وأحزابها عتيقة طائفية ومذهبية وإتنية واعتباطية، وخادعة بأفكار وهمية، شعبها فاقد لنظام قيم واضح تحكمه فوضى أخلاقية  تغمره بمستنقع فساد هائل، ويخضع في الوقت نفسه لحملة تجهيل هائجة، ربما لا سابق لها من حيث شراستها، حملة تجهيل تستهدف إنتاجه ببعد واحد فقط : ديني يتمظهر بحالات طائفية.

       بعد أكثر من قرن لم تتمكن سوريا الخامدة من إيقاظ نفسها/لا تخرج سوريا من التيه العظيم الا لتدخل في الوضوح العظيم / الوضوح العظيم: أن تعي ذاتها وتعرف تاريخها وتستعيد شخصيتها ومسارها وميزاتها وروحها وتعيد بناء قوامها. / وهذا المشروع ليس أقل من إنشاء أمة جديدة من قديمة على حد تعبير سعادة.

السؤال الثاني الأساسي:

مصير الأمة ومصير الحزب.

       أزمة الحزب: علة أم أزمة؟ الفرق بين الأزمة والعلة كبير. ملاحقة مسارها الزمني.

       التحليل البنيوي: ثلاثة مستويات

شرح مفهوم الحزب وتحليل مكوناته: الحزب النهضة العقيدة. الحزب العقيدة المؤسسات. الدمج أم التفكيك؟

       بين العقيدة والحامل التوازن المفقود. عدم توازن. بين العقيدة والمؤسسات. المؤسسات أقوى من العقيدة، تنزع نحو الانزياح عن العقيدة. الانسلاخ يؤدي إلى حالة الاستلاب. سؤال الضمانات؟ ضمانة عدم الانزياح وضمانة عدم التفكك وضمانة عدم الخطف.

       ضمانة عدم الانزياح هي الانتصار … ضمانة حماية النهضة: ما هي الضمانات التي تحمي النهضة؟ يعرض لخطرين التفكك والخطف.

        أيام الزعامة، سلطة الزعامة. حمت من الخطف ومن التفكك. بعد سعاده؟  من يأخذ مكان سعاده؟ فرد؟ غير ممكن لا فرد يملك صفات الزعيم. مؤسسة؟ المؤسسات انقلبت عليه في حياته، وهذا يقودنا إلى استنتاج وكأن هذا النظام مؤسسه زعيمه وسيقود قضيته إلى الانتصار.

       ضمانة حماية النهضة من التفكك: كانت سلطة الزعيم، أمَا وقد غاب سعاده سلطتة لم تعد موجودة، ولم يتوصل الفكر القومي الاجتماعي إلى ابتكار نظام تعويضي عن هذا الغياب، ما الذي حصل؟ تفكك الدمج المنهجي بين العقيدة والحزب، فأمست المؤسسات في خدمة الحزب العادي بعيداً عن العقيدة. تكرست حالة القطيعة بين النهضة الحامل العقيدة

       فرادة الحزب وعلاقته بالواقع: الواقع تحت نظر الحزب يسعى دائمًا لتغييره.

التطبيع مع الواقع: عندما فقد الحزب مِيزة الاختلاف سلب الواقع منه فكرة تغييره، فاشترك في حمايته وتكريسه منذ الاستقلالية الكيانية حتى اليوم مرورًاً بتحالفات الخمسينيات والسبعينيات وإلى اليوم خضع الحزب لمنطق التحالف مع قِوَى الواقع أحزاباً وحركات وكيانات.  أمَا وقد غاب سعاده نخرت التفاحة المهترئة مجدداً.

الخلاصة: اعتباراً من صباح التاسع من تموز تكرس وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي كحزب سياسي عادي إلى جانب الأحزاب السياسية الأخرى. وان العقيدة التي وحدها تمثل خلاص سوريا لا حامل لها يوازيها الآن. وهي أمام الشعب السوري الذي يفترض أن ينبثق منه هذا الحامل ليحصل ذلك التطابق الذي قصده سعاده بين النهضة والعقيدة والحزب.

       وهنا الانتباه أن هذه الخلاصات إذا ثبتت قد يحتملها العقل، ولن يحتملها الوجدان وهذا مصدر استلاب اضافي. وهذا بحث آخر: الحقائق بين العقل والوجدان.

الآفاق التي فتحها الكتاب: فتح الكتاب البحث أمام شتى الموضوعات لعل أهمها:

موضوع الفكر النقدي داخل الحزب ومؤسساته ومدى حدود الهوامش الذي تتسع له. كتابة تاريخ الحزب. المؤسسات الغائبة في الحزب. من يحسم الاختلافات الفكرية وعلى أية قواعد، من يحسم دستورية القوانين؟ من يقيم تراث التلامذة؟ انقطاع الفعل الابداعي بعد سعاده. سياسة الانعزال والتبعية في مقابل الانفتاح والاستقلال. كيف نقرأ أنطون سعاده؟ طاقة الحزب أين تم صرفها؟ هل ولد الحزب الطاقة الكافية لتحقيق التغيير؟ هنا يفتح سؤال كبير عن الضمانات: ضمانات عدم الانحراف وعدم الانسلاخ وعدم التفكك وعدم الخطف. أهلية الحزب لحمل النهضة. مفهوم التاريخ، نحن النصر السلبي ننتظر دماً من التاريخ أم نحن محركه؟ مسألة حضور النهضة في الحزب. مسألة حضور القضية في الحزب. الحالة التي يكون فيها الحزب مفارقاً للنهضة. موت الحزب أم موت النهضة؟ الحزب فكر وحركة ماذا إذا انفصلت الحركة عن الفكر؟ (الحركة – النهضة – الحزب) الثالوث الأول. (فكر، نهج، شكل). الثالوث الثاني.  مسألة المهام الأساسية الكبرى التي رسمتها الحركة السورية القومية الاجتماعية وتنكبت العمل لتحقيقها. التخطيط الاستراتيجي. الفكر الذي تنكب إيجاد الحلول لمشكلة أمته ومجتمعه غير قادر على إيجاد الحلول لحزبه؟

    هذا قسم يتناول أزمة الحزب أما القسم الثاني حول سؤال هل ما زالت عقيدة الحزب صالحة للخلاص؟ فهذا بحث لا يقل أهمية ويحتاج مزيداً من الشرح. وأيضاً يتابع في مشروع أنطون سعاده اليوم من مدخل معرفي، والذي لا تتسع له المناقشة أيضاً.

سؤال: بالرغْم من ذلك وبرغم عدم الانتصار وبالرغْم من مرور هذا الوقت الطويل الذي يقترب ليكون قرناً نعود للتساؤل إذا كان مشروع سعاده لا يزال هو مشروع خلاص سورية، خلاصها من الفناء كأمة؟

   لقد سبق لباحثين قوميين أن دخلوا إلى أزمة الحزب من هذا الباب: الحزب والحركة والعقيدة والنهضة، وهنا نسجل للأمين جورج معماري خلاصة بحثه: لقد سقط الحزب كأداة لتحقيق فكر سعادة، وبقي الفكر باحثاً عن رافعة له من هذا الذي وصلت إليه أداته، كما أن الأمين هنري حاماتي أجرى فصلاً بين الحركة والحزب واعتبر أن أكثر من أساء للحركة هو الحزب لا بل كان عبئاً على الحركة. هذا تحليل يحتاج إلى ضبط وتعمق وشواهد وتحمل البحاثة مسؤولية كبرى في تناولها وأخلص بالقول للأمين نزار: لقد قال الباحث ثلث الحقيقة: انه كان حزباً غير عادي. الثلث الثاني كيف ولماذا كان حزباً غير اعتيادي؟ أما الثلث الثالث: كيف يعود حزبا غير اعتيادي؟ مؤسسات خلاص؟ فهذا رهن طبعاً بمزيد من البحث والتحليل والتأسيس الفكري.

أختم بسؤال من الكتاب: هل تغيير الأسئلة وابتكارها مجدداً يمكّن من وضع حد لهذه المتاهة؟

من حزب غير اعتيادي إلى حزب دون اعتيادي

أسامة عجاج المهتار

كتاب الأمين نزار سلّوم الأخير، موضوع ندوتنا، هو كتاب مفصلي في تاريخ النهضة السورية القومية الاجتماعية. إنه يضع كل من انتمى لهذه النهضة أمام سؤال مفصلي: هل أنت في حزب غير اعتيادي أم في حزب اعتيادي؟ وهذا السؤال يقودنا بالاستطراد إلى سؤال أكثر حميمية، هل أنت شخص غير اعتيادي أم شخص اعتيادي؟

إن هذا السؤال هو محور الكتاب، ولكن إذا اكتفينا به، تجنّينا على الكتاب والكاتب. فالكتاب جلسة استجواب لسعاده، ليس فقط في مرحلة “أزمة الحزب البنيوية” التي يؤرخ لها الأمين نزار ابتداء من الثامن من تمّوز، 1949، بل يُسائله في مرحلة شهدت تكوّن “علّة الحزب البنيوية” أي إبّان وجوده في قيادته بين 1932-38 وثم بين 1947-49. ويميّز سلّوم بين الأزمة والعلّة بالقول، “.. والفرق بين الأزمة والعلّة كبير وجوهري، حيث تعود الأزمة إلى أسباب عارضة، فيما تعود العلّة إلى سبب رئيسي بنيوي يوجد حصرًا في الأساس، أي في الأصل، أي ابتداء من خط 16 تشرين ثاني، 1932.” (ص. 19)

يستهل الكاتب البحث بمقدمة يقول فيها: “أكثر من تسعين سنة انقضت على تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، وها هو يكابد قدر الشيخوخة، إذ تحاصره الأسئلة الكبرى من مثل: ماذا فعلت في حياتك المديدة؟ ولماذا لم تنتصر؟ وأين أنت الآن؟ وكيف ترى المستقبل؟” ويصف وضع الحزب اليوم بأنه في “متاهة تنظيمية يحاول الخروج منها فيجد نفسه غارقاً في تلافيفها وعقدها.” إنه ينظر إلى “أجيال متعاقبة انتمت إلى الحزب، رغم كوارثه وهزائمه ومتاهته التنظيمية. انتمت ودخلت من باب النهضة حيث تجد سعاده وخطابه، ولكن لتجد نفسها مقيمة في (حزب عادي) ومأزوم دائما. “حزب استسلم أمام عناد سكان الاقفاص فالتحق بفلكها متحالفاً أو مؤازراً لقوى الأمر الواقع.” (ص. 9-8).

“هل نجازف إذ نعود للبحث عن (العلة) في الأسس الأولى، أو الجذور العميقة التي غرسها سعاده نفسه؟” يسأل سلّوم. هنا يأخذنا في رحلة تفكيك وإعادة بناء لمرحلتي التأسيس كما يراهما، الأولى سنة 1932 والثانية، سنة 1947. إنه يأخذنا إلى “الصندوق الأسود” لحطام الحزب علّنا نجد فيه أسباب سقوطه وتحطمه. إنه يكلمنا عن “الحامل” الذي “يختطف النهضة والعقيدة”. إنه يمر على ماركس والأحزاب الشيوعية، ويسوع والكنائس المسيحية ليخلص إلى نتيجة قاسية: “المؤسسات وأنظمتها أقوى من العقائد ونصوصها.” (ص. 51).

وماذا عن العلّة؟ العلّة هي أن سعاده أسس حزباً غير اعتيادي، تحوّل، إلى حزب اعتيادي، مرتين. الأولى أثناء غيابه القسري، والثانية منذ استشهاده، وحتى الآن.

لعل الفصل الرابع من الكتاب وعنوانه “العلة البنيوية” هو أهم فصول الكتاب ويجب قراءته بتمعن كبير. هنا يشرح سلوّم إشكالية كون عقيدة الحزب وغايته ومؤسساته “لا تقارب أنظمة الأحزاب السياسية.” وكيف أنه، استناداً إلى وصف سعاده نفسه، هو “حزب غير اعتيادي. وكيف أن الجملة النافية هنا (لا اعتيادي) تأخذ محتواها من جمل تعريفية واضحة مثل ‘فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها’ أو “قضية الحزب هي قضية الآفاق للمجتمع الإنساني”

لا ليس سهلاً نص نزار سلّوم إذ يفكك “علّة الحزب البنيوية”، ولكن العلّة بحد ذاتها معقدة وتتطلب تأنياً في المقاربة، والمتابعة، والقراءة، والفهم. أكثر من هذا، إن هذا الفهم يردنا إلى السؤال المفصلي الذي بدأنا به هذا المقال، “هل أنت في حزب غير اعتيادي أم في حزب اعتيادي؟ / هل أنت شخص غير اعتيادي أم شخص اعتيادي؟” والسؤال مشروع لأنه إذا توخى سعاده تأسيس حزب غير اعتيادي، فهذا يتطلب أشخاصاً غير اعتياديين. ولإيجاد الجواب، يقدم لنا سلّوم معيارًا هو مرحلة التأسيس الأول، 1938-1932، ومن ثم مرحلة التأسيس الثاني، 1949-1947، أي استعادة الحزب من “الواقع اللبناني” بعد أن تحول بفعل طغيان “المؤسسات” إلى حزب سياسي لبناني اعتيادي.

ولكن هذا المنحى من البحث يقودنا إلى سؤال أدهى من خارج نص سلّوم؟ إذا كان الحزب غير الاعتيادي يقوم على اشخاص غير اعتياديين، فمن أين نأتي بهم في ظل واقع ما دون الاعتيادي؟ سلّوم يجيب على نصف السؤال، حيث للمؤسس الذي “ينشق” عن الواقع صفات تؤهله لاجتذاب الإمكانيات وقيادتها. لنفترض إذن أنَّ هذا حصل، هل يمكن لمن انتمى للحزب، وأصبح شخصاً غير عادي أن يعود إلى “عاديته”؟ والجواب نعم. طبعاً. وهذا يقودنا إلى مراحل “إدارة التغيير”، التي تبدأ من الوعي، فالرغبة، فالمعرفة، فالقدرة، ومن ثم التدعيم. والتدعيم هو من أخطر مراحل عملية التغيير، إذ ان الانسان بطبيعته يميل للعودة إلى ما هو معتاد عليه. من هنا تأخذ عملية تدعيم التغيير كي لا تنزلق المؤسسة، أو الأفراد، أو المجتمع، إلى الحالة السابقة.

إن سفر سعاده سنة 1938، ومنعه من العودة لمدة تسع سنوات، كانت كافية لكي يعود الكثير من قيادات الحزب غير الاعتيادي إلى منطلقاتهم ما دون الاعتيادية التي انتهت بالحزب إلى الواقع اللبناني. وبعد استشهاد سعاده، نسفت القيادات اللاحقة كل الأسس التي وضعها إبان تأسيسه الثاني سنة 1947، وعادت به ليكون حزباً سياسياً اعتيادياً.

يقول سعاده عن الواقع اللبناني، “والظاهر أنّ الحزب قَبِلَ انتشار ‘الواقع اللبناني’ بحكم النظام فقط، لأنني وجدت أنّ مجموع القوميين الاجتماعيين لم يتقيدوا بفكر واحد من هذه الأفكار”. لقد استوقفتني هذه العبارة كثيرا فتساءلت، ما هي قيمتها العملية؟ هل من فارق بين “القبول” بانتشار الواقع اللبناني و”التقيد” بفكرته. لقد قَبل معظم القوميين، أما الذين رفضوا، فهُمشوا أو طُردوا. والقبول كان حياء، أو قلة دراية، أو كسلاً، أو تكسباً، أو ممالأة. ولم يكن ممكناً فك قيد “القبول” إلّا بعودة سعاده، وتطهيره الحزب. أمّا لو لم يعد، لكان القبول قد تحوّل تقيداً أكيداً.

وبعد، سألت نفسي كثيرا، كيف يتشكل الانسان غير الاعتيادي المطلوب لحزب غير اعتيادي. هل هذه غير الاعتيادية هي شرط مسبق للانتماء أم يمكن لها أن تتشكل أثناء وبعد عملية الانتماء. الجواب يمكن في محاولة فهم العوامل النفسية التي تشكل إنساناً غير اعتيادي في مفهوم النهضة. وللاستعانة بذلك اخترت بضع عبارات لسعاده، أختم مداخلتي بها.

  • كلامه عن الصدق في المحاضرة العاشرة، وهو أساس العقلية الأخلاقية الجديدة التي هي نقيض النفسية العامة التي وصفها في خطاب الأول من آذار سنة 1938، بأنها نفسية خوف وجبن وتهيب وتهرب وترجرج في المناقب والأخلاق، ومن صفاتها الخداع والكذب والرياء والهزؤ والسخرية والاحتيال والنميمة والوشاية والخيانة وبلوغ الأغراض الأنانية ولوكان عن طريق الضرر بالقريب والبعيد. وقد اختصر هذه النفسية في المحاضرة العاشرة بثلاث كلمات: السياسة والدبلوماسية وعدم التصارح، ونقيضها الصدق.

2- مقطع الوجدان القومي من مقدمة نشؤ الأمم: “إنّ الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن. ولقد كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النفسية البشرية وتطور الاجتماع الإنساني. أما ظهور شخصية الجماعة فأعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجة، وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقداً، إذ إنّ هذه الشخصية مركّب اجتماعي – اقتصادي – نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه، وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه.”

3- كلامه عن المحبة في فصل الموسيقى من كتاب فاجعة حب: “المحبّة التي إذا وجدت في نفوس شعب بكامله أوجدت في وسطه تعاوناً خالصاً وتعاطفاً جميلاً يملأ الحياة آمالاً ونشاطاً، حينئذ يصبح الجهاد السياسي شيئاً قابلاً للإنتاج.”

4- إن فيكم قوّة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ، شرط أن تكون “لو” أداة تحفيز وليس أداة تمني.

5- إنما النيات بالأعمال وليس العكس.

6- إنَّ الحياة كلها وقفة عزّ فقط.

7- لقد وضعنا أيدينا على المحراث ووجَّهنا نظرنا إلى الأمام.

ختاماً، نصل إلى تأكيد المسلمّة التالية: الحزب غير الاعتيادي يُنتج إنساناً غير اعتيادي حتماً، وأي ارتكاس نحو غير الاعتياديّة – وهذا ما حصل في أكثر من مرة – يؤدي إلى نسف الأساس الذي قام عليه الحزب.

البحث في مشروع أنطون سعاده

يوسف كفروني

صدر كتاب الأمين نزار سلّوم: ” البحث عن زيوسودرا عن مشروع أنطون سعاده ومصير سورية” ربيع 2023 عن مركز سيرجيل للثقافة والفنون والإعلام.

يقدم هذا الكتاب مراجعة فكرية نقدية لمشروع أنطون سعاده والحزب الذي يدّعي حمل هذا المشروع مع كل الخيبات، والإخفاقات المتتالية، والانقسامات، والتشرذم.

يتضمّن الكتاب مقدمة وستة عناوين وخاتمة:

أزمة أم علّة بنيوية

أي سعاده

النهضة وحاملها الحزب

العلّة البنيوية

لماذا لم تنتصر قضية الحزب بوجود سعاده

مشروع سعاده ومصير سورية

البحث عن زيوسودرا

يستشهد في خاتمة الكتاب (البحث عن زيوسودرا)، بأسطورة الطوفان السومرية المتكرّرة في الأساطير الأكادية مع أترحسيس، والبابلية مع أوتانبشتم، هذه الأساطير المكتوبة قبل أكثر من ألفي عام قبل الميلاد، لتنتقل أخيراً قبل الميلاد ببضعة قرون إلى الأسطورة التوراتية بطوفان نوح.

تقول الأسطورة أن الآلهة غضبت على البشر وقررت إبادة الحياة بطوفان ماء، ولكن إله الحكمة أشار إلى زيوسودرا الحكيم والورع ببناء سفينة لإنقاذ الحياة.

سورية حسب الكاتب مهدّدة بالموت، جاءها مشروع خلاص مع سعاده فجرى اغتياله، والحزب الذي أسسه لحمل مشروعه النهضوي وقع في التيه، وتحول الى حزب عادي مدمَّر مدمن على التفتت والانشقاق وملتحق بقوى الأمر الواقع وسكان الأقفاص الطائفية.

تبقى عقيدة سعاده هي طريق الخلاص للأمة وتحريرها من السرديات الدينية وعصبياتها القاتلة.

يطرح العودة إلى سعاده وفق منطقه وفلسفته، ويعتبر أن الإشكالية الكبرى هي بتحويل نص سعاده من نص مرجعي إلى نص رسالي نهائي، فالنص المرجعي يقود إلى الفكر الإبداعي الخلّاق بينما النص النهائي يقع في مصيدة النص الديني ويخرج من الشرط التاريخي ومقتضياته. (سلّوم، 2023، صفحة 20و23)

ويرى أن مشروع سعاده يرتكز على مبادئ راسخة مفتوحة للتعالي والامتلاء في سياق حركة التاريخ وأحداثه، ويستند إلى القوانين العلمية والحقائق التاريخية. ويعتبر أن كتاب نشوء الأمم رغم طابعه العلمي إلا أنه محمّل بفلسفة التاريخ. (سلّوم، 2023، الصفحات 24-26)

ولكن سعاده في كتاب نشوء الأمم يتجنّب كل أشكال النظريات الفلسفية والتاريخية. ويقول بهذا الخصوص:

” إنّ نشوء الأمم كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظريّة وسائر فروع الفلسفة، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. وقد أسندت حقائقه إلى مصادرها الموثوقة. واجتهدت الاجتهاد الكليّ في الوقوف على أحذث الحقائق الفنيّة الّتي تنير داخليّةً المظاهر الاجتماعيّة وتمنع من إجراء الأحكام الاعتباطيّة عليها.”
ويدعو إلى العودة إلى الواقع الاجتماعي ودراسته في أطواره وظروفه وطبيعته. ولا تخلو أمّة من الدّروس الاجتماعيّة العلميّة إلا وتقع في فوضى العقائد وبلبلة الأفكار.
(سعادة ، الأعمال الكاملة 3، 2001، الصفحات 5-6)

يقول الأمين نزار سلّوم في نهاية بحثه: “هذا المشروع، الذي في عمقه هو العقيدة السورية القومية الاجتماعية، ووجهتها العملية هي غاية الحزب، ليس موضوعاً لحزب سياسي عادي، بل لحزب غير عادي وفق تسمية سعاده. هذه العقيدة بحاجة إلى حامل قادر على وضع مشروعها الذي وحده سينقذ سورية.

إذا فلنبحث عن زيوسودرا.” (سلّوم، 2023، صفحة 144)

ولكن الباحث يترك لنا المسألة حول زيوسودرا مفتوحة بدون جواب. من يمكن أن يكون هذا الآتي الحامل مشروع الخلاص؟ هل هو شخص أو مؤسسة وهل يمكن أن يأتي ومن أين؟

وصف حالة الحزب

الحزب كما يصفه سلّوم هو حطام تنظيمات مدمرة، حزب متعثّر ومثقل بأزماته (سلّوم، 2023، صفحة 7)

وهو يواجه معاندة لدعوته نتيجة العصبيات المتنوعة طائفياً وعرقياً والبنى السياسية التقليدية، واستسلم لسكان الأقفاص الطائفية والتحق بفلكها متحالفاً ومؤازراً لقوى الأمر الواقع. (سلّوم، 2023، صفحة 8)، الحزب غريب عن نفسه ومعناه وغايته وهو في متاهة تنظيمية تتكاثر انشقاقاته.  (سلّوم، 2023، صفحة 9)

  حزب مأزوم دائماً ولا جدوى للبحث عن مخرج لمتاهته. (سلّوم، 2023، صفحة 11)

رغم هذا الواقع، فقد سجل الحزب برأيه نجاحات باهرة ومميّزة في ميادين مختلفة خصوصاً في الحقل الثقافي، وفي حقل الصراع مع المشروع الإسرائيلي، ولكنه افتقد دائماً للاستراتيجية القادرة على تطويره. (سلّوم، 2023، صفحة 10)

التمييز بين الحزب السياسي الاعتيادي والحزب غير الاعتيادي 

يقسم مرحلة الحزب منذ تأسيسه حتى اليوم إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: منذ التأسيس حتى استشهاد سعاده (1932-1949)، ويسمي الحزب في هذه المرحلة، الحزب غير الاعتيادي الذي جرى اختطافه من قادة الواقع اللبناني (1944-1947)، الذين حولوه إلى حزب سياسي عادي، ثم جرى استرداده بعد عودة سعاده من الاغتراب القسري وتطهير الحزب من الانحراف العقائدي والسياسي، ليعود حزبا غير اعتيادي.

ويربط هذه المرحلة بما يسميه العلّة البنيوية. التي تعود برأيه إلى سبب رئيسي بنيوي يوجد في الأساس، في الأصل ابتداء من التأسيس 1932.

المرحلة الثانية: منذ استشهاد سعاده ولا تزال مستمرة، ويسمي الحزب في هذه المرحلة بالحزب السياسي العادي، ويربط هذه المرحلة بما يسميه الأزمة البنيوية، التي بدأت بعد غياب سعاده وتعود لأسباب عارضة.

ويجد أن سمة الحزب هي التطبيع مع الواقع القائم، وخلال مسيرته لم يكن حزباً غير اعتيادي كما أراده المؤسس، وبالتالي هو في حالة قطيعة مع حزب سعاده. (سلّوم، 2023، صفحة 41) هو حزب سياسي مهدد دائما بالتفكك والتآكل الذاتي)، آفاقه لا تتجاوز الواقع السياسي الذي ينخرط فيه. (سلّوم، 2023، صفحة 61)

 يعتبر أنّ سعاده يقزّم مفهوم الحزب السياسي مستهدفاً تقزيم أطروحة الواقع اللبناني وإيضاح الرسالة فوق السياسية لدعوته. (سلّوم، 2023، صفحة 36)

الأحزاب السياسية

الأحزاب السياسية بالمعنى الحديث نشأت في أوروبا في دول حققت وحدتها القومية وكان الصراع بين الجماعات حول طريقة صياغة حياتها وعلاقاتها وحجم تدخل الدولة في شؤون الأفراد والجماعات، وكان للعديد من الأحزاب رؤيته الفلسفية والاجتماعية من اشتراكية وليبرالية على أنواعها.

  بالنسبة لتعريف الأحزاب السياسية التي نشأت مع ظهور الدولة الحديثة في الغرب استند العلماء إلى واقع نشأة وتشكّل هذه الأحزاب. والأحزاب تختلف في عقائدها وبنيتها حسب مشكلات مجتمعها وتطلعات وأهداف مؤسسيها. وبالتالي فإنّ واقع المجتمع السوري كان مختلفا بشكل كبير عن واقع المجتمعات الغربية الناهضة، والمتقدمة، والمحقّقة لسيادتها، واستقلالها.

المجتمع السوري مفكّك تتآكله الحزبيات الدينية والاتنية والعشائرية والإقطاع الديني والإقطاع السياسي ويواجه تهديداً وجودياً من الاستعمار الغربي والمشروع الصهيوني.

هذا المجتمع لا ينفعه حزب سياسي عادي يتناول قضايا جزئية. لذلك جاء سعاده بمشروع نهضوي يحمل قضية كلّية، فأسّس حزباً سياسياً غير اعتيادي. وهذا الحزب السياسي غير الاعتيادي يلزمه نساء ورجال غير اعتياديين، محصّنين بالمعرفة والوجدان القومي والأخلاق والمناقب القومية بعيدا عن الانتهازية والمصالح الشخصية والنزعة الفردية.

الحزب السياسي الاعتيادي والحزب غير الاعتيادي

كل كتابات سعاده عن حزبه منذ التأسيس هي كلام عن حزب غير اعتيادي حزب نهضوي، بعث النهضة وتحقيق استقلال وسيادة الأمة في صلب غاية الحزب. أي إن سعاده لم يستخدم مصطلح الحزب غير الاعتيادي للرد على قادة الواقع اللبناني لتقزيم أطروحتهم.

في رسالته إلى حميد فرنجية من سجن الرمل 1935 يبيّن سعاده اختلاف موقفه بالنسبة إلى موقف المتزعمين السياسيين بأن موقفه مبني على الأساس القومي، بينما موقف السياسيين الآخرين كان ولم يزل على الأساس السياسي. والسياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً. والعمل القومي الشامل المتناول مسألة السيادة القومية ومعنى الأمة لا يمكن أن يكون عملاً خالياً من السياسة.  (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 32)

كتب سعاده في جريدة الزوبعة في العام 1944

“الحزب السوري القومي الاجتماعي هو حركة تجديدية في المناقب والأخلاق، كما فى النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو ليس حزباً اعتياديًّا غرضه إكثار عدد أعضائه، وربح معركة انتخابية، وتحقيق منافع لكبرائه، وبعض المطاليب المحدودة التي لا تغيّر حالة الأمة ووجهة سيرها. “. (سعادة ، الأعمال الكاملة 7، 2001، صفحة 51)

مفهوم سعاده للحزب غير الاعتيادي لا ينفي قيام أحزاب سياسية أخرى، فهو دعا

في برنامج الحزب النيابي 1947 إلى قيام أحزاب سياسية على الأساس القومي غير الطائفي، “إيجاد التمثيل المسؤول لمصالح الشعب بواسطة الأحزاب ذات الأهداف القومية والمناهج الشعبية العامة. (سعادة ، الأعمال الكاملة 7، 2001، صفحة 251)

العلّة البنيوية والأزمة البنيوية

يصف الأمين نزار سلّوم ما يحصل في الحزب بعد استشهاد سعاده بالأزمة البنيوية، يسميها أزمة لأنها عارضة، غير أن كلمة عارضة تحمل التباساً، بمعنى أنها عرضت بعد غياب المؤسس، وقد تعني أنها غير ثابتة سرعان ما تزول. طبعاً يقصد المؤلّف المعنى الأول لأنه يرى أنها منذ خمسة وسبعين عاماً ولا تزال مستمرّة ولا خروج من المتاهة. لذلك يقتضي توضيح المصطلح تجنباً للالتباس. أما تسميتها بالأزمة البنيوية فهذا يعني أنها تتعلق ببنية التنظيم وليس بشخص محدّد بحيث إذا تمت إزاحته تستقيم الأمور وتزول الأزمة.

ويحدّد العلّة البنيوية التي بدأت حسب رأيه مع التأسيس، بأنها تعود لسببين:

1-استخدام سعاده مصطلح الحزب غير الاعتيادي   وهذا ما يتجاوز تعريف الحزب السياسي ويبتعد عنه تماما. ويتساءل ما هي الضمانات القادرة على حماية هذه اللااعتيادية وتأمين رسوخها وعدم تعرضها للاهتزاز. (سلّوم، 2023، صفحة 46)

2-المؤسسات بنظامها المركزي التسلسلي لم تمنع الإدارات العليا من الاستقلال بخططها وسياساتها، دون أن يكون للوحدات الحزبية إلا أحد خيارين: التنفيذ والانضباط والالتزام أو الاعتراض بما يسمح به النظام وهو حق يمارس فرديا ولا يكون مؤثرا إلا على نحو محدود، أو التمرد والانشقاق، والذي عادة ما يتوسل العنف اللفظي والفيزيائي.

 (سلّوم، 2023، صفحة 47)

أعتقد أن مصطلح العلّة البنيوية لمرحلة سعاده بحاجة إلى مراجعة، فما هي العلاقة بين كون الحزب غير اعتيادي وانحراف قادة الواقع اللبناني العقائدي والسياسي بدوافع شخصية؟ وما العلاقة بين مصطلح العلّة وقبول القوميين بحكم النظام، علما أنهم حديثو الانتماء، لا يمتلكون الوعي اللازم بالعقيدة وتاريخ الحزب؟

ما حصل في مرحلة سعاده من انحراف عقائدي وسياسي كان بسبب اغتراب سعاده القسري وعدم القدرة على التواصل وحداثة الحزب وعدم نضج المسؤولين المعينين وعدم فهمهم العميق للعقيدة وفلسفتها إضافة إلى المطامح الشخصية لدى البعض.

ضمانات الحفاظ على العقيدة والمؤسسات معاً

يتساءل ما هو هذا النظام\المؤسسات الذي يتمكن من معارضة العقيدة التي جاء بالأصل ليكون حاملا لها؟ وأين هي الضمانات الكفيلة بالحفاظ على العقيدة والنهضة من جهة وعلى المؤسسات كبنى عضوية من جهة مقابلة؟ (سلّوم، 2023، الصفحات 47-48)

ويعطي أمثلة عن العقائد والمذاهب السياسية والدينية، وكيف تنزاح المؤسسات عن نص العقيدة التي أنشئت لأجل تحقيقها في الواقع. وبالتالي المؤسسة أو الحزب (الحامل) أقوى في الواقع من المحمول الذي هو النص أو العقيدة.

ويسأل أين نجد الضمانات القادرة على ضبط المؤسسات من الانسلاخ بعيداً عن نص العقيدة.  (سلّوم، 2023، الصفحات 51-53)

ويعتبر أن السلطة غير المحدودة للزعيم هي الضمان الوحيد لسلامة الحزب، وأن لا فرد ولا مؤسسات يمكن أن تحل مكان سعاده، والدستور الذي وضعه سعاده مرتبط عضوياً بوجوده، بميزاته الشخصية وبصفته الزعيم، ومع غيابه سيصبح الدستور في حالة عدم توازن، وفجوة غياب سعاده فيه ستبقى فارغة حيث عجز الفكر الدستوري القومي الاجتماعي عن ملئها. (سلّوم، 2023، الصفحات 57-59)

العلاقة بين الدعوة والبيئة قائم باستمرار مهما كانت طبيعة الدعوة.

في القضايا الدينية كانت انقسامات المؤسسة حاملة الدعوة مصدرا لحروب كبيرة، وطبيعة السلطة السائدة في المجتمع هي سلطة أبوية لا تناقش وتطلب من الأتباع الخضوع التام، وهذا النمط من السلطة سائد في كل القطاعات الاجتماعية والدينية والسياسية.

في القضايا السياسية لا مجال للانقسام في الأنظمة الشمولية لذلك تكثر التصفيات والانقلابات. وفي الدول الديمقراطية كان الانقسام يتم بهدوء والمنقسم يختار اسما جديدا ويقدم أطروحات جديدة ومتميزة عن الأصل الذي انشق عنه.

المشكلة في التنظيمات التي تحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي، أنها تصر على حمل الاسم والشعارات والمزايدة في من هو أكثر انتماء لسعاده، ومن هو الشرعي

وخلافاتها شخصية.

النظام الفردي امتياز لسعاده فقط لكنه مستمر بدون ضوابط

الفردية في النظام في مرحلة سعاده، لها أسبابها وهي ليست نظاماً دائماً، بل هي امتياز لسعاده فقط والاتجاه الديمقراطي واضح لجهة فصل السلطات والمحاكمة العلنية وحقوق العضو واحترام وتقدير الفرد.

في رسالته الى وليم بحليس، يقول سعاده: “أنّ امتياز الـحكم الفردي في الـحزب، هو فقط لصاحب الرسالة ومؤسس القضية وليس نظاماً أساسياً دائماً. والاتـجاه الديـموقراطي في نظامه صريح ولا يرفضه عقل صحيح.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 10، 2001، صفحة 147)

يظهر الاتجاه الديمقراطي في المواد الانتقالية:

(المادة الحادية عشرة: يجتمع المجلس الأعلى بناءً على دعوة من رئيسه في مدة خمسة عشر يوماً من تاريخ حيلولة أي مانع طبيعي دائم دون ممارسة الزعيم سلطاته لانتخاب خلف له.

المادة الثانية عشرة: يكون للرئيس المنتخب السلطة التنفيذية فقط وتحصر السلطة التشريعية من دستورية وغير دستورية بالمجلس الأعلى.

المادة الثالثة عشرة: إنّ مدة ولاية الرئيس المنتخب وطريقة انتخابه وطريقة انتقاء أعضاء المجلس الأعلى ونظامه الداخلي تحدد فيما بعد بمرسوم يصدره الزعيم على حدة ويكون له صفة المراسيم الدستورية. (سعادة ، الأعمال الكاملة 2، 2001، صفحة 80) ).

لم يصدر هذا المرسوم بسبب اغتيال سعاده، ولكن يمكن البناء على قول سعاده أن امتياز الحكم الفردي ليس نظاماً أساسياً دائماً، ولكن ما جرى منذ استشهاده حتى اليوم هو اتجاه الحكم الفردي المعلن أو المبطّن. أحيانا يأتي رئيس الحزب صورة شكلية للحاكم الفردي الفعلي الذي يقف خلفه.

ومنذ غياب الزعيم تمّ تهميش المجلس الأعلى، وتمّ استخدام رتبة الأمانة بعد تشويهها، في لعبة السلطة، من خلال المانح المستفيد. وتم تغييب المحاكمة العلنية ودور السلطة القضائية الفعلي.

وتم تهميش دور الثقافة والدراسات والأبحاث، وتراجعت القيم الأخلاقية والمناقبية وزاد العنف المعنوي والمادي الذي بدأ بعد استشهاد سعاده دون أي محاسبة. وتم استبعاد القوميين من عملية التثقيف والتربية، ومن إشراكهم في انتخاب السلطة التي تقرر مصيرهم.

التربية وتوجيه الفرد 

في معرض نقد سعاده للتصويت الشعبي في لبنان يقول:

“إنّ من ضروريات ممارسة السيادة، بواسطة التصويت الشعبي العام أن يكون المجتمع حاصلاً على تربية قومية صحيحة توجه الفرد نحو النظر في مصلحة المجموع دائماً، وتضع في ضميره مبادئ أساسية لا يحيد عنها، وتكون هي هدفه الأخير.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 2، 2001، صفحة 193)

لم تمارس السلطة الحزبية هذه المهمة التربوية مع المقبلين على الدعوة ولم تكن مثالا وقدوة صالحة، بل انعكست خلافاتها على الصف. ولم تهتم بتعليم العقيدة ولا بالبناء عليها ولا بدراسة الواقع الاجتماعي لمعرفة حاجات ومتطلبات القضية والمشكلات التي تواجهها، وقضايا الأمة ،ومشاكلها العامة والمستجدّة.

أين المحاكمة العلنية؟ 

يقول سعاده: “في الحزب السوري القومي الاجتماعي شرع يضمن لكل فرد حقه كفرد في النظام والعمل والرأي، ولكل فرد يحسب نفسه مظلوماً في أمر أن يطلب المحاكمة العلنية إذا لم تجرِ محاكمة علنية لأغلاطه. فيكون أميناً على أنّ قضيته لا يُبتّ فيها بالخفاء بطرق لا يقرها المجموع.”  (سعاده ، الأعمال الكاملة 6، 2001، صفحة 514)

أين احترام وتقدير كرامة الفرد؟

في رسالته إلى الياس فاخوري يذكر سعاده حادثة حصلت بين المنفذة العامة وناموسة المنفذية.

هذه الحادثة استدعت استجواب المنفّذة العامة في اجتماع عمومي وإقالتها من وظيفتها.

المنفّذة العامة قالت للناموسة سؤالك بدون معنى.
(سعاده ، الأعمال الكاملة 10، 2001، صفحة 203)

أين نحن من الالتزام بالأخلاق القومية والروحية القومية؟ وأين محاسبة المخلّين بهذا الالتزام؟

وأين الدور الفعلي والفاعل للمجلس الأعلى؟

المجلس الأعلى 

يحدّد سعاده في رسالته إلى رئيس المجلس الأعلى فخري المعلوف،

صلاحيات الـمجلس الأعلى، فيقول: “أوافق على اجتهاد الـمجلس في تعييـن صلاحياته التطبيقية. أما الإبهام في الـمرجع التنفيذي الأعلى عندما لا يـمكن الاتصال بالزعيم فلا يـمكن أن يكون هنالك ما يدعو إليه، لأنّ التنفيذ يكون تنفيذ سياسة وتنفيذ تشريع وهو من صلاحية مجلس وكلاء العمد، ويكون من صلاحية الـمجلس الأعلى تقرير السياسة وتقرير التشريع واتخاذ التدابير اللازمة لـمراقبة التنفيذ والتثبت من صحته عملياً.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 9، 2001، صفحة 41)

وفي رسالته إلى غسان تويني حول قضية فايز صايغ يقول:

“ألا يكون من حق عضو الـمجلس الأعلى، أن يشعر أنه أكثر مسؤولية في الـمنظمة عن العمل للقيم العليا من أي عميد معيّـن للثقافة أو في مثل مسؤوليته على الأقل؟ ألا يطالب الرفيق صايغ، في حالة كونه عضواً في الـمجلس الأعلى، بالإشراف على أعمال عميد الثقافة ومحاسبته على كيفية عمله للغاية الـموكل إليه تـحقيقها وعلى كيفية تطبيقه للمبادىء العامة؟” (سعادة ، الأعمال الكاملة 11، 2001، صفحة 204)

إن حصر عضوية المجلس الأعلى بالحصول على رتبة الأمانة يعني ضرورة حيازة المرشحين للسلطة العليا على مؤهلات عالية في المعرفة والفهم والحنكة والنضال والإخلاص والشجاعة والتضحية وتجاوز النزعة الفردية. وما يحصل هو غير ذلك إذ تحوّلت الرتبة إلى أداة بيد الساطة القائمة لتعزيز وتثبيت سلطتها، مما يؤدي إلى انقسامات تأخذ الطابع الانقلابي الذي يتوسّل كل الوسائل المناقضة للأخلاق القومية بما فيها الكذب والخداع والعنف.

وإذا كان سعاده قد حصر عضوية المجلس الأعلى بحمل رتبة الأمانة، لكن حصر الترشح بمواصفات وشروط معينة تعتبر ضرورية، لا يقتضي حتما حصر هذه المواصفات والشروط ذاتها بالناخبين. ولا يعني استبعاد القوميين من عملية الانتخاب وانبثاق السلطة. لكن قبل الكلام عن الدستور وانبثاق السلطة ومصدرها يجب العمل على تدريس العقيدة أولاً والعمل على التربية وتوجيه القوميين لأن هذا هو الأساس.

مواجهة الانحراف

يعتبر سعاده أن قبول الانحراف هومسألة خطيرة ما كان ليحصل لولا جهل العقيدة وإهمال تاريخ الحزب. وجهل العقيدة لم يكن على مستوى الصف الحزبي فقط وإنما في القيادات العليا.

 “ولكن قبول هذا الخروج العقدي، وإن يكن في الظاهر فقط، يكون مسألة من المسائل الخطيرة. وإنّ مجرّد الإقدام على الخروج المذكور لم يكن ممكناً إلا بعامل إهمال تاريخ الحزب وإغفال درس عقيدته ونظرته إلى الحياة والكون والفن.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 5)

إنّ المبادىء هي مكتنزات الفكر والقوى، هي قواعد انطلاق الفكر، وليست المبادىء إلا مراكز انطلاق في اتجاه واضح إذا لم نفهمها صعب علينا أخيراً أن نفهم حقيقة ما تعني لنا [و] كيف نؤسس بها حياة جديدة أفضل من الحياة التي لا تزال قائمة خارج نطاق نهضتنا. (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 4)

المبادئ تمثل شخصية الأمة وقضيتها ومصالحها فهي الأساس الثابت الذي يبنى عليه للتقدم والانطلاق.يشدّد سعاده على الأساس أي فكرة الحزب، الفكرة هي التي تقود الحركة وهنا تتلازم الفكرة مع الحركة. فالحركة بدون فكرة واضحة لا تحرز أي تقدم وكذلك الفكرة بدون حركة.

“ليست فكرة التنظيم هي التي تقود الحزب السوري القومي، بل فكرة الحزب هي التي بعثت النظام وهي التي تقود النظام وتفعل التنظيم. إنّ انتصار الحزب السوري القومي وتقدمه، على الرغم من الحملة الشديدة التي وجّهتها إليه الرجعة، ليس عائداً إلى نظامه بقدر ما هو عائد إلى غايته. وليس يدل على مجرّد تفوّق النظام، بل على تفوّق الوجدان القومي والعقيدة القومية.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 2، 2001، صفحة 67)
ويؤكّد على نشأة الحزب الاستقلالية التي تجعله حراً غير مقيد. (سعادة ، الأعمال الكاملة 4، 2001، صفحة 6)

إنّ نظامنا لم يوضع على قواعد تراكمية؟ إننا لا نجمع أعضاء كيفما اتفق.ولذلك عندما أوضحت بالمقاييس المحصورة هذه القوة قلت إنها قوة السواعد الحرة، قوة القلوب، قوة الشعور، قوة الإحساس المرهف، قوة الأدمغة، قوة التفكير والتوليد والإبداع والتصور، لا قوة المكانة المتراكمة. المكانة الاجتماعية تمثل قوة تراكمية مع الزمن اكتسبت نفوذاً وصار هذا النفوذ يستمر ويتراكم ويقوى بمساعدة العادة ومرور الزمن.(سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 27) 

القواعد الأخلاقية 

في الأفراد فقط تلعب المفاسد. ولا يمكن لهؤلاء أن يصموا المجتمع كله بالمفاسد التي في أنفسهم. (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 9)

إنّ من أهم مسائل النهوض القومي بعد تأسيس فكرة الأمة وبعد تعيين المقاصد الكبرى، هي مسألة الأخلاق. هي مسألة العقلية الأخلاقية. هي مسألة الروحية الحقة التي يمكن أن تفعل في الجماعة، في المجتمع.(سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 134)

إن الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعيّة في عصرنا، وهي الظّاهرة الّتي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدّرجة العالية من التّمدن. ولقد كان ظهور شخصيّة الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النّفسيّة البشريّة وتطوّر الاجتماع الإنسانيّ. أمّا ظهور شخصيّة الجماعة فأعظم حوادث التّطوّر البشريّ شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقةً ولطافةً وأشدّها تعقّداً، إذ إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعي ـــــ اقتصاديّ ـــــ نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه.  (سعادة ، الأعمال الكاملة 3، 2001، صفحة 5)

لم يتغلّب الحزب السوري القومي على جميع الاضطهادات التي وُجِّهت إليه بمجرّد النظام، سرالمحافظة على النظام والتقيّد به ليس في النظام نفسه، بل في العقيدة التي وراءه وفي الهدف الذي أمامه. فقد تفكّك نظام الحزب في بعض الأوقات ثم لم يلبث أن عاد الاتصال إلى النظام.   (سعادة ، الأعمال الكاملة 2، 2001، الصفحات 66-68)

لسنا قطعانا  

خطاب حزيران 1935

أصبحنا أمة بعد أن كنا قطعاناً بشرية (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 15)

تفرّدت السلطة بقرارات مصيرية أدت إلى كوارث لا علم للقوميين بها ولا رأي.

 إنّ استبعاد القوميين عن المشاركة الفعلية في مصير الحزب، يعني تحويلهم إلى قطعان، لا تفكّر ولا تناقش ولا يسمع صوتها، بل تخضع وتنفّذ الأوامر العليا بدون اعتراض ولو قادوها إلى الجحيم كما حصل في دورات متكرّرة من تاريخ الحزب. يشدّد سعاده على تعليم العقيدة، إنه المهمة الأولى والشرط الأول ويأتي بعد ذلك الأخلاق والمناقب.

نظام الفكر ثم نظام النهج وأخيراً نظام الشكل.

“إنّ أول خطوة كان يجب على الحركة السورية القومية الاجتماعية القيام بها لتتقدم، هي تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية والغاية الرامية إليها، لأنها هي الحقيقة الأساسية التي بها نوجد شعباً وأمة ولها نعمل. كل عمل آخر من سياسة وتنظيم لا فائدة منه بدونها ولا يجدي القيام به إن لم يكن متفرعاً عنها وعائداً إليها. إنها محور الحياة والفكر الأساسي، فكل عمل يجب أن يدور عليها، ولذلك كان الغرض الأساسي من الحركة السورية القومية الاجتماعية جعلها عامة ومنتصرة في الأمة السورية وحيثما أمكن تحقيق رسالتها الاجتماعية وفلسفتها المدرحية.” (سعادة ، الأعمال الكاملة 8، 2001، صفحة 229)

قراءة خارج الصندوق المقفل

ربيع الدبس

لم يكن صدفةً اختيارُ المؤلِّف نزار سلوم لكتابه الجديد عنوانَ (البحث عن زيوسودرا- عن مشروع أنطون سعادة ومصير سورية). لعله، بالوعي الغائيّ، يضم نَصّه الجديد المثقل بجدلية الحامل والمحمول إلى الأعلام الذين أماطوا اللثام عن رموز أساطيرنا التي يفرّقها عن الخرافات مغزاها الفلسفيّ العميق. والحقيقة أن ثمة ملاحمَ بابليةً ثلاثاً يجمع بينها خطُّ الطوفان أو الفيضان. وفي ملحمة جلجامش الأسطورية التي هي أقدم عملٍ أدبي معروف في التاريخ، إشارة إلى أوتنابشتيم وهو الاسم الأكّادي لزيوسودرا السومري، حيث يقوم زيوسودرا (الذي يرجّح مؤرخون أنه نُوح فيما بعد) بمخاطبة جلجامش عام 2600 قبل الميلاد قائلاً: “اليعسوب يولَد ليُحلّق، لكن وجهه لا تلوّحه الشمس إلا ليومٍ واحد…هل هذا هو الخلود؟ منذ القِدم لم يكن هناك خلود. النائم والميت متشابهان.”

معنى هذه السطور أنه ليس مهماً كم نُعَمّر، بل ماذا نترك من بصمات. لذلك يُنصَح المرء بعدم النوم عن مواكبة مساعيه لأن النائم عن العمل كالميت.

البحث عن زيوسودرا” كتاب جمع مؤلفُه الصرامة العقلية بلحظةِ لقاءٍ خاص مع سعادة وسورية.” مِن هنا فرادة القراءة التي دَوّنها، وهي قراءة محفوفة بالصعوبات العقلية والسياسية والدينية، لكنها محفورة في الوجدان، القادر أن ينبض أيضاً خارج الصندوق المقفل. ويقيني أن التفكير السليم يتطلب أحياناً تحطيم القوالب التي خِلْنا يوماً أن التفكير لا يستقيم إلّا بها.

ولعل الكتاب الذي نتناوله اليوم بالقراءة النقدية هو، قبل أن يكون صرخةً وجدانية، صرخةٌ فكرية رافضةٌ بقاءَ الحركة القومية الاجتماعية حبيسةَ الدوران المأساوي في حلقة مُفْرغة هي أقرب إلى اللا قضية منها إلى القضية. أليست الحركةُ القومية الاجتماعية ممزقةً بحقيقةٍ لا يُنكرها سوى المكابرين، وهي حقيقة كونها حركةً انتمتْ إليها أجيالُ آمال فإذا بها تغدو أجيال آلام، مهما كابرَ بعضنا أو تغاضى أو خدع نفسه… من دون إغفال أن القول بالعقل شَرعاً أعلى لا يجوز بأي وجه أن يُرفَع في وجه الدِّين ومؤسساته فقط، بلِ الأحرى رفْعُه في وجه الممارسات اللاعقلانية داخلَ التنظيمات المأزومة عينها دونما استثناء.

أغْلَبُ الظن أن إحدى الأوّليات التي رمى إليها الكتاب هي ضرورة التطابق الذي أراده سعادة بين النهضة والعقيدة والحركة، خصوصاً في مواجهة تسونامي التدمير الشامل لسورية فيزيائياً ومعرفياً. وقد عَمَدَ سعادة العظيم، بوصفه مُفاعلَ نارٍ ونور، إلى البدء بعمليات قيصرية من الجذور، مِنَ المنطلقات، من الأبجدية القومية الخصبة لكنِ الملوثة شعبياً بالعُجْمة أو بالانغلاق.

فاعتصَمَ بالعقل العمليّ المتخطّي، المسكون برؤى الآفاق وبالقلق الخَلّاق. وقد عَصَفَتْ في ذهنه غاباتٌ من الأسئلة الكبرى، فخاضَ رحلة الإجابات الشاقة، وقفز بسرعة إلى ملحمة 1949 المثلومة، لأن معطياتها داخلياً وخارجياً لم تكن قد نَضَجَتْ بالكامل.

يتضمن الكتاب سؤالاً نقدياً محورياً عما إذا كانت المؤسسات قد حملتْ بذاتها العلة البنْيوية. ولعل اللباقة التلميحية للكاتب قد حالت بينه وبين التصريح بالهُوة التي فَصَلَتْ وتَفْصل في الحركات التاريخية الكبرى ما بين الطرح والممارسة. لكن، أياً يَكُنِ اسمُ المؤسسة أو الحزب أو الحركة وأياً يكنِ المصطلح المستخدَم لِمُجَسّم النهضة، فهو يفيد الأمة المصغّرة أو قَوَام الدولة القومية.

ومن الأسئلة المِفصلية للكتاب، سؤالُ المؤلِّف الداعي إلى إجابة مُلزِمة عليه: هل نَصُّ سعادة نهاىي مقفل أم مرجعيّ توليديّ مفتوح للتجاوز؟ وما مِن شك في أن المؤسسات لم تعمَد بعد 75 عاماً على استشهاد المؤسِّس إلى تقديم إجابة وافية على هذا السؤال المركزي الذي تبايَنَ الأفرادُ في مواقفهم منه. وإذْ علّلَ المؤلف ابتعاد سعادة عن وصف حركته بالثورة رغمَ تمتُّع هذا الوصف بطاقة استقطابية، فإنه يؤكد على المعادلة التالية: “الثورة لا تخوض معركةَ وعيٍ مسبق، فليس من طبيعتها أن تُنشئ أمة غائبة عن نفسها، بل تتحدد طاقتها بتغيير اتجاه أوضاع هذه الأمة وسياساتها وسلطاتها”. لكنّ اللحظة التاريخية لم تُؤاتِ مشروعَ التغيير ولا تحقيق الغاية المنصوص على عناوينها وجزئياتها في المادة الأولى من الدستور، حيث جرى تفكيك الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة للأمة، الطّعينة في وحدتها أصلاً. كما تَمّ تلغيم مستقبل سورية الطبيعية، وفقَ المؤلف، بمشاريع تفخيخية متعددة أولُها المشروع الصهيوني الذي تَقّدّمَ في مشروعه، بدءاً من فلسطين، بتواطؤ دولي ورعاية بريطانية خاصة. وثانيها تَمَثّلَ بالمشروع “العربي” الذي وضعه الانكليز أيضاً على حاملٍ سُمّيَ “الثورة العربية الكبرى”، المنطوية على تمليك ثلاثة كيانات وليدة هي الشام والعراق والأردن للأسرة الهاشمية الحجازية. صحيح أن ذلك المشروع لم يسلك تماماً وفق الوعود الاستعمارية، إلا أنه بما تَحَقّق وبما لم يتحقق قد أسهَمَ في توليد ودعم حركات إسلامية وعروبية عملتْ باستمرار على محاربة الشخصية السورية ومرتكزاتها الفكرية والتاريخية. أما ثالثها فهو مشروع اللبننة المنغلقة، الذي بدأ مسيحياً لكنه تَمَظْهَرَ فيما بعد بتنظيمات طائفية متنابذة حيناً ومتقاطعة المصالح أحياناً أخرى. ورابعُها مشروع الدولة الكردية المسماة مستقلة، والتي وُعدَ بها دعاتُها قديماً وحديثاً في إطار التسعير الاستعماري المتواصل لولاءات جزئية تتزيّا بيافطات الاستقلال وحق تقرير المصير. وقد أضيفَ على الاختلاطات المِلّية الكثيرة (المرتبطة بذاكرة فئوية وثقافة فئوية) صراعٌ سُنّيّ- شيعي تأجَّجَ في العقود الأربعة الأخيرة بوتيرة مُفجعة…من دون أن ننسى في لوحة الأزمة المزمنة ألوان الاستعمار الفرنسي ودوره المناهض لسيادتنا القومية، إضافة إلى الدور التركي المنخور بهستيريا العَثْمَنة.

أما دعوة المؤلف إلى “سَوْرَنَة” الأديان فتبدو فكرةً تحمل في أحشائها بذْرتها الجهيضة، برغم الإخراج المبتكَر الوارد في البند الرابع (ص127) حول التصدير الافتراضي لرسالة سماوية واحدة، تنقُل الجدل حول ماهية الدِّين من عِلم الكلام إلى عِلم الاجتماع، إذْ لا يكفي إسقاط مفاهيمنا العَلمانية على المقدسات المسيحية والإسلامية، المتصلة في دورها بمقدَّسات يهودية. وإذا كان للعقائد الدينية سردياتها فإنّ للعقيدة القومية الاجتماعية سرديتها هي أيضاً.

إنّ عملية “السّوْرَنة” المطروحة لا تبدو واقعية في خطها الثقافي الأصيل الممتد إلى سومر، بوصف الحضارة السومرية شعلةَ التمدن الأرقى في تاريخنا. كما أن تلك العملية تبدو أقربَ إلى التفكير الرغائبي منها إلى الإمكان الاجتماعي -الايديولوجي -السياسي -الفقهي -النفسي، ما دام جزءٌ كبير من شعبنا مشدوداً إلى مرجعية شيخه وإمامه وكاهنه وبطريركه، أكثر من انشداده، لا إلى المرجعية الحضارية لحمورابي وجلجامش وأوغاريت فقط، بل أكثر من انشداده إلى الثورة المعرفية-الرقمية، ومن مرجعية العقلانية الحديثة وموجباتها بدءاً من حرية التفكير التي هي مفتاح جميع الحريات.

لكنّ المعروف عن واضِع الكتاب أنه لا يتّصف بعقلٍ تبسيطي، بل بعقلٍ منهجيّ مُرَكّب. لذلك تحدث (ص133) بوحي من “نشوء الأمم” عن أن وعي الذات يبتدئ من حقيقة الاشتراك في وحدة الحياة، وهو اشتراك يفرض وحدة المصير خارج التخَندُق المذهبي والديني. وهذا الوعي يشترط تغيير المنصة التي تَتَموْضع فيها الجماعات التي عزلتْها تواريخُها، نحو منصّة أخرى تفاعلية تُمَكّن هذه الجماعات من تغيير رؤيتها للآخَر بحيث تراه إلى جانبها بدلاً من أن يكون في مواجهتها… لكنْ ونحن في العَقد العاشر على التأسيس، ألا يُذهلنا أن الحزب الذي نشأ على إحلال فكرة الأمة محل فكرة الطائفة والمذهب والعشيرة والطبقة والأنا، تكاد تغيب عن شعبه المُشَرذَم فكرةُ الأمّة كما أرادها مشروعُ النهضة، لتفترسه العصبيات التجزيئية التفسيخية الكارثية؟

خاتمة: قد يكون هذا الكتاب أعمق قراءة تشخيصية لمآل حزبٍ عظيم اهتزّتْ صورته وخبا ألقه (مؤسسةً لا عقيدة)، قبل أن تخبو فرادته وفاعليته، ودوره، ورُتَبُه وبياناته. لذلك يبدو صعباً على القارئ أن يختزل القراءة في عددٍ محدود من الأفكار. أولاً لأن فيه ترسانة فكرية وتحليلية. ثانياً لأن شلاله الغزير متدفّق من الينبوع. وبعيداً عن المجاملات التي لا تُقَدّم الحقيقة بقدر ما تُغَيّبها، أقول إنّ مراجعاتنا لكتاب “البحث عن زيوسودرا” قد لا تُنصف المؤلف لجهة قيمة الكتاب الحقيقية. من هنا دعوتي لجميع المهتمين أن يطالعوا هذا الإصدار النوعي، لا إرضاءً لكاتبه، بل بحثاً عن زيوسودرا الجديد، بَاني سفينة الخلاص الجديدة التي تلاطم أمواج الطوفان الصاخبة قبل أن تنتصر عليها بقوة الإرادة وبالوعي الصراعيّ المُنتِج.

تعقيب عام

نزار سلّوم

لم أكتب هذا الكتاب وأصل إلى خاتمته دون شعور بالألم، فالصراع بين العقل الناقد والوجدان الطافح بالمشاعر سينتج ذلك الألم المصاحب لفعل الكتابة. الخوف من الدخول في حالة عبثيّة دائريّة ودون توقف حسم المسألة لصالح العقل النقدي.

لماذا هذا الحوار تحت عنوان أسئلة المصير؟ لأنَّ مصير سورية هو الدافع للبحث دائماً. القلق على سورية يؤسس ويحرّض على البحث في حالة النهضة وجاهزيتها. ووضع سورية اليوم ” بين الحياة والموت” بكل ما تعنيه العبارة تماماً وليس مجازاً.

قواعد منهجيّة: ثلاث قواعد منهجيّة – فلسفيّة، شكّلت مرجعيّة حاضرة في نصّ الكتاب:

1-قبل أن تغادر منيرفا: ثمة قول معروف ومتداول للفيلسوف الألماني هيغل هو “إنَّ بوم منيرفا لا يبدأ في الطيران إلّا بعد أن يرخي الليل سدوله”.

منيرفا إلهة الحكمة عند الرومان وقبلهم اليونان، والمعنى أن الحكمة تغادر الواقع الذي يصل إلى حالة من (الخراب الأخير). وفي هذه الحالة يكرّس كخراب نهائي.

إذن، لا بدَّ من محاولة إبقاء الحكمة… قبل أن تطير بها “بومة منيرفا”.

2-الخروج من الصندوق: هو بدوره قولٌ متداول… بالمعنى العميق يعني الخروج عن النموذج القياسي، لعل في ذلك يمكن رؤية ما لا يتيحه هذا النموذج من رؤيته؟ فالنسق الإرشادي في البحث (المقدمات والحيثيات، والتساؤلات، وحقل البحث وحدوده….) سيؤدي إلى نتائج لا يمكن الوصول إليها إن استمررنا باعتماد النموذج القياسي الذي نستخدمه في “معاينة الأزمة” من لحظة نشوئها وإلى الآن.

إنَّ أية أزمة لا تجد حلاً لها خلال 70 عاماً، ستتحول إلى (عاهة دائمة)، وستفرض حتماً إعادة التفكير بأدوات المعاينة التي لم تُوصل إلى التشخيص الصحيح.

إذن، لا بدَّ من تغيير (البارادايم)، أي الخروج من الصندوق.

3-البحث عن نقطة ارتكاز: التمييز بين الحامل (الحزب – المؤسسات) والمحمول (العقيدة) دفعني للبحث عن نقطة الارتكاز.

أرخميدس منذ القرن الثالث قبل الميلاد قال: لو وجدت نقطة ارتكاز لرفعت الأرض. التفكير قادني لرؤية (الزعيم) كنقطة ارتكاز، مع غيابه اختّلت العلاقة بين الحامل والمحمول، وبطشت المؤسسات بالعقيدة.

في الخلاصة: لم أجد أن ما أسسه سعاده في العام 1932، يصح تسميته بـ (الحزب)! هو عرّفه كحزب غير اعتيادي، وهذا النفي يعني أنه ليس حزباً.

بالنسبة لي، أعتبر أن كلمة حزب أضيق وأصغر بكثير مما انتميت إليه… عندما ننتمي (نولد وعياً وعقلاً وفكراً وقيماً…..). مصطلح الحزب يسيء إلى هذه الولادة الجديدة التي تكرّس الانسان الجديد الذي يصبح عضواً في أمة جديدة تنشأ من أمة قديمة.

الوصول إلى نكران الحزب كمصطلح وواقع يؤدي إلى بداية رؤية: ما بعد الحزب. وفلسفة الـ (ما بعد) تعني وصول الواقع إلى خواتيم مقفلة نهائية قابلة فقط لاستنساخ نفسها، ما يفرض تفكيك هذا الواقع معرفيّاً لإعادة صوغ مولداته وتذخير مضمونه بقدرات كشّافة تنظر إلى الإمام…

ما بعد الحزب… سؤال للكشف والاكتشاف، وميزة منهجيّة وليس نقيصة فكرية أو نعياً لعقيدة حملت ولا زالت الأمل بألّا نخرج من التاريخ.

شروحات إضافيّة وردود

1- زيوسودرا رمز للحامل، وليس مثالاً للاستنساخ. لا أدعو لانتظاره أبداً. الانتظار يوحي بالاستسلام لسرديّة (انتظار المخلّص). يجب صناعة / صياغة / نحت (زيوسودرا) الموازي لثقل العقيدة ومعناها. (راجع خاتمة مداخلة ادمون ملحم).

2- لم آخذ بمنهجيّة التحقيل المدرسي للكتاب، فهو ليس بحثّاً تقليديّاً كما أشرت. هو نصٌ فكري كثيف، يقوم منهجيّاً على ما أشرت إليه في (التعقيب العام). يحرّض على ابتكار الأسئلة وتغيير حدود العمل الفكري المأسور بجدران كتيمة. (راجع مداخلة إبراهيم مهنّا).

3- لم ينقطع العمل الإبداعي مع استشهاد سعادة 1949، بل استمر (الحداثة الشعرية والأدبيّة كمثال). ما قلته “النجاح في الحقل الثقافي يعود في مرجعيته إلى نصّ سعاده الفكري العام الذي جدد منهجيّاً ومرجعيّاً في عناوين الثقافة وتعريفها ووظيفتها. الصفحة 10، راجع الكتاب). (راجع نصّ إبراهيم مهنّا).

4- يقول سعادة أنه تجنّب التأويلات الفلسفيّة في كتاب نشوء الأمم “ما استطاع إلى ذلك سبيلا”. وهذا القول يشي بأن بعض الفلسفة قد يكون موجوداً في ثنايا كتاب علمي، وهذا في الحالات كلها لا ينتقص من صفته العلميّة.

ما قلته، أنّ نشوء الأمم ككتاب، يمكن أن نجد فيه (فلسفة التاريخ). وما أعنيه أن شرح التطور البشري – الاجتماعي استند عند سعادة على معطيات العلم، لكن (قراءة) هذا التطور هي ما تشكّل (الرؤية الفلسفيّة). التفاعل حقيقة علمية لكن سعادة نفسه كثيراً ما يستخدم مصطلح (فلسفة التفاعل)، أي قراءة التفاعل. (راجع نصّ يوسف كفروني).

5- مصطلح “حزب غير اعتيادي” لم يستخدمه سعاده خصوصاً للرد على دعاة (الواقع اللبناني). أشرت إلى مضمون رسالة سعاده التي وجهها إلى القوميين الاجتماعيين في 10 كانون ثاني 1947، باعتبارها تتضمن استراتيجية الرد التي في أحد بنودها يلجأ سعاده لـ (تقزيم مفهوم الحزب السياسي). الوثيقة الأولى التي تبين أن الحزب غير اعتيادي هي (الخطاب المنهاجي الأول 1935). (راجع نصّ يوسف كفروني).

6- العلّة البنيويّة، مصطلح يؤكد الخروج المنهجي من (الصندوق). (يمكن مراجعة معنى هذه العلّة وإلى أية أسباب تعود في الصفحة 45 من الكتاب). (راجع نصّ يوسف كفروني).

7- الحزب غير الاعتيادي، هو الذي بعقيدته ومضمون رسالته وغايته يُنتج “الشخص غير الاعتيادي”. أي الإنسان الجديد. لا إنسان قديماً في الحزب غير الاعتيادي. (راجع نصّ أسامة عجاج المهتار).

8-(سَورَنةُ الأديان)، مصطلح استخدمته استلهاماً من مشروع سعاده في الكتاب الشائع تحت عنوان (الإسلام في رسالتيه). وبطبيعة الحال يشي المصطلح بنزعة “رغبويّة” أو بالتعبير الفلسفي بنزعة مثاليّة. على أنَّ عودة إلى التاريخ الأوروبي يمكن أن تساعد في رؤية هذه (المثاليّة) كيف تحوّلت إلى واقع (البروتستانتية – الانغليكانيّة)..

المسألة ليست دعوة شرفيّة للأديان وطوائفها، بل تحريض على حركة إصلاح تنشأ فيها، تحررها من المرجعيات الخارجيّة وتبعد سردياتها المتضاربة عن منصّة التلاقي وتنهي “تواريخها الموازية”. (يمكن مراجعة هذا المصطلح وشرحه ابتداءً من الصفحة 122 من الكتاب)، (راجع نص ربيع الدبس).

9- لم أتحدث في هذا الكتاب عن (الحزب بالمطلق – كما قال أحمد أصفهاني في مداخلة شفوية). بل تناولت الحزب كواقع مجسّم في تاريخ محدد. تناولته في تجربته التاريخيّة وحوادثه الكبرى وعاينته في ضوء دعوته نفسها، وغايته، ومعناه، ورسالته.

10- تساؤلات وجوانب لم يتم التوسّع فيها من قبل المشاركين في حلقة الحوار، أو من الذين كتبوا عنه عرضاً لمضمونه أو نصّاً نقديّاً:

دون أدنى شكّ، سيطرت “أزمة الحزب” على الجزء الأعظم من القراءات والمداخلات والتساؤلات، وهذا شأن طبيعي، حيث لا يمكن تجاهل واقع هذه الأزمة وفصولها الحيّة.

غير أنَّ هنالك الكثير من التساؤلات التي يطرحها الكتاب، كما العديد من الجوانب المهمّة الأخرى التي قد يساهم التوسّع فيها في الوصول إلى نتائج وخلاصات إضافيّة. منها مثلاً:

– اغتراب أنطون سعادة القسري: هل غياب سعادة عن لحظات استقلال الكيانات السياسيّة (لبنان – الشام) أضاع فعلاً فرصة تاريخيّة كانت تفترض أن يكون الحزب هو قائد معركة الاستقلال، وبضياع هذه الفرصة خسر (المنصّة الاستثنائية) التي لن يتمكن من تعميرها مرة أخرى؟

إضافة لتأثير اغتراب سعاده على مصير الحزب في مستويات (الزعامة – القيادات – النخب الفكرية). (راجع الكتاب من الصفحة 86 إلى الصفحة 98).

-الإنتاج الفكري لسعادة وموقعه من العقيدة:(راجع الكتاب من الصفحة 98 إلى الصفحة 102).

إضافة لجوانب وتساؤلات أخرى حول حوادث ووقائع مؤثرة لعبت دوراً حاسماً في رسم وتحديد مصير سعاده والحزب وسورية.

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

Whats up

Telegram