"ليست ايران كومة الحطب لنرقص حولها الغوارا غوارا كما القبائل البدائية. الايرانيون لم يكونوا يوماً أغبياء ليتوقعوا أن نشن الحرب ضدهم. كلانا يقتل الوقت بديبلوماسية... طواحين الهواء" .
هذا رأي غراهام فولر، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية. في المقابل، ثمة من يسأل عن جدوى المواجهة ـ الأبدية ـ مع الولايات المتحدة. كل ما تحقق جيوسياسياً على مدى أربعة عقود، تحوّل الى حطام. لبنان حطام، سوريا حطام، اليمن حطام. في هذه الحال، هل يمكن للبلدان الثلاثة التي تنوء بأزماتها، أن تقدم أي خدمات استراتيجية لآيات الله.
الكل باتوا إما على أبواب الجحيم أو على أرصفة الجحيم. الأسئلة نأخذها من الشوارع الصديقة في تلك البلدان. اذا كان باستطاعة اللبنانيين لأسباب شتى، أن يتكيفوا مع الكارثة التي قد تزداد هولاً في المرحلة المقبلة. واذا كان اليمنيون قد اعتادوا على هذا البؤس الميتولوجي (الذي لا يستحقونه)، تبدو سوريا وهي تتآكل بايقاع درامي مروع. الى متى يمكن للنظام أن يبقى اذا كانت معاناة الجيش، وهو العمود الفقري للدولة، قد تجاوزت كل الحدود، وهو الذي قاتل ويقاتل بطولياً على مئات الجبهات؟
حين نعلم أن الراتب الشهري للمجند هو 27000 ليرة، أي أقل من دولار ونصف، ولمدة لا محدودة. ما حال الجنود النظاميين والضباط ؟ تصوروا أن الراتب التقاعدي لعميد في الجيش 8 دولارات. أحدهم قال لي "أخشى أن أمضي سنواتي الأخيرة على باب الجامع" أي متسولاً"...
كل هذا، وأنا من موقع الضنين بسوريا، وبأهل سوريا (لا يعنيني ان أثار ذلك غيظ بعض المسؤولين أو رضاهم). السوري ممنوع حتى من الأنين، والا كانت الزنزانة. هل بهذه الطرق يخدمون الدولة ويحمون الدولة؟ دعوا الناس ترفع الصوت في وجه ديناصورات الداخل، وهم لا يقلون همجية عن ديناصورات الخارج.
لا شك أن الكثير من أهوال التراجيديا السورية ناتج عن الحصار الجهنمي الذي فرضه الأميركيون لحمل النظام على الاستسلام (لا على الصلح) مع "اسرائيل". من هذه الزاوية، وبالرغم من اعتراضنا على الممارسات الخشبية للبعض، نقف الى جانب بشار الأسد، لا الى جانب ذلك النوع من المستشارين. من منا بامكانه التكهن بنوع البرابرة الذين سيحكمون سوريا (تالياً لبنان كامتداد ايديولوجي لهم).
في هذه الحال، أين المساعدات الروسية؟ وأين المساعدات الايرانية (والبلدان تحت الحصار القاتل)؟ بكل معنى الكلمة، السوريون يحتضرون (تلك القلة العارية التي تطفو في الضوء). سوريا تحتضر. هذا الكلام لأشقائنا في الخليج. أي عرب، وأي عروبة، اذا سقطت سوريا في يد رجب طيب اردوغان، أو في يد بنيامين نتنياهو، ناهيك عن تلك الظواهر البشرية التي طالما قلنا ونقول، انها الآتية من قاع الايديولوجيات، ومن قاع الأزمنة؟
لا أحد يمكنه أن يدعو ايران للامتثال أو للتفاعل، مع الهيستيريا الأميركية. هي دولة بامكانات بشرية ومادية، كما بامكانات جغرافية وعلمية، تمكنها من التعامل مع الولايات المتحدة تعامل الند للند. ولكن هل يقبل الأميركيون بهذه المعادلة، انهم الآن في صراع سيزيفي للتفرد بادارة الكرة الأرضية (وهذا مناف لجدلية التاريخ). هذه فرصة نادرة أمام الايرانيين للافادة من الوضع الراهن.
لماذا لا تكون، وعلى الطريقة الكيسنجرية، ديبلوماسية الخطوة خطوة بين أميركا وايران التي رأى وزير الخارجية السابق أن اتفاقها مع السعودية "تغيير جوهري في الوضع الاستراتيجي للشرق الأوسط".
الادارة التي توجست. ومنذ اللحظة الأولى، لاعلان الاتفاق تبذل جهوداً مكثفة للحيلولة دون وصول العلاقات بين الرياض وطهران الى التعاون الاستراتيجي.
اذاً، صفقة السجناء بين واشنطن وطهران التي، وفي خبر متعمد لـ"الوول ستريت جورنال"، خففت من مخزونها من الأورانيوم الصالح لصناعة القنبلة (أثبتت حرب أوكرانيا لا جدواها حتى على المستوى التكتيكي).
نتصور أننا أمام قراءة ايرانية جديدة للمشهد الشرق الأوسطي. لتكن، رغم صراخ المحتجين على أرائكهم الوثيرة، ديبلوماسية الخطوة خطوة، لا ديبلوماسية "الخطى الضائعة". هذا ما ينقذ لبنان وسوريا واليمن من عذابات الجحيم...
الآن، أخبار رائعة من كل من الرياض وطهران. هل تكون البداية الأخرى لشرق أوسط آخر؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :