منذ اللحظة الأولى لانطلاق العدوان الإسرائيلي المستمر على جنين، بدا واضحاً أن شكل وتكتيكات المعركة الحالية مختلفاً تماماً عما جرت عليه العادة في اجتياحات واعتداءات الاحتلال في الضفة الغربية.
فالمعركة التي أعد لها جيش الاحتلال منذ أشهر طويلة، استخدم فيها الطائرات المسيرة بشكل مكثف، سواء للمراقة والرصد، أو لمهاجمة المقاومين ومواقع تمركزهم، كما استخدم الاحتلال المصفحات، وكذلك الجرافات لهدم المنازل والجدران، والدخول من بيت لبيت، إضافة لدفعه بنحو1000 جندي "إسرائيلي" من وحدات مختلفة، بينهم لواء النخبة، يشاركون في العدوان المتواصل على جنين شمال الضفة المحتلة، ووحدات من السايبر، إضافة لمشاركة مباشرة من جهاز الشاباك، بهدف جمع أكبر قدر من المعلومات عن المقاومين، وأماكن تمركزهم.
الخوف من المواجهة
وقال الخبير العسكري المختص بالأسلحة والذخائر محمد مقداد، إن العدوان على جنين يعتبر الأوسع الذي تتعرض له مناطق الضفة الغربية من حيث نوعية الأسلحة، وكم القوات المشاركة فيه، موضحاً أن هذا الشكل من المعارك له هدف واحد وهو تجنب القتال المباشر أو "حرب الشوارع"، ومحاولة إحداث إصابات في المقاومين ومعداتهم من بعيد، لذلك كان معظم الشهداء الذين سقطوا، جراء غارات من الجو.
وأكد مقداد لـ"فلسطين بوست"، أنه يتابع الأخبار والتفاصيل الواردة من أرض المعركة، ولاحظ أن هناك ثلاث أنواع من الطائرات استخدمت فيها، الأولى طائرات مسيرة حاملة للصواريخ "طائرات اغتيال"، ومن ضمنها طائرات انتحارية محملة بالمتفجرات، إضافة لطائرات الرصد والتصوير بمختلف أنواعها وأحجامها، أما النوع الثالث فهو المروحيات الهجومية، إضافة لاستخدام عربات عسكرية أكثر تصفيحاً، لتجنب حدوث خسائر بسبب العبوات الناسفة.
وأوضح مقداد، أن الاحتلال عجز حتى هذه اللحظة عن النزول على الأرض، أو حتى دخول المخيم بالمدرعات، فكل محاولة اقتحام جديدة تُجابه بمقاومة عنيفة، باستخدام عبوات ناسفة بدائية، أو الرصاص الحي، فيُجبر الجيش على العودة أدراجه، ويستخدم في كثير من الأحيان الجرافات المصفحة تصفيح عالي، لهدم جدران، ومنازل، بهدف الوصول لبعض المناطق التي عجز المشاة عن الوصول اليها.
فشل عسكري
وشدد مقداد على أن عقدة اجتياح مخيم جنين عام 2002، تسيطر بشكل واضح على عقلية القادة الإسرائيليين، الذين يحاولون تجنب وقوع خسائر في صفوف جنودهم وضباطهم، كما حدث قبل 19 عاماً.
وأكد أنه من الناحية العسكرية يمكننا القول، إن العملية الإسرائيلية فشلت في تحقيق أهدافها حتى الآن، ومن الواضح جداً أن المقاومين في جنين متمركزين بشكل جيد، ويعملون وفق خطة ميدانية محكمة، ويسيطرون على الميدان بشكل كامل، وهم بارعون في نصب الكمائن للجنود الإسرائيليين، وقد حدث أكثر من مرة أن وقعوا في شراك أعدها المقاومون لهم.
نجاحات للمقاومين
وحقق المقامون خلال أول 40 ساعة من المعركة نجاحات عسكرية وميدانية كبيرة، منها نجاحهم في تفجير عبوات في آليات ما أعطب بعضها، وأجبر أخرى على الانسحاب، مكبداً الاحتلال خسائر مادية وبشرية كبيرة، وتمكنهم رغم ضعف إمكاناتهم من إسقاط خمس مُسيرات، ربما تكون بعضها معدة لاغتيال عدد منهم.
كما أن مقاومين عرضوا قلادة مع رقم عسكري لجندي إسرائيلي قالوا إنهم تمكنوا من قنصه في حي الدمج بمخيم جنين، وهذا دليل على تمركزهم الجيد، وكل ساعة تمر دون وصول الجيش الإسرائيلي لقلب المخيم تسجل فشلاً جديداً في هذه المعركة، كما أن عدد الشهداء الذين سقطوا، يعتبر محدود قياساً بحجم العملية، دليل على استعداد المقاومين للمعركة، واتخاذهم مواقع يصعب على الجيش الوصول اليهم.
ويتسلح المقاومون بأسلحة خفيفة، إضافة لعدد من العبوات الناسفة البدائية من تصنيع محلي أهمها "عبوة تامر"، التي أعلنت كتيبة جنين عن تصنيعها محلياً، بينما لا يمتلكون أية قاذفات مضادة للدروع، أو قذائف صاروخية موجهة، أو حتى قذائف صاروخية ذات مدى قصير ومتوسط.
وأكد مقداد أن معركة جنين شكلت فضيحة عسكرية جديدة لإسرائيل، وجعلت جيشها محط استهزاء على المستوى الدولي، فمن الناحية العسكرية يعتبر معيب جداً استخدام هذا الكم المفرط جداً من القوة ضد مخيم صغير، به بضع عشرات من المقاتلين المسلحين بأسلحة بدائية.
تدمير المخيم
في حين قال المحلل والخبير في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم، أن الاحتلال لم يعلن بشكل كامل عن أهداف عدوانه على جنين، لكن من خلال سير العملية على الأرض كان من السهولة اكتشاف أهم الأهداف، وهو تدمير المخيم، وتكبيد الأهالي أكبر كم ممكن من الخسائر، وتهجيرهم، وقطع الكهرباء والاتصالات عنهم، وتجريف الشوارع، وتدمير البنية التحتية في المخيم، وهي ضمن سياسة العقاب الجماعي ضد المخيم الصامد، الذي احتضن المقاومين لسنوات طويلة، وحتى يشكل حالة رعب وخوف في باقي مناطق الضفة، بما يسهل عمليات مشابهة مستقبلاً.
كما أن جزء من أهداف المعركة هو لتجريب أنواع جديدة من الأسلحة، إضافة لأهداف تجارية، في محاولة لبيع سلاح ومعدات عسكرية تصنعها إسرائيل، فإسرائيل ربما تحول مخيم جنين لساحة تجريب لسلاحها الفتاك.
البحث عن صورة نصر
وقال إبراهيم في حديث لـ"فلسطين بوست"، إنه ورغم كل هذه الترسانة العسكرية والمعدات والطائرات، إلا الجميع تيقن من خوف بل رعب الاحتلال من مخيم جنين ومقاوميه، فحتى العدد الكبير جداً من الجنود الذي يفوق بأضعاف كبيرة عدد المقاومين، وإشراك وحدات السايبر، ودخول التكنولوجيا العسكرية بشكل غير مسبوق لأرض المعركة، إلا أنه لم يحدث حتى الآن أي مواجهة مباشرة مع المقاومين، وحتى الصور التي تنشر لجنود على الأرض هي خارج المخيم، ومحاولة دعائية لتحقيق صورة نصر لم ينجح الجيش بتحقيقها في المخيم.
وأكد أنه عند اقتراب قوات الاحتلال من بعض المناطق التي يخشون وجود مقاومين فيها، يطلقون كلاباً مثبت عليها كاميرات، تبث صورًا ومقاطع فيديو للجنود المختبئين داخل المدرعات، فهم يخشون السير في الأزقة، أو الاقتراب من أماكن يعتقدون أن بها الكثير من الكمائن المعدة لهم.
فشل مستمر
وأشار إبراهيم إلى أن الفشل المستمر للمعركة بدا واضحة من خلال التصريحات المتخبطة للقيادة الإسرائيلية، فهم يريدون نصر بدون خسائر، وفي نفس الوقت ثمة من ينتظرهم داخل المخيم للنيل منهم، معتقداً أنه في حال سارت الأمور بنفس الوتيرة، فسيكون لهذه المعركة وقع سيء على حكومة الاحتلال، خاصة إذا ما نفذت عمليات جديدة ضد أهداف إسرائيلية، كما حدث في عملية تل أبيب التي نفذها شاب من الخليل، وهذا متوقع تكراره في الأيام المقبلة.
كتب: محمد الجمل
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :