أُبي حسن- فينكس:
بات العالم الراهن، فعلياً، عالماً متعدد الأقطاب، ذلك منذ 21 آذار 2023، تاريخ انعقاد قمة الزعيمين فلاديمير بوتين رئيس الاتحاد الروسي وشي جين بينغ رئيس الصين الشعبية، وما أسفرت عنه تلك القمة من قرارات بعضها سرعان ماتم تجسيده على أرض الواقع، كالتخلي عن الدولار في التداولات التجارية بين العملاقين الصيني والروسي والاستعاضة عنه بالعملات الوطنية للبلدين، وجرى تعميمه تباعاً على الأقل ضمن مجموعة دول البريكس مثال ما حدث بين الصين والاتحاد البرازيلي من خلال اعلانهما، في 30 آذار 2023، التخلي عن الدولار في تعاملهما التجاري (وعقبها فوراً عبّر أحد المسؤولين الأمريكيين عن انزعاج واشنطن من تلك الخطوة).. الخ. لابل إن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون سرعان ماصرّح بعيد عودته من الصين 9 نيسان 2023 قائلاً "إنه يتوجب على أوروبا أن تقلل من اعتمادها على الدولار الأمريكي خارج "الحدود الإقليمية"، وأن تتجنب الانجرار إلى مواجهة بين بكين وواشنطن بشأن تايوان"، بمعزل عن إمكانه تنفيذ ماكرون لتصريحه هذا من عدمه، إلّا أن لهذا التصريح دلالته التي لا يمكن التقليل من شأنها، لاسيما أن الأوربيين عامة والفرنسيين خاصة يدركون أنهم مجرد توابع لواشنطن التي لن توفرهم إذا ما لزم الأمر، وصفقة الغواصات مع أستراليا ماتزال حديثة العهد.
الصورة الجديدة للعالم الجديد، ليست غائبة عن الولايات المتحدة الأمريكية، فهاهي صحيفة الواشنطن تايمس تفيد في مقال نشرته 29 آذار 2023، بأنه قد لا يكون هنالك مكان للولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد، إذا ما نجحت روسيا والصين في تحقيق خططهما.
ويوضح المقال، أنه "إذا حصلت كل من روسيا والصين على ما تريدانه، حينها لن تتمكن الولايات المتحدة من ترؤس طاولة المفاوضات فحسب، بل إنها لن تحصل حتى على مقعد في نهايتها البعيدة"..
طبعاً المقال، سابق الذكر، لم يتحدث عن التضخم الذي بدأت تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية (والقارة العجوز ليست بمنأى عن ذلك التضخم) بعيد عملية تصحيح التاريخ في أوكرانيا، ولا عن ارتفاع منسوب الجرائم عما هو روتيني ومعتاد فيها، ولا عن تسهيل الحكومة الأمريكية لبيع المخدرات لأبناء الشعب الأمريكي كي لا يكون لديهم وقت يفكرون فيه بالمشاكل لا بل الكوارث التي تجلبها لهم إداراتهم.. الخ..
نعم، بات العالم من الناحية العملية عالماً متعدد الأقطاب، وان كان ما يزال في باكورته، وارهاصات هذا العالم (الجديد سياسياً واقتصادياً) يمكن ان تكون بدايتها المنظورة في 24 شباط 2022 عندما دخلت القوات الروسية الى أوكرانيا بغية تصحيح التاريخ، ونعني ما نقول، إذ هي عنفوان الـ"لا" وكبرياءها في وجه أقذر غطرسة وهيمنة أن وتجبّر واستغلال واستعلاء (متمثلاً بالويالات المتحدة الأمريكية) عرفه التاريخ البشري. ناهيك عن أن هذه الـ"لا" المباركة وضعت حدّاً فاصلاً للمتاجرة بشعارات كاذبة كالديمقراطية والحريات وحقوق الانسان (والحيوان) كتلك التي يتشدّق بها الغرب المنافق بشقيه الأوربي والأمريكي، ولايتسع المقام للحديث عن ذاك النفاق مع أنّه بات أشهر من نار على علم..
وعلى الرغم من الدعوات الرصينة والرزينة العدة لسيد الكرملين لعالم متعدد الأقطاب، ولضرورة احترام الغرب لمصالح الصين وروسيا، إلّا أن هذه الدعوات كانت تقابل بصلف غربي منقطع النظير، وتماد ومراوغة ماتزال حتى اللحظة من خلال دعمهم العلني لأوكرانيا فيما يلفقون أخباراً كاذبة عن دعم إيراني وحتى مصري للجيش الروسي(؟!) لا بل و يستنكرون هذا الدعم(!) المزعوم، بمعنى هم يتبجحون بدعمهم للنظام التابع لهم في كييف فيما لا يحق لروسيا تلقي الدعم من أية جهة!..
في الحالات كافة، كان من ثمار باكورة العالم المتعدد الأقطاب أن رفعت المملكة العربية الصوت عالياً في وجه الولايات المتحدة الأمريكية، فلم يأبه ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان لطلب جو بايدن بخصوص زيادة انتاج النفط للمساهمة في الضغط على روسيا بعيد اندلاع الحرب الأوكرانية. بل أكثر من ذلك بادر إلى اتخاذ قرار في منظمة (أوبك+) يقضي بخفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميا. وأرسلت المملكة مسؤولاً عادياً لاستقبال بادين في المطار إبّان زيارته إليها بتاريخ 15 تموز 2022؛ لكن عندما استقبلت المملكة ذاتها الرئيس الصيني في 7 كانون الأول 2022، فقد استقبلته بحفاوة منقطعة النظير وخرجت برزمة من الاتفاقيات التجارية على أن يكون التبادل فيها باليوان الصيني، والأهم أن تلك الزيارة التاريخية التي تخللتها ثلاث قمم تكللت في 6 نيسان 2023 بإعلان المصالحة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكما هو معروف أن الصين هي من كانت عرّابة هذه المصالحة؛ أضف إلى ماسبق الانفتاح العربي المتسارع على سوريا، قبالة عدم الحديث عما يسمى "صفقة القرن"، وإن دلّ على شيء فإنه يدل على بداية أفول امبراطورية الشرّ العالمي المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، وولادة نظام عالمي جديد كما دعت إليه القوى الخيّرة في العالم متمثلة بروسيا والصين، وهو نظام أهم بما لايقاس من النظام السابق للأحادية القطبية، ونعني مرحلة وجود الاتحاد السوفييتي، فلا نكون هتكنا سرّاً إن قلنا إن السوفييت -مع بالغ الاحترام لهم ولتجربتهم- لم يكونوا أنداداً -على الأقل اقتصادياً- للولايات المتحدة الأمريكية ومحورها..
ونحن نعيش باكورة النظام العالمي الجديد، لاينبغي أن يفوتنا التأكيد أن البداية الحقيقية لتشكّل هذا العالم تعود إلى آذار 2011، عندما قررت سوريا بقيادة أسدها الوقوف في وجه أكذوبة "الربيع" العربي، في ظل مناخ عربي ودولي شديد التعقيد، وظرف داخلي على غاية من الحرج بالتزامن مع ضعف في الماكنة الإعلامية الوطنية بموازاة قوة جبّارة للاعلام الخارجي المتآمر بشقيه الغربي والعربي التابع من جهة أخرى ذلك الإعلام الذي شيطن سوريا قيادة وجيشاً، ناهيك عن استحقاقات سورية داخلية تم التأخر عن القيام بها من قبل المعنيين بالأمر في الداخل السوري، ماساهم في تعقيد الوضع داخلياً.. الخ، لكن تبقى الحقيقة التي لامناص منها إن الصمود الأسطوري السوري (أسداً وجيشاً وشعباً) هو الذي هيّأ لولادة هذا العالم الجديد المفترض أن يكون أقل قبحاً واستغلالاً وظلماً وفحشاً.. إذ كان من شأن الصمود السوري أن أعطى الفرصة الكافية لكل من الصين وروسيا كي يستعدا جيداً للمرحلة الراهنة المعنية بولادة النظام العالمي الجديد غير آبهين بتجبّر واشنطن وتوابعها في القارة العجوز، وهنا أذكر أني عام 2001 سألت الأستاذ الصديق يعقوب كرّو، وكان مديراً لتحرير جريدة النور: "لماذا لاتأخذ الصين مواقف جريئة لصالح قضايانا العربية، فقال لي: "منذ فترة كنا في زيارة لرفاقنا الصينيين، وقد سألناهم هذا السؤال، فطلبوا منا أن نمهلهم عشر سنوات"، وحقيقة كان بعد عشر سنوات أن استخدمت الصين ولأكثر من مرة حق النقض الفيتو لصالح سوريا في وجه الاستكبار الغربي، وقد مضى على تلك الفيتوات نحو العشر سنوات، ولنا أن نتخيّل أين صارت الصين فيها!.
ختاماً: سبق للرئيس بشار الأسد أن تحدث في إحدى خطاباته، في السنين الأولى من الحرب الجائرة على وطننا، قائلاً إن المسّ بسوريا سيحدث زلزالاً في العالم. وفي خطاب لاحق له سيوضح الأسد أن الغرب اعتبر أن الأسد من خلال حديثه عن الزلزال كان يهد ويتوعد، فيما كان هو يقصد أمراً آخر، ولعله كان يقصد أن المسّ بوطننا من شأنه أن يكون بداية زلزال يتغيّر بموجبه وجه النظام العالمي (الذي كان)، ليصبح نظاماً كما تريده موسكو وبكين ودمشق، وهو كذلك فعلاً.. إنّه الصمود المزلزل للأسد السوري، ذلك الصمود الذي كان حقاً أن غيّر وجه العالم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :