رشيد حاطوم
شهدت طائفة الموحدين الدروز في لبنان انقلابًا ديمقراطيًا برعاية البيك وليد جنبلاط. ذلك من خلال عملية تعيين الشيخ سامي أبي المنى شيخًا للعقل ديمقراطيًا عبر انتخابات أجراها المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز فاز فيها أبي المنى بالتزكية.
سبق التعيين مشاورات بين وليد جنبلاط والهيئة الروحية في طائفة الموحدين الدروز. العرف لدى الدروز ينص على أن للهيئة الروحية الحقّ في تعيين شيخ العقل باعتباره منصب ديني وممثلًا لها في المحافل الرسمية. لم يحترم البيك المفاوضات التي كان يجريها نيابة عنه غازي العريضي وفاجأ الجميع بتبني ترشيح أبي المنى. غداة إعلان ترشيحه يزور الشيخ سامي أبي المنى الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ ويقول له: "طلب مني وليد بك أن أتقدَّم بترشيحي لمنصب شيخ العقل وأريد مباركتكم" كان جواب الشيخ أمين أنه لا يبارك لشيخ عقل تَعيَّن في المختارة أو تعيَّن في خلدة وإنما يبارك لشيخ عقل تجتمع حوله كافة مكونات الطائفة الدرزية. لم يكترث البيك ومرشحه لموقف الهيئة الدينية. الانقلاب الأوَّل تمَّ.
إن ما حصل إشارة إلى أن المفاوضات جارية، قرَّر أحد الأطراف أن يفعل أولًا ثم يتكلم ثانيًا. وهذه مشكلة بحدِّ ذاتها لأنها تعكس أزمة. أزمة اختلاف في الرؤى بين المكوِّن السياسي والمكوِّن الدِّيني والأهم أزمة ثقة.
أكبر خدمة نقدمها للصورة هي أن نتكلم عنها بأمانة وصراحة. لم تجر ما عرف بانتخابات مشيخة حسب الأصول والأعراف. كانت إعلان تصرفات، إعلان مواقف. كل طرف من الأطراف اتخذ موقفًا منفردًا. وليد جنبلاط قرَّر أنه لا يستطيع أن ينتظر مداولات تسفر عن شيخ عقل يرضي كافة الأطراف، فاتَّخذ قرارًا مبكرًا وتصرّف. وعليه اتّخذ الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ موقفًا علنيًا رفض فيه آلية تنصيب شيخ العقل. قوله في رسالةٍ علنية " لا يحلّ لكم ما انتهكتموه تحت قانون المنتصر المتغلب، لا يحلّ لكم، لا يحلّ لكم".
توسّط آنذاك وليد جنبلاط شيخ العقل السابق الشيخ نعيم حسن والحالي الشيخ سامي أبي المنى ليقول " منصب شيخ العقل هو منصب سياسي، اجتماعي، ديني" كأنّه يقول من يريد أن يمشي معنا ليتفضل والذي لا يريد له ما يشاء.
هنا نحن أمام إشاراتٍ ورموز لا بد أن نفكَّ طلاسمها وهي أهم من الكلام الذي يُقال. أهم من الكلام ما وراء الكلام.. رصد وليد جنبلاط التطورات الإقليمية خاصةً تلك التي تجري على المسرح السّوري. والحقيقة أن شؤون سوريا الداخلية تبدو فاقدة المعنى تقريبًا ما لم تُعزَ إلى القرينة الأوسع، وهي محيطها أوَّلًا، والقوى ذات المصالح ثانيًا. وعلى عتبة توريث ابنه البكر " تيمور بيك" تصوّر جنبلاط الأب أن التّطورات تعنيه وتؤثّر على زعامته بأكثر ممّا يتصوّر الآخرين حتى لو كانوا من الحلفاء. قرّر أن يتصرف وأن يضع الجميع تحت أمرٍ واقع.
وإذا توقفنا قليلًا أمام وصايا السفارة الاميركية في طهران لشاه إيران محمد رضا بهلوي غداة " الانقلاب المضاد" على مصدّق وكان البند السادس منها يقول أن على الشاه أن يهتم اهتمامًا بالغًا بالشؤون الدّينيّة، فيعمل جاهدًا على انتزاع القيادة الدّينية للبلاد من آيات الله في "قُم". نفهم أنّ دور رجال الدين يُعدّ مهمًا في بعض المجتمعات لتأمين الغطاء للسلطة السياسية. فكيف إذا كانت السّلطة في فترة انتقال؟!
السؤال الذي يطرح نفسه هل ما زال الغطاء الديني يؤمن الشرعية المطلوبة للسلطة، ونحن اليوم أمام مجتمعٍ مختلف، تضاريسه مختلفة، وتصوراته مختلفة؟!
في المحصلة النهائية وجد الدروز نفسهم أمام قرارات تفرض نفسها عليهم دون اعتبارٍ لتطلعاتهم. وبعد أكثر من عامٍ على تنصيب أبي المنى شيخًا للعقل لم يجد وليد جنبلاط فيه الغطاء الديني الذي توخّاه لسياساته. فاقد الشيء لا يعطيه. فجولات أبي المنى الانتخابية لم تُؤتِ ثمارها في صناديق الاقتراع. هنا بات البحث عن مرجعية دينية تقوم بالدور المطلوب وكان الانقلاب الثاني.. تلبيس الشيخ أمين مكارم العمامة المكولسة. ضاربين بعرض الحائط عادات وتقاليد الهيئة الروحية المتّبعة منذ الأمير السيد عبدلله التنوخي، أي منذ أكثر من ثلاثمائة عام. والمعروف لدى الموحدين الدروز أن العمامة المكولسة هي رمز يعتمرها كبار الهيئة الروحية، وأمانة يتم نقلها عبر الشيخ الذي يعتمرها حصرًا إلى من يراه أهلًا لحملها، كما فعل الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين حين توّج الشيخين أبو يوسف أمين الصايغ وأبو سعيد أمين أبو غنام عام 2006. وكان هو قد توجهُ الشيخ أبو حسن عارف حلاوي.
استفز هذا الخروج عن الأعراف الرأي العام الدرزي بكافة فئاته الاجتماعية والدينية والقوى الثقافية، تحديدًا بعد ردة فعلٍ قام بها الشيخ أمين الصّايغ بالعودة عن ارتداء العمامة المكولسة إلى ارتداء العمامة العادية احترامًا لمقام العمامة المكولسة ورمزيتها حسب تعبيره ما أثار نقمة شعبية واسعة.
إن الأسلوب الذي استُخدم في تلبيس الشيخ مكارم العمامة المكولسة هو أسوء من محتواه، ذلك أن روحية العمامة المكولسة ورمزيتها لا تقبل منطق الخلسة والانقضاض، وإنما تقبل منطق الوضوح وإطالة النظر. وإذا نزعت الروح من أي جسم فما هو باقٍ بعدها لا يصلح إلا للتراب. وأشهد آسفًا أن وقائع الحدث كانت أقرب إلى ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تكريم شيخ يستحق التكريم على رؤوس الأشهاد. وبالتالي كان تلبيس العمامة للشيخ مكارم ليل الجمعة الفائت سرًّا، دون إخطار أحد واقتصر الحضور على بعض من أقارب الشيخ مكارم وقاضي المذهب الدرزي الشيخ غاندي مكارم، الذي كان له دور كبير في نسج خيوط الحدث.
يعكس هذا الحدث أن لدى الدروز أزمة قيادة سياسية شاخت في مواقعها، وهي تشعر أن الحوادث تتجاوزها، ثم إنه لا تستطيع في نفس الوقت أن ترصد ضرورات التغيير، ولا تعتبر الحل سوى في تقييد المجتمع الدرزي وجعله ملكية خاصة. وكأن هذا العصر يحتمل مزج الدِّين بالسياسة!
محزن واقع الدروز اليوم.. لأن قيمة أي دين في أن يعلو فوق إرادات الأفراد..
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :