آيكون نيوز
لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقتصراً على الحسابات العسكرية والدبلوماسية للحرب مع إيران، بل انتقل بقوة إلى الداخل الأميركي، بعدما حقق الديمقراطيون فوزاً واسعاً في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 تشرين الثاني، وانتزعوا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين.
والنتيجة لا تعني سقوط إدارة ترامب أو انتهاء صلاحياته، لكنها تفتح مرحلة سياسية مختلفة، يصبح فيها استمرار الحرب أكثر عرضة للمساءلة والضغط البرلماني، فيما تتزايد كلفتها الاقتصادية على الأميركيين، ولا سيما مع انعكاس التوتر في الخليج ومضيق هرمز على أسعار الطاقة.
وكان ترامب قد أقرّ بأن الحرب على إيران ساهمت في خسارة حزبه، لكنه تمسّك في الوقت نفسه بقراره العسكري، معتبراً أنه كان ضرورياً لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهذا التناقض يلخص المأزق الذي يواجهه: كيف يحافظ على صورة الحزم والانتصار، من دون أن يدفع حزبه ثمناً سياسياً واقتصادياً إضافياً؟
الخيار الأول: العودة إلى التصعيد العسكري
لا يزال الخيار العسكري مطروحاً، خصوصاً أن الإدارة الأميركية أبقت قواتها واستعداداتها في المنطقة، فيما تتواصل الدعوات الإسرائيلية إلى استئناف العمليات الواسعة ضد إيران.
لكن توسيع الضربات لن يضمن بالضرورة تحقيق نتائج استراتيجية مختلفة، وقد يفتح الباب أمام ردود إيرانية أوسع، ويزيد المخاطر على الملاحة وإمدادات الطاقة، ويرفع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
كما أن العودة إلى حرب واسعة بعد الخسارة الانتخابية ستضع ترامب أمام سؤال داخلي صعب: هل يستطيع تبرير استمرار حرب ساهمت في إضعاف حزبه انتخابياً، من دون أن يقدم للأميركيين نتيجة واضحة؟
الخيار الثاني: التفاوض والبحث عن تسوية
يمثل المسار الدبلوماسي خياراً آخر، تدفع باتجاهه شخصيات داخل الإدارة، بينها نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وفق تقارير صحفية أميركية.
وتعمل الوساطة القطرية على بلورة تفاهمات تمهّد لاستئناف المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، مع بحث إجراءات متبادلة تتصل بالتصعيد العسكري والحصار البحري والملف النووي.
غير أن التفاوض لا يخلو من العقبات. فإيران قد تطالب بضمانات تحول دون تجدد الهجمات الأميركية، وبترتيبات تتعلق بالعقوبات والحصار، بينما يريد ترامب اتفاقاً يستطيع تقديمه باعتباره إنجازاً يحقق أهداف واشنطن الأمنية.
وتكمن المعضلة في أن أي اتفاق لا يمكن أن يظهر للرأي العام الأميركي وكأنه تراجع تحت الضغط، كما أن طهران لن تكون معنية بتقديم تنازلات واسعة من دون مقابل واضح.
الخيار الثالث: خنق اقتصادي وحصار طويل
ثمة مسار ثالث لا يقوم على العودة الفورية إلى الحرب، ولا على تقديم تنازلات دبلوماسية سريعة، بل على الإبقاء على الحصار البحري والعقوبات والضغط الاقتصادي، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات مع مرور الوقت.
هذا الخيار يحظى، بحسب تقارير أميركية، بدعم شخصيات في الإدارة ترى أن استمرار الضغط قد يضعف قدرة طهران على الصمود ويزيد استعدادها للتفاوض.
لكن الحصار ليس خياراً بلا كلفة. فهو قد يطيل أمد المواجهة، ويزيد اضطراب أسواق الطاقة والتجارة البحرية، كما أن نتائجه السياسية والاقتصادية ليست مضمونة، ولا يمكن افتراض أنه سيؤدي تلقائياً إلى تغيير سلوك النظام الإيراني.
الكونغرس… عامل الضغط الجديد
الأهم أن نتائج الانتخابات ستمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على فتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة التعيينات، والضغط عبر الموازنات والتشريعات، إضافة إلى الدفع باتجاه قرارات تحدّ من استمرار العمليات العسكرية.
لكن هذه الصلاحيات لا تعني أن الكونغرس يستطيع إيقاف الحرب فوراً بقرار سياسي بسيط. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية واستخدام القوة العسكرية، كما يمتلك حق النقض الرئاسي، ما يجعل أي مواجهة تشريعية حول الحرب معركة دستورية وسياسية معقدة.
كذلك، فإن موازين القوى الجديدة لن تتولى مهامها التشريعية الكاملة قبل انعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني 2027، ما يمنح الإدارة فترة إضافية للتحرك قبل انتقال السيطرة رسمياً.
المعضلة التي تتجاوز واشنطن
لا تنحصر نتائج هذا التحول في الداخل الأميركي. فإيران تراقب الانقسام السياسي في واشنطن، وإسرائيل تتابع مدى استعداد ترامب للعودة إلى التصعيد، فيما تحاول دول الخليج تجنب اتساع الحرب وانعكاساتها على أمنها واقتصاداتها.
وقد تتعامل طهران مع خسارة الجمهوريين باعتبارها ورقة ضغط إضافية، لكن المبالغة في قراءة النتيجة على أنها تراجع أميركي عسكري قد تكون بدورها خطأً في الحسابات.
في المحصلة، لا يواجه ترامب خياراً سهلاً: التصعيد قد يرفع الكلفة ويعمّق الانقسام الداخلي، والتفاوض قد يفرض تنازلات متبادلة، والحصار الطويل قد يستنزف الجميع من دون ضمان نتيجة حاسمة.
السؤال لم يعد فقط كيف ستنتهي الحرب مع إيران، بل كيف سيخرج ترامب منها من دون أن تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي يلاحقه حتى نهاية ولايته؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :