من المدرسة الحربية إلى رئاسة الأركان.
اللواء الركن وليد سلمان… سيرة رجل ومسيرة مؤسسة وتاريخ من المسؤولية.
إعداد مكرم المصري.
صليما: ٦- ١١- ٢٠٢٦.
حين تُستهدف القامات… تتكلم السيرة.
ليس من السهل أن تختصر مسيرة رجل أمضى عمره في خدمة المؤسسة العسكرية، ولا أن تختزل سنوات من الانضباط والتضحية وتحمل المسؤولية في حملات عابرة أو اتهامات تُطلق جزافاً. فهناك رجال لا تُقاس قاماتهم بما يُقال عنهم، بل بما تركوه من أثر في المواقع التي شغلوها، وبما حملوه من أمانة حين كانت المسؤولية امتحاناً، وحين كان الواجب يتقدّم على المصالح والحسابات الشخصية.
وفي زمن اختلطت فيه المواقف بالحسابات، وأصبحت فيه بعض الأصوات تستسهل النيل من الرجال والتشكيك في مسيرتهم، تبرز الحاجة إلى العودة إلى الوقائع، والاحتكام إلى التاريخ، والتمييز بين النقد المسؤول والاستهداف، وبين الاختلاف في الرأي ومحاولات النيل من السمعة والمكانة.
إن اللواء الركن وليد سلمان ليس اسماً عابراً في سجل المؤسسة العسكرية اللبنانية، بل هو ضابط أمضى عقوداً في رحاب الجيش، وتدرّج في الرتب والمواقع والمسؤوليات، من المدرسة الحربية إلى المراكز القيادية، مروراً بالمهام الميدانية والأمنية والتخطيطية والتربوية. وهي مسيرة لا تُمحى بضجيج، ولا تُختصر بمنشور، ولا تُحاكم وفق أهواء من يرفعون أصواتهم اليوم، بل تُقرأ في ضوء تاريخها ومحطاتها وما تضمنته من مسؤوليات.
لسنا هنا في معرض منح الأوسمة بالكلمات، ولا في موقع إصدار الأحكام، فالتاريخ لا يحتاج إلى تزيين، والحقيقة لا تحتاج إلى صخب. لكن من حق كل صاحب مسيرة أن تُعرض سيرته كاملة، ومن واجب الكلمة المنصفة أن تضع الوقائع أمام الناس، بعيداً عن التشويه والتأويل والانتقائية. فالاختلاف لا يبرر الإساءة، والنقد لا يمنح أحداً حق اغتيال السمعة، والرجال الذين خدموا مؤسسات وطنهم يستحقون أن تُقرأ مسيرتهم بميزان الإنصاف لا بميزان الخصومة.
إننا نؤمن أن القامات الحقيقية لا تحميها الضوضاء، بل تحميها الوقائع، وأن المناقبية لا تُثبتها الكلمات وحدها، بل مسيرة من الالتزام وتحمل المسؤولية واحترام المؤسسة التي ينتمي إليها المرء.
ومن هنا، نطلق سيرة اللواء الركن وليد سلمان الذاتية، ونستعرض محطات حياته العسكرية والعلمية والقيادية، منذ بداياته في المدرسة الحربية وصولاً إلى المواقع المتقدمة التي تولاها في الجيش اللبناني، تاركين للتاريخ والوقائع أن يتحدثا، وللقارئ أن يحكم بإنصاف.
* النشأة والبدايات.
وُلد اللواء الركن وليد سلمان في بلدة الشويفات، قضاء عاليه، في الثامن من آب عام ١٩٥٤. اختار منذ شبابه الانخراط في المؤسسة العسكرية، فانتسب إلى الجيش اللبناني بصفة تلميذ ضابط، وأُلحق بالمدرسة الحربية اعتباراً من الأول من تشرين الأول عام ١٩٧٣، ليبدأ بذلك مسيرة مهنية ارتبطت بالانضباط العسكري والتدرّج في المسؤوليات.
وفي عام ١٩٧٦ تخرّج برتبة ملازم، لتبدأ رحلته الفعلية في صفوف الجيش، حيث تنقّل بين الوحدات والمواقع العسكرية، واكتسب الخبرات الميدانية والإدارية التي أسهمت في تكوين شخصيته القيادية.
* مسيرة الترقّي والتدرّج العسكري
على مدى سنوات خدمته، تدرّج وليد سلمان في الرتب العسكرية وفق التسلسل الآتي:
ملازم اعتباراً من ١/ ٧/ ١٩٧٦
ملازم أول اعتباراً من ١/ ٧/ ١٩٧٩.
نقيب اعتباراً من ١/ ٤/ ١٩٨٤.
رائد اعتباراً من ١/ ٧/ ١٩٨٨.
مقدم اعتباراً من ١/ ٧/ ١٩٩٣.
عقيد ركن اعتباراً من ١/ ٧/ ١٩٩٧.
عميد ركن اعتباراً من ١/ ١/ ٢٠٠٣.
لواء ركن، وهي الرتبة التي بلغها لاحقاً في مسيرته العسكرية.
ولم يكن هذا التدرّج مجرّد انتقال من رتبة إلى أخرى، بل عكس سنوات من الخبرة والتجربة وتحمل المسؤوليات في مؤسسات ووحدات عسكرية متعددة.
* المواقع والمسؤوليات العسكرية.
تنقّل اللواء سلمان خلال مسيرته بين عدد من المواقع والتشكيلات العسكرية، فكانت بداياته الميدانية في موقع حمانا اعتباراً من الرابع من آذار عام ١٩٧٨، ثم نُقل إلى فوج الدفاع الأول في الثالث من نيسان من العام نفسه، قبل أن يُفصل إلى قيادة قوات الردع العربية في شباط ١٩٧٩.
وفي كانون الأول ١٩٨٢، انتقل إلى كتيبة الحرس الجمهوري، حيث عُيّن آمراً لسرية الدعم، ثم انتقل عام ١٩٨٥ إلى لواء المشاة الثاني عشر، وتولّى مسؤوليات في الكتيبة ١٢٢، شملت رئاسة الفرعين الثاني والثالث وقيادة السرية ١٢٢٠.
وفي الرابع والعشرين من أيار عام ١٩٨٦، عُيّن قائداً للكتيبة ١٢٢، وهي مسؤولية قيادية ميدانية شكّلت محطة مهمة في مسيرته العسكرية.
وفي أيلول ١٩٩١، انتقل إلى منطقة جبل لبنان، حيث عمل في قيادة المنطقة – فرع المخابرات، قبل أن ينتقل إلى أركان الجيش للتخطيط عام ٢٠٠٠، متولّياً رئاسة قسم جداول العديد في مديرية التخطيط.
وفي أيلول من العام نفسه، عُيّن رئيساً لأركان لواء المشاة العاشر، ثم انتقل إلى مديرية المخابرات في تشرين الأول ٢٠٠١، حيث تابع مسيرته في العمل الأمني والعسكري، مكتسباً خبرات إضافية في مجالات المتابعة والتخطيط والمسؤوليات القيادية.
* في ميدان التعليم العسكري.
شكّل انتقاله إلى مجال التعليم العسكري محطة بارزة في مسيرته، إذ عُيّن مديراً للتعليم في أركان الجيش للعمليات اعتباراً من التاسع والعشرين من تشرين الأول عام ٢٠٠٨.
وفي العاشر من أيلول عام ٢٠٠٩، تسلّم قيادة المدرسة الحربية، المؤسسة التي تتولى إعداد الضباط وتأهيلهم علمياً وعسكرياً وقيادياً، وتُشكّل إحدى الركائز الأساسية في بناء الأجيال الجديدة من ضباط الجيش اللبناني.
وقد تزامن تولّيه هذه المسؤولية مع مرحلة مهمة من مسيرته، إذ جمع بين الخبرة الميدانية والإدارية والأمنية من جهة، والمسؤولية التربوية والعسكرية عن إعداد الضباط من جهة أخرى.
وفي الرابع عشر من تموز عام ٢٠١١، عُيّن رئيساً لأركان الجيش، في خطوة عكست حجم المسؤوليات التي تولاها والخبرة التي راكمها خلال سنوات خدمته الطويلة.
* التأهيل العلمي والدورات العسكرية.
لم تقتصر مسيرة اللواء الركن وليد سلمان على الخبرة العسكرية والميدانية، بل رافقها اهتمام بالتحصيل العلمي والتأهيل المستمر.
فهو حائز إجازة في التاريخ، وقد تابع عدداً من الدورات العسكرية والتخصصية داخل لبنان وخارجه، شملت الجمهورية العربية السورية والولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وفنلندا وألمانيا.
كما يتقن ثلاث لغات أجنبية، هي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية، الأمر الذي أتاح له توسيع معارفه والاطلاع على تجارب مختلفة في المجالات العسكرية والعلمية.
* الأوسمة والتنويهات والتهاني.
تقديراً لمسيرته العسكرية وما اضطلع به من مسؤوليات، نال اللواء الركن وليد سلمان مجموعة من الأوسمة والتكريمات العسكرية والوطنية، التي عكست تقدير القيادة العسكرية لأدائه وخدماته.
ومن أبرز الأوسمة التي حازها:
وسام الحرب أربع مرات.
وسام الأرز الوطني من رتبة فارس.
وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط.
وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور.
وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجات الأولى والثانية والثالثة.
وسام الوحدة الوطنية.
وسام فجر الجنوب.
وسام التقدير العسكري من الدرجة الفضية.
وسام الفخر العسكري من الدرجة الفضية.
كما نال تنويه العماد قائد الجيش ثماني مرات، وتهنئته سبعاً وعشرين مرة، إضافة إلى تهنئتين من مدير المخابرات وتهنئة من قائد لواء.
وتُظهر هذه التكريمات، بتعددها وتنوعها، حجم المسؤوليات التي اضطلع بها خلال مراحل خدمته، وما حظي به أداؤه من تقدير داخل المؤسسة العسكرية.
* الحياة العائلية.
وعلى الصعيد العائلي، اللواء الركن وليد سلمان متأهل من السيدة رندة حيدر، ولهما ثلاثة أولاد هم رنا وجاد وفرح. وقد شكّلت العائلة جانباً أساسياً من حياته خارج إطار المسؤوليات العسكرية، بما تحمله الحياة الأسرية من استقرار ودعم ومساندة.
* خاتمة: الرجال تُعرف بمسيرتها لا بضجيج مستهدفيها.
في ختام هذه الرحلة بين محطات السيرة العسكرية للواء الركن وليد سلمان، لا بد من التأكيد أن قيمة الرجال لا تُختزل برتبة يحملونها، ولا بموقع يشغلونه، ولا بحجم الضجيج الذي يُثار حولهم. فالقيمة الحقيقية تكمن في مسيرة العمر، وفي المسؤوليات التي تحمّلوها، وفي المحطات التي عبروها، وفي سجلّ الخدمة الذي يبقى شاهداً على ما قدّموه.
إن تاريخ المؤسسة العسكرية أكبر من أن يُختصر بحملات عابرة، وأسمى من أن يتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات. ومن حق الناس أن تسأل وتنتقد وتناقش، لكن من حق الحقيقة أيضاً ألا تُشوَّه، ومن حق السمعة ألا تُغتال بالكلام، ومن حق التاريخ ألا يُكتب وفق الأهواء والمصالح.
لسنا نقول إن أي شخصية عامة فوق النقد أو المساءلة، فالمؤسسات القوية تقوم على المحاسبة والشفافية، لكننا نرفض أن يتحوّل النقد إلى استهداف، وأن تصبح الاتهامات بديلاً عن الأدلة، وأن يُحاكم الإنسان عبر حملات لا تستند إلى الوقائع.
أما اللواء الركن وليد سلمان، فتبقى سيرته العسكرية بما تتضمنه من محطات ومواقع ورتب وأوسمة جزءاً من سجلّ الجيش اللبناني، وهي سيرة تستحق أن تُقرأ كاملة، وأن تُناقش بموضوعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
فالرتب قد تُمنح بقرار، والمواقع قد تتبدّل، لكن التاريخ لا يُكتب بالصراخ، والمناقبية لا تسقط بحملة، والسمعة لا تُمحى بكلمة.
ولمن يظن أن استهداف الرجال يُسقط تاريخهم، نقول: إن التاريخ لا يخضع لمزاج العابرين، ولا تنحني صفحاته أمام ضجيج اللحظة. فالرجال تُعرف عند الشدائد، وتُقرأ في سجلات أعمالها، وتبقى سيرتها شاهدة عليها، مهما تبدّلت الأصوات وتغيّرت المواقف.
نحن لا ندافع عن الأسماء بقدر ما ندافع عن حق الحقيقة في أن تُقال، وحق التاريخ في أن يُنصف، وحق الكلمة في ألا تكون سلاحاً للظلم.
فحين تصبح السيرة موضع استهداف، يكون الردّ الأبلغ أن نضعها كاملة أمام الناس. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تنتصر، لكنها تحتاج إلى من يجرؤ على قولها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :