من اللحوم إلى الحلويات... هل انفلتت سلامة الغذاء في لبنان من الرقابة؟

من اللحوم إلى الحلويات... هل انفلتت سلامة الغذاء في لبنان من الرقابة؟

آيكون نيوز

بيروت: طفيلي في اللحم المفروم

 

بدأت القضية بتسجيل حالات إصابة بداء الشعرينات (Trichinellosis)، وهو مرض طفيلي ينتقل إلى الإنسان نتيجة تناول لحوم ملوثة نيئة أو غير مطهوة جيداً، ولا سيما لحوم الخنازير المصابة. فور ورود البلاغات، أصدر محافظ بيروت القاضي مروان عبود قراره رقم 890/ب، القاضي بإقفال مطعم «ناديني» في وسط بيروت ومستودع اللحوم «رهامكو»، وختمهما بالشمع الأحمر، فيما وصل عدد المصابين المسجل في المستشفيات إلى نحو عشر حالات خلال الأيام الأولى، بينها أربع إصابات مؤكدة سريرياً.

 

ولم يكن الإقفال الثاني للمطعم احتياطياً شكلياً هذه المرة: فالتقرير المخبري رقم 1989/10، الصادر في 30 تشرين الأول عن مختبر الصحة الحيوانية التابع لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، أثبت وجود طفيلي الشعرينة الحلزونية (Trichinella spiralis) في إحدى عينات اللحوم المأخوذة من المطعم، وهو ما دفع المحافظ إلى إعادة الإقفال بكامل أقسامه ومنع استئناف أي نشاط فيه، مع تنبيه صريح إلى أن رفع الأختام سابقاً عن الصالة لم يشكل إذناً باستئناف العمل.

 

مستودعات اللحوم تحت المجهر

 

الأكثر إثارة للقلق ما كشفته مصادر رقابية عن شبهات خلط لحوم البقر والعجل بلحوم الخنازير المستزرعة في بعض الملاحم في جبل لبنان، وبيعها للمستهلك على أنها لحوم بقر خالصة. وإذا ثبتت هذه الممارسات، فلن تكون المسألة مجرد مخالفة صحية، بل غشاً تجارياً وتضليلاً للمستهلك، فضلاً عن المخاطر الصحية المترتبة على عدم معرفة طبيعة اللحوم التي يشتريها. والتحقيقات الجارية، بإشراف النيابة العامة التمييزية، تسعى إلى تحديد المرحلة التي حصل فيها الغش تحديداً، في المطعم أم في أي حلقة أخرى من سلسلة التوريد.

 

لكن من الضروري التمييز بين هذه المعلومات المنقولة عن مصادر رقابية وبين نتائج الفحوص المثبتة رسمياً. فوزير الزراعة نزار هاني أوضح أن النتائج الإيجابية المسجلة حتى الآن اقتصرت على العينات المرتبطة بمطعم «ناديني»، ولم تظهر نتائج إيجابية في العينات المأخوذة من مستودعات اللحوم التي خضعت للفحص، فيما لا تزال عينات إضافية قيد التحليل، والوزارة عمّت على مصالحها الإقليمية ومراكز الكشف بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

 

عكار أيضاً... التسمم ينتقل إلى الحلويات

 

ولم تتوقف التطورات عند ملف اللحوم. فقد أُدخل إلى مستشفى عبدالله الراسي الحكومي في حلبا مصابون بتسمم غذائي، غالبيتهم من الأطفال، بينهم اثنان من الجنسية السورية، إثر تناولهم حلويات «إكلير» وقوالب حلوى اشتروها من بائع متجول في بلدتي ببنين وتل معيان؛ بلغ عدد من استدعوا إلى الاستشفاء 17 حالة، فيما قدّر مصادر طبية عدد المصابين الإجمالي بنحو 40 شخصاً. وأوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي البائع وضبطت سيارته، فيما لا تزال الجهات المختصة تتتبع مصادر الحلويات والمصانع التي أنتجتها، وأعلنت وزارة الصحة أن دوريات التفتيش ستشمل المعامل التي أنتجت هذه المنتجات.

 

وهنا تبرز أهمية تتبع سلسلة الإنتاج والتوزيع، لأن مسؤولية سلامة الغذاء لا تقع على البائع وحده، بل تشمل المصنع والمورد والمخزن ووسائل النقل وشروط الحفظ.

 

الحكومة تتحرك... من يراقب الهيئة التي ستراقب؟

 

عقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً طارئاً في السراي الكبير مساء الثاني من تشرين الثاني، بمشاركة الوزراء المعنيين ورئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء والنائب العام التمييزي، وأعلن بعد الاجتماع أن «الغش في الغذاء جريمة ولن نتهاون معه»، مشيراً إلى إطلاق إطار رقابي تقوده الهيئة، يتضمن الكشف على المسالخ ومستودعات اللحوم والتحقق من التزامها الشروط الصحية والفنية والقانونية، ومسح المستودعات والمسالخ غير المرخصة، مع وعد بأن تستمر التحقيقات القضائية وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته. وفي اليوم التالي، تابع سلام مع مدير عام أمن الدولة إدكار لاوندس دور المديرية في الرقابة على المخالفات وشبهات الغش.

 

لكن خطاب «الغش جريمة» يصطدم بحقيقة لا تقل خطورة من الطفيلي ذاته: الجريمة التي يتحدث عنها الرئيس لها جهاز مكافأة، وهو معطل منذ سنوات. فقانون سلامة الغذاء رقم 35 صدر في نهاية عام 2015، وأسس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء وكلّفها برقابة الغذاء من المصدر إلى المائدة، لكن الهيئة ظلت سنوات على الورق، وعندما شُكّلت أخيراً بقي بلا مكتب وبلا حساب مصرفي وبلا مراقبين ميدانيين، وبموازنة لا تتجاوز 36 ألف دولار لم يُصرف منها شيء حتى الآن، فيما تشير التقديرات إلى أن رقابة فعلية تغطي المحافظات المختلفة تتطلب نحو 250 إلى 300 مراقب.

 

هذا هو الفحص الحقيقي للحكومة: لا في اجتماع طارئ بعد وقوع الضحايا، بل في تمكين المؤسسة التي بُنيت لأجل هذه اللحظة بالذات. فحملة تفتيش بعد كارثة ليست منظومة رقابية، بل اعتراف متأخر بغيابها. ودولة تعلن أن الغش جريمة وتترك هيئة الجريمة بلا مفتشين، إنها لم تحسم بعد أي غش تريد محاسبته: غش التجار، أم غش الدولة التي وعدت برقابة ولم تسدد فواتيرها؟

 

السؤال الأهم: من يراقب ما نأكله؟

 

ما تكشفه هذه الوقائع أن سلامة الغذاء لا يمكن أن تُختزل في مداهمة هنا أو إقفال مؤسسة هناك. والمطلوب منظومة رقابية مستمرة، ومختبرات قادرة على الفحص المنتظم، وآلية واضحة لتتبع مصادر اللحوم والمواد الغذائية، ونشر نتائج الفحوص والإجراءات المتخذة أمام الرأي العام، وسجل علني للمخالفات يعرف منه المستهلك من غشّ ومن رقبت عليه. والموقف الصحيح من الحكومة أن يُقاس بالتزاماتها القابلة للقياس: موازنة فعلية للهيئة، تعيين المراقبين، صرف المخصصات، ونشر دوري لنتائج الفحص بدل تصريحات الحصيلة.

 

فالمواطن الذي يدفع ثمن كيلو اللحم أو علبة الحلوى لا يفترض أن يتحول إلى مفتش غذائي، ولا أن يكتشف بنفسه ما إذا كان المنتج الذي اشتراه مطابقاً للمواصفات.

 

إن أخطر ما في القضية ليس فقط احتمال وجود غش في بعض المنتجات، بل أن يفقد المستهلك ثقته بما يصل إلى مائدته. في لبنان، لم يعد السؤال ماذا نأكل، بل من يضمن لنا أن ما نأكله آمن؟

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي