إيلي الفرزلي… حين يصبح تبديل التحالفات بديلاً عن المشروع

إيلي الفرزلي… حين يصبح تبديل التحالفات بديلاً عن المشروع

خاص icon news 

كتب رشيد حاطوم

 

في سيرة إيلي الفرزلي السياسية، المشكلة ليست أنه غيّر تحالفاته؛ فالسياسة ليست نذراً مقدساً، والمراجعة حق مشروع لكل من يحمل مسؤولية عامة. المشكلة تبدأ حين يحلّ الانتقال من ضفة إلى أخرى محلّ التفسير السياسي الواضح، ويعجز الجمهور عن التمييز بين صاحب مشروع يتطوّر وسياسي يتكيّف مع موازين القوى بحثاً عن موقع جديد. عندها يصبح السؤال مشروعاً: ما المشروع الذي يحمله الفرزلي إلى اللبنانيين، بعيداً من الحسابات الانتخابية وتبديل التحالفات؟

لا يجوز اختزال مرحلة الوصاية السورية باتهام شخصي غير موثّق، ولا يجوز في الوقت نفسه محوها من الذاكرة. فالفرزلي نفسه تحدّث في كتابه عن علاقته بالمسؤول الأمني السوري الراحل غازي كنعان وعن دوره في الحياة السياسية اللبنانية، ووصفه بأنه صار في مرحلة معينة «أقوى مركز قوة في البلاد». وقد تناولت «الشرق الأوسط» روايته عن تلك الحقبة وصلتها بالانتخابات وتشكيل الحكومات واختيار رؤساء الجمهورية. ليس المطلوب محاكمته على معرفته بمسؤول سوري، ولا تحميله وحده مسؤولية مرحلة كانت فيها دمشق صاحبة النفوذ الأوسع في لبنان، بل التذكير بأنه كان جزءاً من منظومة سياسية نشأت في ظل ذلك النفوذ، وأن عودته إلى الحياة العامة لم تكن عودة شخص من خارج المشهد، بل عودة سياسي له موقع معروف في تلك المرحلة.

وحين عاد إلى البرلمان عام 2018 انتُخب نائباً لرئيس مجلس النواب، ووصفته وكالة «رويترز» يومها بأنه حليف لحزب الله، وأشارت إلى أنه من السياسيين المحسوبين على دمشق الذين عادوا إلى الحياة العامة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان. هذا توصيف موثّق لا تهمة، لكنه يطرح سؤالاً لا مفرّ منه: كيف انتقل الفرزلي من موقع إلى آخر؟ وما الذي تغيّر في أفكاره ومواقفه، لا في تحالفاته فقط؟

قبل انتخابات 2022 كان الفرلي يتحدث عن تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر بوصفه إطاراً قائماً للتعاون السياسي والانتخابي، ونقلت «لوريان توداي» عنه أن الحزب والتيار اتفقا على التحالف والتعاون في مختلف الدوائر. لاحقاً انقلبت اللهجة، فظهر في مقابلات وتصريحات يوجّه انتقادات قاسية إلى جبران باسيل، بعدما كان جزءاً من المعادلة التي وفّرت له حضوراً وموقعاً، وكان يتعامل مع التيار بوصفه قوة أساسية في التوازنات المسيحية والوطنية.

من حقه أن يراجع تجربته مع باسيل، وأن ينتقد حليفاً سابقاً إذا رأى أن ذلك التحالف كان خاطئاً. لكن المراجعة الجدية لا تكون بالانتقال من المديح إلى الهجوم، بل بجواب عن أسئلة بسيطة: ماذا كان صحيحاً في مواقفه السابقة؟ وماذا اكتشف لاحقاً؟ هل الخطأ في المشروع أم في الأشخاص؟ ولماذا يصدّق اللبنانيون النسخة الجديدة منه بعدما قدّم نسخاً مختلفة أمام القوى نفسها؟ المشكلة ليست في تغيير الموقف بحد ذاته، بل في غياب جردة الحساب؛ فالتراجع عن خيار سياسي قد يكون فضيلة إذا اقترن بشرح صريح وتحمّل للمسؤولية. أما أن يتحوّل الحليف السابق إلى خصم مطلق بمجرد انتهاء الحاجة إليه، فيترك انطباعاً بأن المعيار لم يكن دائماً الاقتناع، بل الموقع الذي يتيح للسياسي الاحتفاظ بدوره.

اليوم يعود اسمه إلى التداول في سياق الحديث عن انتخابات فرعية لملء المقعد الأرثوذكسي الشاغر في البقاع الغربي ـ راشيا. وبحسب التقارير المتداولة هو من أبرز الأسماء المرشحة لاستعادة المقعد الذي خسره في انتخابات 2022، مع حديث عن دعم محتمل من الرئيس نبيه بري وحركة أمل والنائب حسن مراد. غير أن هذه المعلومات تبقى في إطار التقارير السياسية، ولا ينبغي تقديمها كقرار نهائي أو التزام معلن من أصحابها. ومن الطبيعي أن يرغب نائب سابق في العودة إلى البرلمان، ومن حقه أن يخوض الانتخابات ويطلب دعم القوى السياسية والناخبين، لكن العودة لا تصبح مشروعاً وطنياً لمجرد أن صاحبها شخصية معروفة.

إلا أن الفرزلي يلوّح بقدرته على استعادة موقعه، ويتحدث عن علاقاته مع القوى القادرة على التأثير في الانتخابات المقبلة، وتُنسب إليه عبارات مفادها أنه يضمن تأييد الثنائي الشيعي أو أن الثنائي «في جيبه». وحتى لو نُقلت هذه العبارات بدقة، فهي تكشف مشكلة سياسية عميقة: الأحزاب ليست ملكاً شخصياً لقياداتها، وجمهور أي قوة ليس رصيداً خاصاً يوزّعه سياسي على مرشح أو يستعمله ورقة في سوق التحالفات. لا أحد يملك أصوات حركة أمل أو حزب الله، كما لا يملك أحد أصوات أي حزب أو طائفة. الدعم الانتخابي قرار تتخذه الهيئات السياسية وفق حساباتها، ويمنحه الناخبون وفق مصالحهم وقناعاتهم، وتقديمه كضمانة شخصية مبالغة في تقدير الدور لا قوة سياسية. والفارق كبير بين مرشح تدعمه قوى سياسية ومرشح يقدّم نفسه كأنه يملك مفاتيح قرارها: الأول احتمال انتخابي، والثاني ادعاء يحتاج إلى دليل.

وفي مشهد آخر، قال شارل جبور في مقابلة تلفزيونية إنه طلب من الفرزلي نقل رغبته إلى رئيس الجمهورية بتعيينه سفيراً للبنان في تل أبيب إذا تحقّق السلام. العبرة ليست في الطلب ولا في مدى جديته، بل في الصورة التي يرسمها عن وظيفة الفرزلي السياسية: ناقل رسائل بين شخصيات وقوى متباعدة، من دون أن نعرف أين تنتهي الوساطة ويبدأ مشروعه الشخصي. نقل الرسائل مفيد إذا كان جزءاً من مبادرة واضحة أو تسوية معلنة، أما حين يصير وظيفة دائمة فيُعرف السياسي بقدرته على فتح الأبواب لا بمواقفه من القضايا الكبرى. وهنا يحق للبنانيين أن يسألوا: هل يحمل الفرزلي رسالة إلى لبنان، أم يبحث عمّن يحمل له رسالة العودة إلى المجلس؟

ويستعصي على الفهم السياسي، فضلاً عن الأخلاقي، هذا المشهد: رجل يفتح خطاً بين عين التينة ومعراب، ويُطلب منه نقل رسائل بين قوى كانت بالأمس القريب تتبادل اتهامات الخيانة والعمالة، ثم يُستقبل في معراب وسيطاً مقبولاً ويُطلب إليه تمرير رغبات إلى رئيس الجمهورية، بينما يلوّح هو بأن تأييد الثنائي الشيعي محفوظ في جيبه. فكيف ينظر الثنائي إلى اجتماعه بمن كانوا أشد خصومه وأكثر من حملوا عليه في السنوات الأخيرة؟

الجواب الذي تفرضه الوقائع لا التمنيات أن الثنائي لا يرى في الفرزلي مشروعاً سياسياً مستقلاً، بل جسر عبور. فالقوى التي ترفض الجلوس المباشر مع الثنائي، أو تتحرّج من ذلك أمام جمهورها، تقبل أن ينقل الفرزلي ما تريد قوله إلى عين التينة، وتقبل أن يُقال إنها تستمع إلى رسائل من خلف الأبواب. والثنائي بدوره يقبل أن ينقل الفرزلي رسائله إلى معراب، لأنه لا يملك حليفاً آخر يقبل هذا الدور، ولا يجد في شخصه كلفة سياسية تُذكر؛ فالفرزلي ليس صاحب قاعدة شعبية مستقلة تُخشى، ولا صاحب مشروع يُحسب له حساب. إنه وسيط لا يُلزم أحداً بشيء، لأن أحداً لا يرى فيه التزاماً.

والأخطر أن هذه الوساطة تُسوَّق للجمهور كأنها إنجاز: إن نجح في فتح باب قيل إنه رجل المرحلة ومفاتيحها، وإن أخفق قيل إن الآخرين هم من أغلقوا الباب. أما الثنائي، وهو يعرف أن تأييده ليس ملكاً لأحد، فيترك الفرزلي يتحدث عن «جيب» لا وجود له، لأنه لا يخسر شيئاً من صمت يُبقي له الخيارات كلها. وهكذا يتحول السياسي إلى صندوق بريد، والصندوق إلى واجهة، والواجهة إلى وهم مشروع.

أما شارل جبور فحديثه عن الثنائي لا يحتاج إلى كثير من الشرح. فمن يكتب أن بناء الوطن مع «الثنائي الحزبي الشيعي» خطيئة مميتة، وأن هذا الثنائي «لا يعيش ولا يتنفس إلا في الفوضى»، ثم يقبل أن يحمل الفرزلي رسالته إلى رئيس الجمهورية، لا يرسل رسالة سياسية بل رسالة ازدراء بجمهور كامل اختُزل في «ثنائي» يُراد له أن يبقى خارج الوطن أو أن يُستتاب على أبواب المؤسسات. وشتّان بين نقد سياسي يخضع للمساءلة، وخطاب يُخرج الآخر من خانة الوطن ثم يستعين بوسيط من داخله عند الحاجة.

وأنطوان زهرة، الذي يُستدعى اسمه في هذا السياق، ليس أقل إشكالاً. فتاريخه على حاجز البربارة ليس سراً ولا موضوعاً للمجاملة. ومن وقف على حاجز يُسأل فيه الناس عن أسمائهم وطوائفهم، وارتبط اسمه بمرحلة كانت فيها ربطة الخبز تُحجب عن العابرين، لا يحق له أن يتحدث عن السيادة كأنه جاء من خارج التاريخ. الذاكرة اللبنانية لا تُختصر بحاجز واحد، لكن صفحتها لا تُطوى أيضاً بكلمة «مرحلة». ومن يريد محاسبة الآخرين على مواقعهم، فعليه أولاً أن يقبل مساءلة موقعه.

وهنا يكتمل المشهد: سياسي يبحث عن مقعد، يتوسط بين قوى تتبادل الازدراء، ويحمل رسائل من طرف لا يعترف بالطرف الآخر وطناً كاملاً. والثنائي الذي يُقال إنه «في جيبه» يعرف أكثر من غيره أن الجيوب لا تحمل جماهير، وأن الأصوات ليست شيكاً على بياض، وأن الوسيط الذي لا مشروع له لا يُلزم أحداً بشيء. فإذا أراد الفرزلي أن يُصدَّق، فليقل أي رسالة يحمل: رسالة إلى لبنان، أم رسالة من حليف إلى خصم ومن خصم إلى حليف، في بلد صار فيه الانتقال بين الغرف مهنة، والوقوف في غرفة واحدة موقفاً.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الفرزلي قادراً على خوض الانتخابات، بل ماذا سيقدّم إذا عاد. ما برنامجه للبقاع؟ ما رؤيته للدولة؟ ما موقفه من الإصلاح؟ كيف يقرأ انهيار المؤسسات؟ وما الذي سيختلف في أدائه المقبل عن أدائه السابق؟ حتى الآن تبدو العودة هدفاً واضحاً والمشروع غامضاً: الاتصالات تتحرك، والقنوات تُفتح، والعلاقات تُستعاد، وأسماء الحلفاء المحتملين تُستحضر، لكن اللبنانيين لا يسمعون برنامجاً متكاملاً بقدر ما يسمعون أخباراً عن مرشح يبحث عن مقعد.

قد يردّ الفرزلي بأن السياسة ليست عقيدة جامدة، وأن السياسي الناجح هو من يحسن التعامل مع المتغيرات. وهذا صحيح جزئياً؛ فالسياسة تتطلب المرونة، والتحالفات تتغير، والبلدان تمر بمراحل تفرض إعادة تقييم الخيارات. لكن المرونة غير غياب الثبات، والمراجعة غير محو الذاكرة، والانتقال يصبح مقنعاً عندما يشرح صاحبه أسبابه، لا عندما يتصرف كأن مواقفه السابقة لم تكن. المشكلة ليست أنه عرف أكثر من حليف، بل أنه لم يقدّم حتى الآن معياراً ثابتاً يمكن للبنانيين أن يقيسوا مواقفه عليه. هل المعيار هو الدولة؟ أم الطائفة؟ أم توازن القوى؟ أم حماية موقعه السياسي؟ أم القرب من الجهة الأكثر قدرة على تأمين العودة؟ وإن كان يقول إن الظروف تغيّرت، فعليه أن يشرح كيف تغيّرت، وما الذي تغيّر في أفكاره، ولماذا يجب الوثوق بقراءته الجديدة. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى سياسي يجيد الانتقال بين الغرف، بل إلى ممثل يعلن بوضوح في أي غرفة يقف ولماذا.

ولا يحتاج المقال إلى استدعاء حواجز الحرب في حق الفرزلي، ولا إلى تحميله مسؤوليات شخصية غير مثبتة؛ يكفي أن اللبنانيين يتذكرون المراحل السياسية التي عاشوها، ومواقع الشخصيات وتحالفاتها وخطاباتها. الذاكرة السياسية ليست انتقاماً، لكنها تمنع إعادة تقديم الأشخاص بالطريقة التي تناسب اللحظة الجديدة. ومن يريد العودة إلى الحياة العامة لا يستطيع أن يطلب من الناس نسيان تاريخه، بل عليه أن يقدّم تفسيراً له. فالعودة السياسية لا تُبنى على أن الجمهور نسي، ولا على أن الحلفاء السابقين صاروا خصوماً، ولا على أن الخصوم المحتملين أصبحوا أبواباً للعبور، بل على الاعتراف والمراجعة والبرنامج، وعلى القدرة على إقناع الناخب بأن المرشح يطلب صوته من أجل قضية عامة لا من أجل استعادة موقع شخصي.

قد ينجح الفرزلي في فتح أبواب جديدة، وقد يجد في كل مرحلة جهة مستعدة لاستقباله أو الاستماع إليه، وقد يحصل على دعم انتخابي من قوى ترى في ترشحه مصلحة لها. لكن ذلك كله لا يجيب عن السؤال الأساسي: هل يملك مشروعاً سياسياً مستقلاً، أم أنه يملك فقط خبرة طويلة في قراءة موازين القوى والانتقال بينها؟ إن كان لديه مشروع فليعرضه على اللبنانيين بوضوح، وإن كان قد راجع مواقفه فليشرح أسباب المراجعة، وإن كان يريد استعادة مقعده فليقل ماذا سيفعل به، لا من يستطيع أن يؤمّنه له. فالسياسة ليست دفتر زيارات، والتأييد الشعبي ليس ملكية خاصة، والتحالفات ليست بديلاً عن المبدأ، والمقعد النيابي ليس غاية وطنية بحد ذاته. قد يكون الفرزلي بارعاً في نقل الرسائل، لكن الرسالة التي ينتظرها اللبنانيون منه ليست رسالة حليف إلى حليف، بل جواب واضح عن سؤال واحد: ماذا يريد أن يفعل من أجل لبنان؟

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي