بيروت – آيكون نيوز
في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى الولايات المتحدة، لا تُعدّ انتخابات الكونغرس النصفية لعام 2026 مجرد استحقاق داخلي أميركي، بل محطة سياسية مفصلية ستحدد شكل السلطة في واشنطن خلال العامين المقبلين، وتنعكس مباشرة على ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا والعلاقات مع الصين والاقتصاد العالمي. وهي اليوم، أي 3 تشرين الثاني 2026، أول اختبار سياسي واسع للرئيس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، وآخر فرصة أمام الناخب الأميركي لإعادة توزيع أوراق القوة قبل أن تعود المعادلة كلها إلى الطاولة في انتخابات 2028.
ما الذي ينتخبه الأميركيون؟
يشارك الأميركيون في انتخابات نصفية تجدّد كاملُ أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 مقعداً، وتنتخب 35 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب حكام 36 ولاية وعشرات الاستفتاءات والقضايا المحلية في مختلف الولايات. ولا تشمل هذه الانتخابات منصب الرئيس، إذ يبقى ترامب في منصبه حتى كانون الثاني 2029، وهذا بالضبط ما يمنحها قيمتها: فالناخب لا يغيّر الرجل، لكنه يستطيع أن يغيّر الأدوات التي بين يديه.
لماذا تُعدّ هذه الانتخابات مهمة؟
يدخل الجمهوريون الانتخابات وهم يسيطرون على مجلسي الكونغرس: بأغلبية ضئيلة في مجلس النواب بواقع 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، وبأغلبية أكثر راحةً في مجلس الشيوخ بواقع 53 مقعداً مقابل 47. ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب محدودة لاستعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، ما قد يغيّر بالكامل البيئة السياسية التي يعمل فيها البيت الأبيض.
فمجلس النواب هو صاحب الكلمة الأولى في مشاريع الإنفاق والضرائب، وكل تشريع مالي يبدأ من عنده، وهي صلاحية تكفي وحدها لتجميد أجندة أي إدارة. أما مجلس الشيوخ فصاحب التراتيل الأثقل: مصادقة التعيينات القضائية والإدارية، والتصديق على المعاهدات، والكلمة الأخيرة في محاكمات العزل. ولذلك لا يفهم المراقبون هذه الانتخابات مسألةَ مقاعد فحسب، بل سؤالاً مؤسسياً: هل تظل أدوات الدولة كلها بين يدي إدارة واحدة، أم توزّع بين طرفين يراقب كل منهما الآخر؟
اختبار مباشر لشعبية ترامب
تقليدياً، تُعدّ الانتخابات النصفية استفتاءً غير مباشر على أداء الرئيس. وتظهر المعطيات التاريخية أن حزب الرئيس يخسر عادة مقاعد في الكونغرس خلال هذه الدورات، إذ خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب في 18 من أصل 20 انتخابات نصفية منذ عام 1946. ولذلك ينظر كثير من المراقبين إلى انتخابات 2026 بوصفها أول محاكمة شعبية حقيقية لأداء ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، مع أن التاريخ وحده لا يحسم: فقد سبق أن خرقت الإدارات هذه القاعدة، والقاعدة الإحصائية لا تصوّت، بل يصوّت الناخب على فاتورته.
أبرز القضايا التي تحرك الناخب الأميركي
تتصدر عدة ملفات اهتمامات الناخبين. في المقدمة الاقتصاد والتضخم: فما يزال ارتفاع كلفة المعيشة والأسعار أحد أبرز العوامل المؤثرة في توجهات الناخبين، وهو الملف الذي يقيسه المواطن في السوبرماركت ومحطة الوقود قبل أن يقيسه في بيانات حزبية. ويأتي بعده ملف الهجرة وأمن الحدود، الذي يبقى من أكثر القضايا استقطاباً بين الجمهوريين والديمقراطيين. أما السياسة الخارجية، فتنعكس فيها الحروب والأزمات الدولية على المزاج الانتخابي، خصوصاً مع الجدل حول الإنفاق العسكري والدعم الخارجي، في توقيت تنتظر فيه المنطقة قرار واشنطن بشأن استئناف الضربات على إيران أو إتمام التفاهم معها. وتحتل كلفة العلاج والسكن مكاناً متقدماً ضمن أولويات الناخب الأميركي، في بلدٍ تُقاس فيه كلفة الحرب الكبرى أيضاً بفوترة المستشفى والإيجار.
السيناريوهات المحتملة
أولها احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين، وعندها يحصل ترامب على هامش أوسع لتمرير أجندته السياسية والتشريعية خلال ما تبقى من ولايته، وتصبح الإدارة أقل ارتباطاً بالرقابة وأكثر حريةً في القرارات الكبرى، الخارجية منها خصوصاً.
وثانيها فوز الديمقراطيين بأحد المجلسين، وهو السيناريو الأكثر تداولاً بين المراقبين. في هذه الحالة ستصبح قدرة الإدارة على تمرير التشريعات أكثر صعوبة، وتتسع التحقيقات الرقابية والضغوط السياسية على البيت الأبيض، ويعود ما يسميه الأميركيون التوازن المزعج: كونغرس يمسك مقبض الميزانية ويجرّ مسؤولي الإدارة إلى جلسات الاستماع، وإدارة تتحصن بالمفروضات التنفيذية.
وثالثها سيطرة ديمقراطية كاملة على الكونغرس، وهو احتمال أكثر تعقيداً لكنه سيشكل أكبر انتكاسة سياسية للجمهوريين منذ عودة ترامب إلى الحكم. عندها ستنتقل إدارة الولايات المتحدة إلى مرحلة من «الشلل التشريعي» والصراع السياسي المفتوح بين الكونغرس والبيت الأبيض، وقد يصل النزاع إلى استعمال أدوات أكثر حدّة: من مصادقة التعيينات إلى استجواب المسؤولين إلى إيقاف حزم التمويل التي تعتمد عليها الإدارة في الخارج.
أين تدور المعركة الحقيقية؟
تتركز الأنظار، بحسب تقديرات وتقارير انتخابية متعددة، على مجموعة من الولايات المتأرجحة التي قد تحسم الأغلبية في مجلس الشيوخ، بينها تكساس وأوهايو ومين وكارولاينا الشمالية وآيوا وجورجيا وكنساس. وهي ولايات تجمع قواسم مشتركة: اقتصادات تتحسس من التضخم أكثر من غيرها، وناخبون مستقلون يغيّرون انتماءهم من دورة إلى أخرى، وحملات تُدار محلياً بقدر ما تُدار من البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن انتخابات 2026 تتجه لتكون من بين الأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة، مع إنفاق مليارات الدولارات على الحملات والإعلانات الانتخابية. والمبلغ وحده ليس الخبر؛ الخبر أن المال السياسي تُقاس حصته بالأثر لا بالرصيد: فالإعلان الذي يُشترى لا يضمن الصوت، لكنه يضمن أن يسمع الناخب صوتاً واحداً أكثر من غيره، وأن تصير المقنعة التي تُبنى عليها الأغلبية أغلى من الأغلبية نفسها.
ماذا تعني النتائج للشرق الأوسط؟
رغم أن الانتخابات داخلية، فإن نتائجها ستنعكس مباشرة على ملفات المنطقة. فالكونغرس يمتلك دوراً أساسياً في إقرار الميزانيات ومراقبة السياسة الخارجية للإدارة الأميركية، وعنده أدوات لا تمتلكها أي جهة أخرى: الموافقة على بيع الأسلحة، والضوابط الموضوعة على الدعم العسكري للحلفاء، وسقف المساعدات الخارجية، وأولويات الإنفاق الدفاعي، والاستجواب الذي يجري في لجان الرقابة حين يُسأل مسؤول أميركي أمام الكاميرات عن السبب الذي يجعل قصف جنوب لبنان أو غرب آسيا ضرورة أم خطأً.
ومن واقع المنطقة، يمكن قراءة الترتيب كله في سطر واحد: الكونغرس الجمهوري المتوافق مع الإدارة يجعل الحرب والإعفاء والسلاح أسهل مروراً، والكونغرس الديمقراطي الرقيب يجعل كل قرار من هذه القرارات يمر عبر جلسة استماع ووثيقة وضغط داخلي. لا يعني ذلك أن السياسة الخارجية الأميركية ستتبدل، فالإدارة تبقى صاحبة القرار اليومي في العلاقات الخارجية، لكنه يعني أن كلفة كل قرار سترتفع، وأن حسابات الاستمرار ستصبح أطول وأكثر تفتيشاً.
ليست انتخابات 2026 معركة على مقاعد تشريعية فحسب، بل مواجهة على مستقبل التوازن السياسي في واشنطن. الجمهوريون يسعون للحفاظ على سيطرتهم ومنح ترامب عامين إضافيين من القدرة على تنفيذ أجندته، فيما يحاول الديمقراطيون استعادة الكونغرس لفرض ضوابط سياسية وتشريعية على البيت الأبيض. وبين هذين الهدفين، يقف الناخب الأميركي أمام استحقاق قد يحدد ليس فقط شكل الحكم في الولايات المتحدة، بل اتجاه عدد كبير من الملفات الدولية خلال السنوات المقبلة. وبعد فوات التصويت، سيبدأ العد، وسيُعلَم المشهد الجديد خلال ساعات، لكن الذي لا يتغير مهما كانت النتيجة هو أن المنطقة ستظل تقرأ واشنطن من خارج دائرة القرار، وكما تعلمنا جميعاً: الرهان الذي لا نملك أدواته لا يجب أن نضع عليه مصائرنا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :