تجديد ولاية البعثة الأممية يعيد ملف التسوية إلى الواجهة وسط تصاعد الخلاف التركي اليوناني بشأن ليبيا
تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالملف الليبي على المستويين الدولي والإقليمي، في أعقاب قرار مجلس الأمن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عامًا إضافيًا، بالتزامن مع تصاعد الخلاف بين تركيا واليونان بشأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين أنقرة وطرابلس عام 2019، ما يعكس تداخل مسارات التسوية السياسية الداخلية مع حسابات المصالح والنفوذ الإقليمي في شرق البحر المتوسط.
وفي أول تعليق لها على قرار التمديد، أقرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، بتباين مواقف الليبيين إزاء استمرار عمل البعثة، بين مرحب بالدعم الدولي ومتشكك في جدوى الجهود الأممية، على خلفية استمرار الجمود السياسي وتعثر المساعي الرامية إلى إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
وأكدت تيتيه أن البعثة تتابع ردود الفعل على قرار مجلس الأمن، معربة عن تقديرها للدعم الذي تحظى به من الشركاء الدوليين، وفي الوقت ذاته تفهمها للمخاوف المتعلقة ببطء التقدم في العملية السياسية. وشددت على مواصلة دعم مسار شامل يقوده الليبيون، من خلال توسيع المشاورات مع مختلف الأطراف السياسية، والعمل على تطوير آليات الحوار بما يفضي إلى توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
ودعت المبعوثة الأممية القوى السياسية والمؤسسات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ القرارات الصعبة اللازمة لتجاوز المرحلة الانتقالية، معتبرة أن الليبيين انتظروا طويلًا لاستعادة حقهم في اختيار قيادتهم. كما أكدت ضرورة إظهار إرادة سياسية حقيقية وروح من التوافق تترجم الالتزامات المعلنة إلى خطوات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وجاءت تصريحات تيتيه عقب اعتماد مجلس الأمن، في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، القرار رقم 2835 الذي مدد ولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2027، بتأييد 13 عضوًا وامتناع عضوين عن التصويت. ويمنح القرار البعثة غطاءً دوليًا لمواصلة جهود الوساطة، مع التركيز على دعم العملية السياسية وإعادة توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وأعاد القرار تسليط الضوء على اتفاق لجنة الاجتماع المصغر «4+4»، الموقّع في 30 أغسطس/ آب الماضي، باعتباره أساسًا للمفاوضات التي تيسرها البعثة الأممية. ويتناول الاتفاق معالجة القضايا العالقة المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب التوافق على ترتيبات السلطة التنفيذية التي ستشرف على الاستحقاقات المقبلة.
وتضم اللجنة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد، في محاولة لتقريب مواقف المؤسسات المتنافسة بشأن القضايا التي حالت دون استكمال الانتقال السياسي. غير أن تنفيذ التفاهمات لا يزال مرتبطًا بمدى قبولها من الأطراف الأخرى، وقدرة المشاركين على تحويل الاتفاقات إلى إجراءات عملية. ويأتي تجديد التفويض الأممي في وقت تواجه فيه العملية السياسية تحديات متراكمة منذ تعذر إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر/ كانون الأول 2021، وسط استمرار الانقسام المؤسسي والخلاف على القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة موحدة. ورغم تعدد المبادرات والحوارات، لم تنجح الأطراف الليبية حتى الآن في التوصل إلى تسوية شاملة تنهي المرحلة الانتقالية.
وفي موازاة هذه التطورات، عاد الخلاف بشأن الاتفاقية البحرية الليبية التركية إلى واجهة النقاش الدولي، بعدما شهد مجلس الأمن تبادلًا للاتهامات بين ممثلي أنقرة وأثينا، إثر انتقاد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس مذكرة التفاهم البحرية الموقّعة عام 2019، واعتبارها مخالفة لقواعد القانون الدولي للبحار.
ودافع المندوب التركي لدى الأمم المتحدة، أحمد يلدز، عن الاتفاقية، مؤكدًا استمرار سريانها، ومعتبرًا أن مجلس الأمن ليس الجهة القضائية المختصة بالفصل في نزاعات ترسيم الحدود البحرية. كما شدد على أن الخرائط التي تعرضها الأطراف المتنازعة تعكس مطالبها القانونية والسياسية، ولا تمثل بمفردها أساسًا لحسم النزاع.
وأشار المسؤول التركي إلى أن التحركات البرلمانية الأخيرة في ليبيا تعكس، من وجهة نظر أنقرة، دعمًا داخليًا للاتفاقية، مؤكدًا أن بلاده لا تنكر السيادة اليونانية على جُزرها، لكنها تختلف مع أثينا بشأن تأثير هذه الجُزر في تحديد مناطق الاختصاص البحري. في المقابل، جددت اليونان رفضها الاتفاقية، معتبرة أنها تتجاهل الحقوق البحرية للجُزر اليونانية وتتعارض مع الجغرافيا والقانون الدولي. وأكد ميتسوتاكيس أن أي اتفاق بين دولتين لا يمكن أن ينتقص من الحقوق السيادية لدولة ثالثة، داعيًا إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع ليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية.
ويكتسب الخلاف أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباطه بمشروعات الطاقة واستكشاف الغاز وخطط الربط الكهربائي في شرق المتوسط، حيث تتقاطع المطالب البحرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لعدد من الدول. كما يجعل استمرار الانقسام السياسي الليبي المواقف المتعلقة بالاتفاقيات الدولية موضع خلاف داخلي وخارجي.
وتكشف هذه التطورات عن مسارين متوازيين يواجهان ليبيا؛ أولهما داخلي يتعلق بإنهاء الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسات، وثانيهما إقليمي يرتبط بتنافس القوى المحيطة على المصالح البحرية والاقتصادية. ورغم اختلاف طبيعة الملفين، فإن استمرار ضعف المؤسسات الموحدة يزيد تعقيد قدرة الدولة الليبية على إدارة خلافاتها الخارجية من موقع سياسي متماسك.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة البعثة الأممية على استثمار التفويض الدولي الجديد لدفع الأطراف الليبية نحو تفاهمات قابلة للتنفيذ، في وقت يتطلب فيه تصاعد التنافس الإقليمي توافقًا داخليًا أوسع بشأن المصالح الوطنية. ويبقى التحدي الأساسي في الانتقال من تجديد المبادرات والالتزامات السياسية إلى تحقيق تقدم فعلي ينهي الانقسام ويفتح الطريق أمام انتخابات طال انتظارها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي