من الجنوب إلى هرمز… المنطقة تحت ضغط السلاح والانتخابات: أين تقف فرص التسوية؟

من الجنوب إلى هرمز… المنطقة تحت ضغط السلاح والانتخابات: أين تقف فرص التسوية؟

 

بيروت – آيكون نيوز | قراءة تحليلية في معطيات صباح 2 تشرين الثاني 2026

تدخل المنطقة أسبوعاً بالغ الحساسية، تتزامن فيه الوساطة بين واشنطن وطهران مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وغزة، والتوتر في الخليج والبحر الأحمر، وانتظار انتخابات التجديد النصفي الأميركية غداً الثلاثاء. وبين هذه الملفات تتشكل معادلة ضاغطة: قنوات التفاوض مفتوحة، لكن الأطراف لم تتفق بعد على شروط الانتقال من إدارة المواجهة إلى إنهائها. وهذه هي عقدة المرحلة لا وصفها: منطقةٌ تعرف طريقاً واحداً إلى الحرب، وتراهن جميعها على أن الآخر سيفسح الطريق إلى التسوية.

القراءة التي تدعمها المعطيات المتاحة هي أن المنطقة تواجه مرحلة مساومات تحت التهديد، يصعب معها الاطمئنان إلى تسوية قريبة أو الجزم بحرب شاملة. فالوساطات قائمة، فيما تستمر العمليات العسكرية والحوادث البحرية التي تستطيع، في أي لحظة، تضييق هامش الدبلوماسية. وفي تاريخ المنطقة، كانت لحظات هذا النوع لحظات مفصلية: إما أن يُحوّل الوسطاء هامش الوساطة إلى اتفاق، وإما أن تلتهم موجةُ واحدة من التهور ما بني أسابيع.

الجنوب: التفاوض من دون ضمانة، والانسحاب من دون رقيب

في لبنان، يتجسد هذا التناقض بوضوح. محادثات تامبا العسكرية في 20 و21 تشرين الأول انتهت من دون اختراق معلن، وبقي الخلاف قائماً حول التحقق من الترتيبات الأمنية، والانسحاب الإسرائيلي، وربط إسرائيل تحركاتها بإجراءات متعلقة بسلاح حزب الله. وبذلك، لم يتحول استمرار التفاوض إلى ضمانة لوقف الاعتداءات أو إطلاق مسار واضح لعودة الأهالي.

وتتمثل المعضلة اللبنانية في أن إسرائيل تستطيع استخدام استمرار العمليات لفرض شروط إضافية، بينما تطالب الدولة بأن يقود التفاوض إلى الانسحاب وتحرير الأسرى وعودة النازحين وإعادة الإعمار. وقد أعاد الرئيس جوزيف عون تحديد هذه الأهداف في مواقفه المنشورة خلال الأسبوع الماضي. أما الخلاف الداخلي حول وسائل تحقيقها، فيُضعف قدرة لبنان على تثبيت موقف تفاوضي متماسك إذا تحوّل إلى صراع على شرعية المؤسسات أو على تعريف السيادة نفسها. وهنا يلتقي الخطران: عدوٌّ يبيع اللبنانيين الاستقرار بثمن يحدده هو، ونقاشٌ داخلي يفتح النافذة التي يعبر منها.

ويبرز أمام لبنان استحقاق يتجاوز يوميات القصف: مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. فالقرار 2790 ينص على انتهاء عمليات اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، ثم بدء خفض عددها وانسحابها بصورة منظمة خلال سنة. وهذا تمييز أساسي: نهاية المهمة لا تعني خروج جميع القوات في اليوم نفسه. وفي 27 تشرين الأول، أعلن عون رغبة لبنان في استمرار مهمة قوة اليونيفيل المؤقتة، والانفتاح على قوة أوروبية بديلة بالتعاون مع الأمم المتحدة إذا تعذر التمديد. ويحمل هذا الملف اختباراً لسيادة ما تزال مستعارة: فمن يراقب الحدود حين لا يكون هناك رقيب؟ وهو سؤال ستجيب عنه القرارات الدولية خلال أسابيع، لا التصريحات. فالحديث عن بدائل دولية يبقى توجهاً دبلوماسياً إلى أن تصدر قرارات واضحة بشأن التفويض والمشاركة والتمويل.

داخلياً، لا يستطيع لبنان فصل الأمن عن التعافي الاقتصادي. وقد حدد صندوق النقد الدولي، في إحاطته الرسمية في الأول من تشرين الأول، متطلبات للتقدم نحو اتفاق على مستوى الخبراء، تشمل نفاذ قانون معالجة أوضاع المصارف، وتشريعاً مناسباً للفجوة المالية، وموازنة 2027 وإطاراً مالياً متسقاً مع استدامة الدين. وهي متطلبات معلنة في ذلك التاريخ، وليست إعلاناً عن إنجاز برنامج تمويلي.

والاستنتاج هنا أن انتظار التسوية الإقليمية لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها. استمرار الحرب يعوق الاستثمار والإعمار، لكن تأخير إصلاح المصارف وتوضيح حقوق المودعين وآليات تمويل التعافي يزيد هشاشة البلاد حتى لو تراجعت العمليات العسكرية. كما أن إعلان مشاريع تعاون، ومنها مباحثات الكهرباء مع قطر، يحتاج إلى انتقال موثق من التفاهمات إلى التنفيذ قبل احتسابه إنجازاً ملموساً. فاللبناني الذي دفع ثمن أزمات لا يحصيها لا يقرأ في الخارجيات، بل يقرأ في الفاتورة وفي الموقع المصرفي وفي قاعة الصف الدامضة.

هرمز وطهران: تفاوض تديره الرسائل… وخنق يديره الأسطول

على المستوى الإقليمي، تبقى العلاقة الأميركية الإيرانية الملف الأكثر قدرة على تغيير اتجاه المشهد. ففي الأول من تشرين الثاني، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استمرار المشاورات مع الوسطاء القطريين بشأن خطة تنفيذية مختصرة إلى يومين، لكنه أوضح أنها لم تصل إلى نتيجة نهائية، وأن الزيارة الإيرانية إلى الدوحة لم تتضمن ترتيباً لمفاوضات مباشرة مع الأميركيين.

ويكشف الخلاف حول ترتيب الخطوات حجم صعوبة الوساطة: واشنطن تريد إدخال الملف النووي في بداية المسار، بينما تطالب طهران أولاً برفع الحصار عن موانئها والعقوبات على صادراتها النفطية. لذلك، فإن أي تقدم في الصياغات لا يساوي اتفاقاً قبل تحديد الالتزامات المتبادلة، وتوقيت تنفيذها، وآلية التحقق منها. وهذه ليست تفاصيل إجرائية؛ فالفرق بين اتفاق يوقّع واتفاق ينفّذ هو الفرق ذاته بين الهدوء والحرب في الملفات الكبرى.

وتواجه دول الخليج هذه الأزمة من موقع شديد الحساسية، لأنها معنية بأمنها المباشر وباستمرار تدفق الطاقة والتجارة. وقد أدانت الخارجية القطرية، في بيان رسمي في الأول من تشرين الثاني، الهجوم على ناقلة الغاز «المايده»، وأعلنت بدء تحقيق لتحديد المسؤولين. ولم يسمِّ البيان جهة منفذة؛ وعليه، فإن إسناد الهجوم إلى طرف بعينه يسبق النتائج المعلنة. سياسياً، يوضح الحادث أن استمرار الوساطة لا يحمي وحده السفن والمنشآت. واقتصادياً، فإن تكرار هذه الحوادث قد يرفع كلفة التأمين والنقل ويؤثر في انتظام الإمدادات، حتى من دون إعلان إغلاق شامل للممرات البحرية. ومضيق هرمز لم يصبح ممراً تجارياً فحسب، بل صار لوحة القياس التي يُقرأ فيها صمود كل تفاهم: كل ضربة قرب الممر تقول للطرفين إن كلماتهما لم تصنع ضمانة بعد.

اليمن والبحر الأحمر: جبهة تحكمها الروايات

وفي اليمن والبحر الأحمر، تتسع مساحة الخطر. نقلت وكالة شينخوا عن الحوثيين مساء الأول من تشرين الثاني قولهم إن غارات سعودية استهدفت سفينتين في ميناء رأس عيسى، لكنها أكدت تعذر التحقق المستقل من الرواية وعدم صدور تعليق سعودي فوري بشأنها. لذلك يجب التعامل مع تفاصيل الاستهداف والجهة المنفذة بوصفها رواية منسوبة، لا وقائع محسومة. والبحر الأحمر يواصل عاداته في هذا النزاع: المواقع تصنع رواياتها، والمياه تحمل الحقيقة التي لا يعرف أحد متى تصل إلى الشاطئ.

بالنسبة إلى المنطقة، تكمن الخطورة في احتمال تراكم الضغوط على الخليج والبحر الأحمر بالتزامن. لكن تشابك هذه الجبهات لا يثبت أنها تتحرك جميعاً بأوامر عملياتية موحدة، ولا يسمح بافتراض أن تفاهم واشنطن وطهران سيوقف تلقائياً كل مواجهة محلية.

غزة: قياس صلابة أي هدنة

أما في إسرائيل، فقد أفرزت الانتخابات تعقيداً إضافياً. أظهرت النتائج المتداولة غياب أغلبية تتيح تشكيل حكومة بسهولة، مع بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف أعمال واستمرار البحث عن تحالف. ولا يكفي هذا التعثر لاستنتاج قرب اعتدال السياسة الإسرائيلية، كما لا يثبت وحده أن القيادة ستختار التصعيد العسكري للهروب من أزمتها. كلا الاحتمالين يحتاج إلى قرائن عملية.

وتبقى غزة اختباراً لمدى صلابة أي تهدئة إقليمية. فقد وثقت وكالة أسوشيتد برس، نقلاً عن مستشفى ناصر ومستشفى الشفاء، مقتل ثمانية أشخاص، بينهم طفل، في ضربات الأول من تشرين الثاني، بينما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه استهدف مسلحين. استمرار سقوط الضحايا يوضح أن وجود ترتيبات لوقف النار لا يكفي من دون التزام ميداني وحماية فعلية للمدنيين. فغزة لا تُقاس بالبيانات المعلنة، بل بعدد الأطفال الذين يعدلون جدران بيوتهم المهدّمة، وبعده ستعرف المنطقة إن كانت الهدنة حقيقة أو عنواناً.

واشنطن وأوروبا: الاقتراع لا يصنع السياسة وحده

دولياً، تأتي الانتخابات الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني في توقيت يجعل كلفة الحرب والأسعار جزءاً من البيئة السياسية المحيطة بقرارات واشنطن. لكن نتيجة الاقتراع لا تنتج تلقائياً قراراً بالتصعيد أو التسوية؛ فهي تؤثر في توازن الكونغرس والتمويل والرقابة، بينما تبقى للإدارة أدوات واسعة في السياسة الخارجية. لذلك سيكون الأهم مراقبة القرارات التي تلي الانتخابات، لا بناء توقعات حتمية على فوز هذا الحزب أو ذاك.

وفي أوروبا، تتداخل الضغوط العسكرية والمعيشية. ففي الأول من تشرين الثاني، أعلنت أوكرانيا تضرر منشآت طاقة وانقطاع الكهرباء عن مئات آلاف الأسر، فيما أعلنت سلطات روسية أضراراً بمنشأة صناعية جراء هجوم أوكراني. وبالتوازي، شهدت فرنسا احتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات، تخللت نهايات بعضها اشتباكات. وهما مساران مختلفان، لكنهما يزيدان الأعباء التي تواجه الحكومات الأوروبية.

ولا يوفر الاقتصاد العالمي هامشاً واسعاً لامتصاص صدمات جديدة. فتوقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في تشرين الأول تضع النمو العالمي عند 3.1 بالمئة في 2026، والتضخم عند 4.7 بالمئة، مع مخاطر من تصاعد النزاعات والتوترات التجارية. وهذه توقعات مبنية على معلومات حتى الأول من تشرين الأول، وليست حصيلة نهائية للعام.

إلى أين تتجه المنطقة؟ تقديرنا التحريري، استناداً إلى هذه المعطيات، أن المرحلة القريبة ستبقى محكومة بالتفاوض تحت الضغط، مع ثلاثة مسارات محتملة:

تفاهم محدود قابل للتوسع: يبدأ بخطوات متبادلة تخص الملاحة والعقوبات، ثم يفتح مفاوضات أصعب. نجاحه يُقاس بالتنفيذ وتراجع الهجمات، ولا يضمن وحده تسوية الملفات اللبنانية والفلسطينية واليمنية.

استمرار الاستنزاف: تتواصل الوساطة والضربات المتقطعة معاً، من دون اتفاق شامل أو حرب أوسع. وهو مسار يطيل النزوح ويؤخر الإعمار ويستنزف الاقتصادات، وأكثر المسارات ضرراً بالمدنيين لأنه لا يجعل الخطر واضحاً ولا الطمأنينة ممكنة.

توسع المواجهة: قد ينشأ عن انهيار الوساطة أو ضربة كبيرة أو سوء تقدير في البحر أو البر. وهو خطر قائم، لكن المعطيات المتاحة لا تسمح باعتباره نتيجة حتمية.

وستكشف الاتجاه الفعلي خمسة مؤشرات: إعلان التزامات أميركية إيرانية قابلة للتحقق، انتظام الملاحة، تغير وتيرة الاعتداءات على لبنان وغزة، القرارات المتعلقة بمستقبل اليونيفيل، وطبيعة التحرك الأميركي بعد الانتخابات.

بالنسبة إلى لبنان، يقتضي ذلك تحركاً متزامناً: تثبيت حقوقه في الانسحاب وعودة الأهالي، دعم الجيش وتأمين المراقبة الدولية، وإنجاز قرارات التعافي التي تقع ضمن صلاحيات مؤسساته. وكل تأخير داخلي يضيف عبئاً لبنانياً إلى ضغوط إقليمية لا تملك بيروت وحدها توقيتها أو نتائجها.

فمن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن الجنوب اللبناني إلى عتبات أوروبا، تواجه المنطقة أسبوعاً يختبر معاناة كل خيار. ولن يقرر هذا الأسبوع مصير المنطقة وحده، لكنه سيحدد إن كان التفاوض تحت الضغط طريقاً إلى إدارة المواجهة، أم طريقاً إلى إنهائها. وهو فرق الجمل الذي لا يساوي معه أي اتفاق، وحياة أرخص وتكاليف أثقل عند اختياره إلى الأسوأ.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي