لم تعد المواجهة بين السعودية وجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية الطويلة. فالتطورات العسكرية المتسارعة خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري تشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى أكثر اتساعاً، مع دخول المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية في دائرة الاستهداف، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إقليمية لم تنجح حتى الآن في وقف التصعيد.
المشهد الحالي يطرح سؤالاً أساسياً: هل قررت الرياض العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة، أم أنها تحاول فرض معادلة ردع جديدة تمنع الحوثيين من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مصدر تهديد دائم للأمن السعودي؟
من الهدنة إلى المواجهة المفتوحة
الاتفاق الذي أوقف — إلى حد كبير — المواجهات العابرة للحدود منذ عام 2022 لم يعد يشكل مظلة فعلية لاحتواء الصراع. فمنذ منتصف عام 2026، عادت الاشتباكات على جبهات يمنية متعددة، وحققت قوات الحوثيين تقدمًا في مناطق ساحلية استراتيجية على البحر الأحمر، مما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بالملاحة ومضيق باب المندب.
وخلال الأيام الأخيرة، أعلنت قيادة التحالف اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة قالت إنها أُطلقت باتجاه مناطق سعودية، فيما أعلن الحوثيون تنفيذ عمليات ضد مطارات ومنشآت نفطية داخل المملكة.
والأخطر أن المواجهة لم تعد محصورة في تبادل الرسائل العسكرية؛ إذ أعلنت قيادة التحالف في 26 تشرين الأول/أكتوبر تنفيذ ضربات داخل اليمن استهدفت — وفق بيانها — خمسة أنفاق لتخزين الصواريخ الباليستية، وأربع منصات إطلاق، ومستودعاً للصواريخ، إضافة إلى خطوط إمداد وتحصينات عسكرية.
هذه المعطيات تعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى عمليات عسكرية تستهدف القدرات التي تقول الرياض إنها تشكل تهديداً مباشراً لأمنها.
الرياض بين كلفة الحرب ومخاطر التراجع
تواجه السعودية معادلة معقدة؛ فالاستمرار في تلقي الضربات على المطارات والمنشآت النفطية يفرض عليها إظهار قدرتها على حماية أراضيها ومصالحها الاقتصادية، لكن الانخراط في حرب واسعة داخل اليمن يحمل مخاطر عسكرية واقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
فضلاً عن أن التجربة الممتدة منذ عام 2015 أثبتت أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لإنهاء نفوذ الحوثيين أو فرض تسوية سياسية مستقرة.
لذلك، فإن أي قرار سعودي بتوسيع العمليات لن يكون مجرد رد فعل على هجوم بعينه، بل سيعني إعادة تقييم شاملة لطبيعة الحرب وأهدافها وحدودها.
إيران في قلب الحسابات
لا يمكن قراءة التصعيد بمعزل عن العلاقة بين الرياض وطهران. فالحوثيون يمثلون طرفاً يمنياً يمتلك قراراً وقدرات عسكرية وشبكة مصالح داخلية، وفي الوقت نفسه ترتبط الجماعة بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع إيران.
ومن هنا، يصبح السؤال المتعلق بمدى قدرة طهران على التأثير في مسار التصعيد محورياً في أي محاولة لوقف المواجهة.
وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر، اجتمع مسؤولون سعوديون وإيرانيون وأتراك وباكستانيون في طهران، واتفقوا على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون والأمن الإقليميين. غير أن استمرار الهجمات بعد هذه الاجتماعات يكشف أن فتح قنوات الاتصال لم يتحول بعد إلى تفاهم ميداني.
المفارقة أن الدبلوماسية تتحرك في اتجاه خفض التوتر، فيما تتواصل العمليات العسكرية على الأرض.
باب المندب... الجبهة التي تقلق العالم
تكمن أهمية اليمن في موقعه الجغرافي، وليس فقط في طبيعة الصراع الداخلي. فالساحل الغربي اليمني يطل على البحر الأحمر، فيما يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية.
وأي توسع عسكري في هذه المنطقة قد ينعكس على حركة السفن، وكلفة التأمين والشحن، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن حسابات الدول المطلة على البحر الأحمر.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن المسألة تتجاوز حماية الحدود والمنشآت النفطية إلى ضمان أمن طرق تصدير الطاقة والممرات البحرية المرتبطة بمصالحها الاستراتيجية.
مصر وباكستان وتركيا... هل تتشكل مظلة إقليمية؟
من المؤشرات اللافتة دخول أطراف إقليمية إضافية على خط الأزمة. فقد أعلنت مصر في 18 تشرين الأول/أكتوبر استعدادها لتقديم أشكال الدعم الممكنة للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، فيما شاركت باكستان وتركيا في الاتصالات الرباعية التي استضافتها طهران.
هذه التحركات لا تعني بالضرورة تشكل تحالف عسكري جديد، لكنها تكشف أن أمن السعودية واليمن والبحر الأحمر بات جزءاً من حسابات إقليمية أوسع.
كما أن أي انخراط عسكري مباشر لدول إضافية سيغير طبيعة المواجهة، ويرفع مخاطر انتقالها إلى نطاق يتجاوز الساحة اليمنية.
الكارثة اليمنية... الخاسر الذي لا يظهر في الحسابات العسكرية
وسط هذه الحسابات، يدفع اليمنيون الثمن الأكبر. فقد أفادت الأمم المتحدة في 29 تشرين الأول/أكتوبر بأن المعارك قرب تعز أدت إلى نزوح أكثر من 281 ألف شخص منذ بداية آب/أغسطس، مع تفاقم القيود الإنسانية والحصار وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وهذا يعني أن عودة الحرب لا تهدد فقط التوازنات الإقليمية، بل تعيد المجتمع اليمني إلى دائرة أكثر قسوة من النزوح والفقر وانهيار الخدمات.
الخلاصة: هل اقتربت لحظة الحسم؟
حتى 30 تشرين الأول/أكتوبر، لا توجد مؤشرات كافية للجزم بأن السعودية اتخذت قراراً بحرب برية شاملة، لكن الوقائع العسكرية تشير إلى أن مرحلة الهدوء النسبي انتهت، وأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد قائمة.
الاختبار الحقيقي سيكون في ثلاثة اتجاهات: مدى استمرار الضربات الحوثية على العمق السعودي، وحجم الرد العسكري السعودي داخل اليمن، وقدرة إيران والوسطاء الإقليميين على تحويل الاتصالات السياسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
أما باب المندب، فيبقى نقطة الاختبار الأخطر؛ لأن انتقال المواجهة إليه سيحول الأزمة اليمنية من نزاع إقليمي شديد الخطورة إلى تهديد مباشر لحركة التجارة والطاقة العالمية.
المسألة لم تعد فقط من يملك القدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل من يستطيع فرض معادلة أمنية قابلة للاستمرار، من دون إشعال حرب جديدة يصعب على المنطقة احتواء نتائجها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :