الرياض تحاور طهران… وحلفاؤها في لبنان أسرى القطيعة

  الرياض تحاور طهران… وحلفاؤها في لبنان أسرى القطيعة


افتتاحية
ICON NEWS

 

من بيروت التي تتنازعها الأولويات إلى الجنوب الذي يواجه الاحتلال والاعتداء، يبقى لبنان معلّقًا بين انتظار الخارج واستنزاف الداخل. الأنظار مشدودة إلى الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وإلى الاتصالات الأميركية–الإيرانية، وإلى احتمالات التصعيد والتهدئة، فيما لا يحتاج اللبنانيون إلى أكثر من سلطة تحمي أرضهم وتعيد بناء حياتهم. متابعة التحوّلات الإقليمية ضرورة، لكن تحويل الانتظار إلى سياسة وطنية يمنح الاحتلال فرصة تثبيت وقائعه على الأرض. معيارنا تجاه أي حكومة إسرائيلية ثابت لا يتغير بانتظال الأسماء: انسحاب من أرضنا، ووقف للعدوان، وعودة أهلنا إلى بيوتهم. أما تكسّب الائتلافات في تل أبيب، فلا يشكّل بحد ذاته ضمانة تستحق أن تُعلَّق عليها أرواحنا ومصيرنا.

وسط هذا المشهد، برزت زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى طهران، وفي خلفيتها حضور قائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية في لقاءات مع القيادة الإيرانية. حضور بهذا الوزن الأمني والعسكري يحمل دلالة واحدة واضحة: الرياض تدرك أن حماية مصالحها تمر عبر التفاوض مع طهران، مهما بلغ الخلاف بينهما. فالمملكة، بدهاءتها المعروفة، تضبط حساباتها وهي محسوبة.

ولكن هنا يستحق المشهد اللبناني وقفة، ولو ساخرة. فبينما تفتح المملكة أبواب الحوار، يجد بعض حلفائها في بيروت أنفسهم فجأة أيتام خطابهم. هؤلاء الذين جعلوا من القطيعة مع طهران عقيدة سياسية، وذابحًا لها كل أجندة داخلية، أصبحوا أمام معضلة لا يهيّأ لأحد أن يلفّها: إمّا أن يستنكروا ما فعلته الرياض، وإمّا أن يعترفوا بأن الحوار دبلوماسية لا خيانة. لطالما صوّروا أي تفاهم لبناني مع طهران بوصفه تنازلًا عن السيادة، وتوقّعنا أن يعلمونا كيف يتحوّل التنازل إلى براعة عندما يجلس السعوديون إلى الطاولة. لعله من خصائص ذلك الصنف السياسي، الذي يحمل المبادئ في حقيبة سفره، فلا يستعملها إلا إذا صادفت جواز الرياض. والتسويات التي تبيحها الدول الكبرى لنفسها، كانت لديهم محرّمة على اللبنانيين وحدهم. لسنا بمعرضة عن الاستغراب، فالاستغراب شكل من أشكال الترف لا يغتال عليه الدخل السياسي.

لا تدلّ الزيارة على أن الرياض تخلت عن حلفائها، ولا تعني أن خلافاتها مع إيران انتهت. لكنها تضع خطاب هؤلاء أمام تناقض يصعب على أمهر المدافعين عنه تجاوزه: كيف يصير الحوار ضرورة لحماية الأمن السعودي، ويُصوَّر التفاهم اللبناني باعتباره خروجًا على الوطنية؟ ومن يقبل جلوس الرياض وطهران إلى مائدة واحدة، عليه أن يجد على الأقل مرآة يجري فيها تفسير رفضه جلوس اللبنانيين لمعالجة خلافاتهم.

وعلى خطّ واشنطن وطهران، تتجاور بدورها محاولات التفاوض مع التهديد بالقوة. فالتقارير عن رسالة وجّهها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى محسن رضائي، بتكليف من دونالد ترامب، تشير إلى البحث عن منفذ سياسي، من دون أن تؤكد نضوج تسوية أو سقوط احتمال التصعيد. واستمرار البحث عن اتفاق يكشف أن الضغط العسكري لم يُلغِ الحاجة إلى التفاوض، وأن إعادة رسم ترتيبات المنطقة دون إيران ليست متاحة لمن ظنّ ذلك.

أما لبنان، فلا تُقاس قيمة أي تفاهم إقليمي بمراسمه وبياناته، وإنما بنتائجه: وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، وعودة النازحين، وفتح طريق الإعمار. والاستفادة من علاقات إيران ووزنها، أو من الدور السعودي والوساطات الأخرى، تستدعي موقفًا لبنانيًا واضحًا يحفظ الحقوق: لا تُعلَّق هذه الحقوق حتى اكتمال صفقة، ولا تُقدَّم تنازلات مسبقة مقابل وعود مؤجّلة.

وفي اليمن، يذكّر التصعيد حول مطار عدن بأن التهدئة تحتاج إلى معالجة أسباب النزاع وساحاته. فقد دعا الحوثيون إلى إخلاء المطار، متحدثين عن وجود طائرة شحن عسكرية سعودية، بالتزامن مع تقارير عن استهداف المطار ومحيطه. وأيًا كانت الحسابات العسكرية، تبقى حماية المدنيين والمرافق التي تخدمهم واجبًا، ويبقى تجديد الحرب خطرًا على اليمن والسعودية والمنطقة. وللرياض مصلحة في وقف الاستنزاف، ولليمنيين حق في الأمن والتعافي وتسوية تحفظ قرارهم ومستقبلهم.

هذا الحراك يضاعف مسؤولية القوى اللبنانية. فالدول تعيد حساباتها وتفاوض لحماية مصالحها، بينما يغرق الداخل في معارك كسر الإرادات، وكأن الشرف الوطني يُقاس بعدد الجلسات المقاطعة. والخلاف حول السلاح يحتاج إلى حوار جدي يتناول استمرار الاحتلال، ودور الجيش، والقدرات الدفاعية، وقرار الحرب والسلم. حقّ مقاومة الاحتلال يستلزم مسؤولية وطنية، ومشروع الدولة يستلزم قدرة فعلية على حماية الأرض والناس. وتحتاج الملفات القضائية إلى تحقيق مستقل ومحاسبة بعيدًا عن الضغط والمقايضة؛ فمقاطعة جلسة حكومية مخصصة للنفايات، على خلفية المطالبة بإحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، تكشف مأزقًا في ترتيب الأولويات، والخدمات والتحقيقات مسؤوليتان متلازمتان لا يعطيل إحداهما معالجة الأخرى.

أما الحكومة، فعليها أن تمنح مشروع الدولة مضمونه الملموس: دعم الجيش، وإيواء المتضررين، والتعويض والإعمار، والكهرباء والإنتاج وفرص العمل. لا يستطيع أهل الجنوب العيش على التضامن، ولا يستطيع الاقتصاد النهوض بالتعهّدات. فالثقة تُبنى بقرارات ممولة ونتائج يمكن قياسها، لا بالخطابات.

المشهد الآتي من طهران يستحق أن يُقرأ جيدًا في بيروت. حين تتحرك الرياض للحوار، وتبحث واشنطن عن قناة تفاوض، يصير إصرار بعض اللبنانيين على إقفال أبواب التفاهم عبئًا على بلدهم لا على خصومهم. المطلوب أن يلتقي اللبنانيون على برنامج يحمي الجنوب، ويقوي الجيش، ويعيد الناس إلى بيوتهم، ويلزم السلطة بواجباتها. فلبنان دفع ما يكفي من أثمان الانتظار والانقسام، وأهله يستحقون سياسة تعمل من أجل حياتهم، لا خطابًا يجعل من عواصم الآخرين مرجعه الوحيد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي