أفرزت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي جرت في اليوم الثلاثاء 27 تشرين الأول مشهداً سياسياً معقداً، بعدما أظهرت نتائج الفرز تقدّم المعسكر المحيط برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من دون أن يتمكن من تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، في وقت سجّلت فيه المشاركة نسبة بلغت 77.7 بالمئة، وهي الأعلى منذ نحو ربع قرن، بعد أن أدلى نحو 5.7 مليون ناخب من أصل 7.3 ملايين لهم حق الاقتراع، وسجّلت فيه الأحزاب العربية حضوراً برلمانياً غير مسبوق وفق الأرقام المتداولة خلال الفرز.
وقد فرزت لجنة الانتخابات كامل الأصوات العادية حتى مساء اليوم الأربعاء، إذ أظهرت بياناتها حصول الكتلة الداعمة لنتنياهو على 53 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر المعارض بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، فيما حصدت القائمتان العربيتان مجتمعتين نحو 19 مقعداً، مشتركة بنحو 12 مقعداً وموحدة بنحو 7 مقاعد. وتظل النتائج غير نهائية بانتظار فرز نحو 600 ألف صوت إضافي محفوظ في المظاريف المزدوجة، تشمل أصوات الجنود والعاملين في الممثليات الإسرائيلية في الخارج، على أن تُعلن النتائج الرسمية النهائية في موعد أقصاه الرابع من تشرين الثاني.
نتنياهو في المقدمة… لكن الطريق إلى الحكومة غير محسوم
وتحتاج أي حكومة إلى دعم 61 نائباً على الأقل، ما يعني أن الأرقام الحالية لا تمنح أياً من المعسكرين أغلبية مستقلة، وأن التقدم في عدد المقاعد لا يساوي بالضرورة القدرة على تشكيل حكومة. فنتنياهو يحتاج إلى توسيع قاعدة دعمه أو التوصل إلى تسوية مع أطراف أخرى، فيما تواجه المعارضة تحدياً مماثلاً يتمثل في جمع قوى متباينة حول مشروع حكومي مشترك.
وتبقى العقدة الأساسية في قدرة كل معسكر على تحويل مقاعده إلى تحالف قابل للحياة، إذ لا يكفي تصدّر النتائج لضمان الحكم، وقد يتراجع رفض التحالفات المعلن قبل الانتخابات تحت ضغط الحاجة إلى أغلبية برلمانية، بما يفرض على الخصوم مراجعة حساباتهم.
وتضيف بقايا الفرز عنصر عدم اليقين إلى المشهد كله، إذ يمكن لهذه الأصوات أن تعدّل توزيع المقاعد، خصوصاً مع حصول قائمة إضافية على نسبة تقارب 2.7 بالمئة من دون بلوغ عتبة الحسم البالغة 3.25 بالمئة، ومع احتمال انتقال مقاعد بين الأحزاب المتقاربة في حصيلتها.
وحين جرى الاقتراع كانت التوقعات تحكي عن سباق محتدم: إذ ترجحت استطلاعات ما قبل حظر النشر كفة المعارضة بفارق ضيّق، ثم انقلبت الكفة بعد فرز نحو ثلثي الأصوات لصالح كتلة الليكود، قبل أن تستقر عند المعادلة الحالية التي تميل إلى نتنياهو بفارق خمسة مقاعد لا تكفي وحدها ولا تكفي خصمه. وكانت الأصوات قد صوّتت على 36 قائمة تتنافس على 120 مقعداً.
سبع تشرين الأول والحرب… اختبار لم ينتهِ
جرت الانتخابات في ظل استمرار تداعيات هجوم السابع من تشرين الأول عام 2023، والحرب التي تلته، والجدل الداخلي بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي. وكان هذا أول استحقاق انتخابي يجري منذ تلك الحدث التي شكّلت صدمة واسعة داخل الكيان.
وقدّم نتنياهو العمليات العسكرية ومواجهة التهديدات الإقليمية في صلب خطابه السياسي، فيما ركّز خصومه على المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية وضرورة تغيير القيادة. غير أن النتائج لا تسمح بالقول إن الناخب الإسرائيلي منح تفويضاً موحداً لأي من هذين الاتجاهين؛ فالمشهد يعكس تبايناً بين من يضع الأمن والردع في مقدمة أولوياته، ومن يطالب بمحاسبة سياسية وتغيير في إدارة الدولة.
وهذا التباين نفسه هو ما يجعل النتائج أقرب إلى قرار تأجيل لا إلى حسم: فبقاء نتنياهو في موقع متقدم لا يعني انتهاء الأزمة السياسية التي تواجهه، ولا يعني براءته من سؤال المسؤولية عن سبع تشرين الأول؛ وعدم حسمه الأغلبية لا يعني أن المعارضة باتت قادرة تلقائياً على تشكيل حكومة بديلة.
الأحزاب العربية… ثِقل برلماني ومأزق سياسي
شكّل حصول القائمتين العربيتين على نحو 19 مقعداً من أبرز مفاجآت النتائج، وهو رقم قياسي يعكس تصاعد الحضور العربي في المؤسسة الانتخابية للكيان، ويمنح هذه القوائم ثقلاً حسابياً في معادلة تشكيل الحكومة، لكنه لا يضمن تحويل المقاعد إلى مشاركة حكومية أو نفوذ سياسي مباشر.
فمن جهة، أصبحت الأغلبية المستقرة شبه مستحيلة من دون التوافق مع هذه القوائم أو استمالة أحزاب من خارج المعسكرين، ومن جهة أخرى يواجه أي تعاون معها اعتراضات داخل أجزاء من المعارضة الإسرائيلية نفسها، بما يجعل الاعتماد عليها مكلفاً للمعسكر الذي يحتاجها حسابياً.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الانتخابات: قد تمتلك القائمتان العربيتان عدداً من المقاعد يجعلهما مؤثرتين في الحسابات البرلمانية، فيما تبقى مشاركتهما في صياغة السلطة التنفيذية موضع خلاف سياسي حاد. وتشير أطراف التحليل إلى أن أي وصول حكومي إلى يد نتنياهو أو يد آيزنكوت قد يحتاج إلى صيغ غير تقليدية، من حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي، إلى ترتيبات توافقية لا تمنح القائمتين حقيبتين.
اليمين المتشدد… عقدة التحالف المقبل
تتوقف خيارات نتنياهو بدرجة كبيرة على علاقته بالأحزاب اليمينية والدينية التي شكّلت جزءاً أساسياً من معسكره، ولا سيما القوى التي تتبنى مواقف متشددة في قضايا الأمن والاستيطان والشأن الديني. وقد يفرض السعي إلى تشكيل حكومة أوسع مفاوضات معقدة بشأن توزيع الحقائب والسياسات، فيما يمكن أن يؤدي استبعاد بعض الشركاء إلى توترات داخل المعسكر نفسه.
أما المعارضة، فتواجه بدورها تحدياً في جمع أحزاب تختلف في رؤيتها للقضايا الأمنية والاجتماعية، وفي موقفها من التعاون مع القائمتين العربيتين. وبذلك لا تتعلق المعركة المقبلة بعدد المقاعد وحده، بل بقدرة كل طرف على بناء تحالف قابل للاستمرار، وتقديم تنازلات من دون تفكيك قاعدته السياسية.
خمسة سيناريوهات أمام الكيان
تضع النتائج إسرائيل أمام خمسة سيناريوهات متباينة: حكومة يبنيها نتنياهو من معسكره وشركاء خارجين عليه، أو حكومة بقيادة آيزنكوت تستمد أغليبتها من تحالف معارض واسع، أو حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي مؤقت، أو حكومة وحدة تجمع المعسكرين في صيغة انتقالية، أو عودة إلى صناديق الاقتراع إذا تعذّر كل ما سبق. ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات قبل إعلان النتائج النهائية ومواقف الأحزاب من التحالفات الممكنة، وقد تمتد مفاوضات التشكيل إلى أسابيع.
ما الذي تعنيه النتائج للبنان والمنطقة؟
لا ينبغي افتراض أن تبدّل الحكومة الإسرائيلية، إذا حصل، سيؤدي وحده إلى تغيير جذري في السياسات الأمنية والعسكرية تجاه لبنان أو إيران أو الفلسطينيين. فهذه القضايا ترتبط أيضاً بالمؤسسة العسكرية، والحسابات الإقليمية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والالتزامات والضغوط الدولية. لكن هوية التحالف المقبل ستبقى مؤشراً مهماً إلى طبيعة التوازنات داخل إسرائيل، وإلى مساحة المناورة السياسية المتاحة أمام القيادة في قضايا الحرب والتفاوض والتصعيد.
وبالنسبة إلى لبنان، تبرز أهمية مراقبة أي تغيّر فعلي في الخطاب الرسمي والقرارات الأمنية والعسكرية، بدلاً من بناء الاستنتاجات على هوية رئيس الحكومة وحدها. فالمعيار الحقيقي سيكون في السياسات التي تُعتمد على الأرض، لا في الشعارات الانتخابية فقط.
الخلاصة أن انتخابات 27 تشرين الأول لم تحسم الصراع السياسي الإسرائيلي بصورة نهائية. فقد بقي نتنياهو في موقع متقدم، لكن من دون أغلبية واضحة، فيما عجزت المعارضة عن إظهار طريق سهل لتشكيل حكومة بديلة، وبرزت القائمتان العربيتان بثقل برلماني غير مسبوق وفق نتائج الفرز. وعليه، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج النهائية: من يستطيع تحويل المقاعد إلى تحالف، وما الثمن السياسي الذي سيتطلبه ذلك، وكيف ستنعكس التوازنات الجديدة على قرارات إسرائيل الداخلية والإقليمية؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :