تقرير ايكون نيوز
لم تمنح المؤشرات الأولية للانتخابات الإسرائيلية تفويضاً حاسماً لأي من المعسكرين المتنافسين. فحزب الليكود يتقدم، وفق معظم استطلاعات الخروج، بوصفه الحزب الأكبر، لكن ذلك لا يكفي تلقائياً لضمان استمرار بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة. وفي المقابل، يتقدم المعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت على معسكر نتنياهو في بعض التقديرات، من دون أن يملك طريقاً واضحاً إلى أغلبية برلمانية مستقرة.
وتبدو إسرائيل، بذلك، أمام مرحلة سياسية قد يكون فيها تشكيل الحكومة أكثر تعقيداً من عملية الاقتراع نفسها. فالأرقام المتداولة ليست نتائج رسمية نهائية، وقد تتغير مع فرز الأصوات الخاصة، ومعرفة مصير القوائم القريبة من نسبة الحسم.
تباين كبير في استطلاعات الخروج
أظهرت استطلاعات الخروج التي نشرتها شبكات التلفزة الإسرائيلية تبايناً واضحاً في توزيع المقاعد:
| استطلاع الخروج | معسكر نتنياهو | الأحزاب اليهودية المعارضة لنتنياهو | القائمتان العربيتان |
|---|---:|---:|---:|
| «كان 11» | 50 | 53 | 17 |
| القناة 12 | 50 | 52 | 18 |
| القناة 13 | 49 | 54 | 17 |
| القناة 14 | 60 | 43 | 17 |
وتكشف الأرقام مقدار الحذر المطلوب في قراءة المشهد، ولا سيما أن القناة 14 تمنح معسكر نتنياهو 60 مقعداً، مقابل 50 تقريباً في استطلاعات القنوات الأخرى.
والمقصود بـ«الأحزاب اليهودية المعارضة» في هذا الجدول هو تجميع حسابي للأحزاب التي لا تُحتسب ضمن معسكر نتنياهو أو القائمتين العربيتين، وليس ائتلافاً سياسياً مكتمل الاتفاق. فهذه الأحزاب تختلف في عدد من الملفات الداخلية والأمنية، وقد لا تكون مستعدة جميعها للمشاركة في حكومة واحدة بالشروط نفسها.
لذلك، لا يصح إعلان سقوط نتنياهو أو فوزه استناداً إلى استطلاعات الخروج وحدها، كما لا يجوز اعتبار المقاعد العربية جزءاً تلقائياً من ائتلاف معارض.
الحزب الأكبر لا يضمن رئاسة الحكومة
تتمثل المفارقة الأساسية في أن الليكود قد يتصدر ترتيب الأحزاب، بينما يعجز معسكر نتنياهو عن جمع أغلبية برلمانية. وفي المقابل، قد يتقدم المعسكر الذي يقوده آيزنكوت عند جمع مقاعد الأحزاب المختلفة، من دون أن يمتلك العدد الكافي لتشكيل حكومة مستقرة.
وفي النظام الإسرائيلي، لا ينتخب المواطنون رئيس الحكومة مباشرة، بل يصوتون للوائح حزبية لاختيار أعضاء الكنيست المؤلف من 120 مقعداً. وبعد إعلان النتائج، يجري الرئيس الإسرائيلي مشاورات مع ممثلي الأحزاب المنتخبة، ثم يكلّف عضو الكنيست الذي يراه الأقدر على تشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان.
ولا يعني تصدر حزب معين أنه سيحصل تلقائياً على رئاسة الحكومة، إذ قد يكلّف الرئيس شخصية أخرى إذا رأى أنها تملك فرصاً أكبر لتجميع ائتلاف حاكم.
وتُعد عتبة الـ61 مقعداً معيار الأغلبية البرلمانية اللازمة عادة لتأمين حكومة مستقرة، لكن امتلاك 61 نائباً مؤيداً بصورة رسمية ليس الاحتمال الوحيد. فقد تحاول كتلة ما تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي أو إلى امتناع أطراف أخرى عن التصويت ضدها.
القوائم العربية: وزن انتخابي ودور سياسي معقد
تمنح استطلاعات الخروج القائمتين العربيتين بين 17 و18 مقعداً، وهو رقم يجعلهما عاملاً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
لكن هناك فرق بين الحصول على عدد وازن من المقاعد وبين المشاركة في حكومة ائتلافية. كما أن تقديم دعم خارجي لحكومة، أو الامتناع عن التصويت ضدها، يختلف عن الانضمام إليها وتولي حقائب وزارية.
وتزداد المسألة تعقيداً بسبب مواقف عدد من قادة المعارضة، وفي مقدمهم آيزنكوت، الذين استبعدوا ضم «راعم» والقائمة المشتركة إلى الائتلاف، وفق ما أورده تقرير في «جيروزاليم بوست» عن معايير الشراكة التي طرحها حزب «يشار».
وهذا يضع آيزنكوت أمام معادلة صعبة: كيف يمكنه جمع المقاعد اللازمة لتشكيل حكومة إذا بقي ملتزماً باستبعاد القوى التي قد تمنحه الأكثرية، أو على الأقل توفر له شبكة أمان برلمانية؟
أربعة مسارات محتملة
أولاً: استمرار نتنياهو
قد يتمكن نتنياهو من تشكيل الحكومة إذا منحه الفرز النهائي أغلبية معسكره، أو إذا نجح في استقطاب شركاء إضافيين.
وتبقى هذه الإمكانية مرتبطة بالنتائج النهائية وبقدرة الليكود على إبقاء حلفائه ضمن صف واحد، ولا سيما الأحزاب الدينية واليمينية. فحتى إذا اقترب المعسكر من عتبة الـ61، قد تؤدي الخلافات حول الخدمة العسكرية للحريديم أو الموازنة أو توزيع الحقائب إلى تعطيل تشكيل الحكومة.
ثانياً: حكومة يقودها آيزنكوت
يمكن لآيزنكوت أن يقود حكومة بديلة إذا تمكنت الأحزاب المعارضة لنتنياهو من الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة الحكومة، وعلى برنامج مشترك، وعلى توزيع واضح للحقائب والصلاحيات.
وقد اتفقت أربعة أحزاب معارضة على تنسيق جهودها بهدف إطاحة نتنياهو، هي «يشار»، و«الديمقراطيون»، و«إسرائيل بيتنا»، وتحالف «معاً». لكن الاتفاق على إسقاط رئيس الحكومة لا يساوي بالضرورة اتفاقاً على كيفية إدارة الدولة بعد ذلك.
وسيكون على هذه الأحزاب حسم ملفات خلافية، بينها الخدمة العسكرية للحريديم، والعلاقة بين الحكومة والقضاء، والإنفاق العام، والسياسة الأمنية، وموقف الحكومة من الحرب والملفات الإقليمية.
ثالثاً: حكومة أقلية بدعم عربي
إذا عجز آيزنكوت عن بلوغ عتبة الـ61، فقد يحاول تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم الأحزاب العربية من خارج الحكومة، أو على امتناعها عن التصويت ضدها.
ويختلف هذا السيناريو عن ضم القوائم العربية إلى الائتلاف. فقد تكتفي هذه القوائم بمنح الحكومة دعماً مشروطاً في بعض التصويتات، مقابل مطالب تتعلق بمكافحة الجريمة في البلدات العربية، والإسكان، ووقف سياسات الهدم، وتحسين الخدمات، وربما فتح مسار سياسي مع الفلسطينيين.
لكن هذا النموذج سيكون هشاً وقابلاً للاهتزاز عند كل تصويت مهم، كما أن بعض شركاء آيزنكوت المحتملين، وبينهم نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، أبدوا تحفظاً على الاعتماد على الأحزاب العربية.
رابعاً: حكومة وحدة أو انتخابات جديدة
في حال تعذر تشكيل حكومة يمينية أو معارضة، قد يعود خيار حكومة وحدة تضم الليكود وأحزاباً من المعارضة، مع استبعاد قوى اليمين الأكثر تطرفاً.
وتشبه هذه الصيغة تجارب إسرائيلية سابقة، لكنها تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في رفض عدد من قادة المعارضة المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو أو يكون جزءاً منها.
أما إذا فشلت جميع محاولات التكليف والتفاوض، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة. وفي هذه الأثناء، تبقى الحكومة الحالية في موقع تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
الأصوات الخاصة قد تغير الحسابات
لا تتوقف المسألة عند استطلاعات الخروج. فالأصوات الخاصة، التي تشمل أصوات الجنود والدبلوماسيين والمرضى والناخبين الذين صوتوا خارج مراكز اقتراعهم، قد تؤثر في توزيع المقاعد.
وتكتسب هذه الأصوات أهمية أكبر إذا كانت هناك قوائم قريبة من نسبة الحسم، لأن دخول قائمة إلى الكنيست أو فشلها في تجاوز العتبة قد يغيّر توزيع المقاعد بين المعسكرات.
وبحسب التقارير الإسرائيلية، قد يتأخر إعلان النتائج الرسمية حتى 4 تشرين الثاني، فيما يُتوقع أن يؤدي الكنيست الجديد اليمين في 10 تشرين الثاني. وبعد ذلك تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، التي قد تمتد أسابيع أو أكثر.
اختبار داخلي لآيزنكوت
حتى في حال نجاح آيزنكوت في تشكيل حكومة، فإن الانتقال من شعار إبعاد نتنياهو إلى إدارة الدولة سيكون اختباراً صعباً.
ويبرز ملف تجنيد الحريديم كأحد أكثر الملفات قابلية لتفجير الخلافات. فآيزنكوت يعارض الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية، لكنه يطرح استثناءً محدوداً للدراسة الدينية، إلى جانب عقوبات على التهرب ومزايا لمن يؤدون الخدمة.
وقد تتيح هذه الصيغة مجالاً لتسوية مع الأحزاب الحريدية، لكنها قد لا تكون كافية لإرضاء شركائه العلمانيين أو القوميين، كما أن أي تنازل في هذا الملف قد يثير اعتراضاً شعبياً وسياسياً داخل معسكره.
وإلى جانب التجنيد، ستواجه الحكومة المحتملة أسئلة المحاسبة على الإخفاقات الأمنية، والعلاقة بين الحكومة والقضاء، وتوزيع أعباء الحرب، وحجم الإنفاق العسكري والاجتماعي.
لذلك فإن تغيير رئيس الحكومة، إذا حصل، لا يعني انتهاء الانقسام الإسرائيلي، بل قد ينقل الصراع إلى داخل الائتلاف الجديد.
لا انعطافة تلقائية في الملف الفلسطيني
لا توفر النتائج الأولية أساساً للحديث عن انعطافة إسرائيلية نحو تسوية سياسية مع الفلسطينيين. فالمعسكر المعارض لنتنياهو لا يشكل كتلة متجانسة تؤيد إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية، بل يضم اتجاهات أمنية ويمينية ووسطية مختلفة.
وبحسب عرض «جيروزاليم بوست» لبرنامج حزب «يشار»، يعارض آيزنكوت إقامة دولة فلسطينية في المرحلة الحالية، ويطرح إنهاء حكم حماس مع الإبقاء على ترتيبات أو ممر أمني إسرائيلي في غزة، مع السماح بإعادة الإعمار بصورة تدريجية بالتوازي مع مسار نزع السلاح.
وعليه، فإن الاختبار الفلسطيني لأي حكومة مقبلة سيكون في قراراتها العملية، لا في تغيير لغتها السياسية فقط. وتشمل هذه القرارات وقف الحرب، وفتح المعابر، ومستقبل السيطرة الأمنية في غزة، والاستيطان، وحقوق السكان، وطبيعة أي مسار سياسي قابل للتنفيذ.
لبنان: تغيير الحكومة لا يعني تلقائياً تهدئة
تزداد الحاجة إلى الحذر في قراءة انعكاسات الانتخابات على لبنان. فلا توجد معادلة تضمن أن خروج نتنياهو من الحكم سيؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو إلى انسحاب إسرائيلي أو إلى تخفيف الضغط على لبنان.
وبحسب ما أورده «جيروزاليم بوست» عن برنامج آيزنكوت، فإنه يؤيد إقامة منطقة أمنية في لبنان، ويدعو إلى دور أميركي وفرنسي أقوى في مواجهة حزب الله.
وهذه المواقف تمنع تقديم آيزنكوت باعتباره بديلاً يحمل تهدئة تلقائية للبنان. فقد تختلف حكومة إسرائيلية جديدة عن حكومة نتنياهو في أسلوب إدارة المواجهة أو في مستوى التنسيق مع الولايات المتحدة وأوروبا، من دون أن يعني ذلك اختلافاً جذرياً في النظرة إلى حزب الله أو إلى دور القوة العسكرية في لبنان.
وسيرتبط المسار اللبناني بعدة عناصر، أبرزها:
- تركيبة الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
- موقع المؤسسة العسكرية داخل القرار السياسي.
- موقف الإدارة الأميركية.
- طبيعة أي تفاهمات إقليمية.
- حسابات إسرائيل بشأن الضغط الميداني والتفاوض.
- قدرة لبنان على حماية سيادته ومنع فرض وقائع جديدة عليه.
وقد تميل حكومة إلى تعزيز الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، فيما تفضّل حكومة أخرى تثبيت ترتيبات أمنية عبر الدبلوماسية والتهديد بالقوة. ولا يمكن ترجيح أحد المسارين اعتماداً على صناديق الاقتراع وحدها.
إيران: اختلاف في الأدوات أكثر منه في الهدف
في الملف الإيراني، يطرح برنامج آيزنكوت معالجة دائمة وقابلة للتحقق للتهديد النووي، مع إجراءات ضغط إضافية إذا فشلت الدبلوماسية.
وبحسب العرض المنشور، تشمل مقترحاته قيوداً تفرضها الولايات المتحدة حول مواقع تخصيب اليورانيوم المتبقية، إلى جانب توسيع العمل السري ضد القدرات الصاروخية الإيرانية.
ويشير ذلك إلى احتمال اختلاف في الأدوات وفي مستوى التنسيق مع واشنطن، أكثر مما يثبت اختلافاً جذرياً في تعريف إيران بوصفها تهديداً استراتيجياً لإسرائيل.
تبدّل الأسماء لا يعني تبدّل السياسات
قد تؤدي الانتخابات إلى تغيير قيادة إسرائيل وشروط الحكم داخلها، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تغيير جذري في السلوك الإقليمي.
وما ينبغي متابعته بعد تثبيت النتائج هو:
- هوية الشركاء في الحكومة.
- توزيع وزارتي الدفاع والمالية.
- الاتفاق الائتلافي.
- موقع المؤسسة العسكرية في صناعة القرار.
- المواقف العملية من غزة ولبنان وإيران.
- القرارات الميدانية الأولى.
- قدرة الحكومة على الصمود أمام الخلافات الداخلية.
هناك سيظهر الفارق بين تبدّل الأسماء وتبدّل السياسات، وبين حكومة قادرة على اتخاذ القرار وأخرى أسيرة التهديد الدائم بالانهيار.
حتى الآن، تقول استطلاعات الخروج إن إسرائيل لم تمنح أي معسكر تفويضاً واضحاً. أما القرار الفعلي بشأن هوية رئيس الحكومة المقبلة، فلن تصنعه الأرقام الأولية وحدها، بل سلسلة طويلة من المشاورات والمفاوضات والصفقات السياسية التي تبدأ بعد إعلان النتائج النهائية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :