ICON NEWS | تحقيق اقتصادي | 21 تشرين الأول 2026
محطتان لإنتاج 1650 ميغاواط وتمويل من القطاع الخاص دون دفعة أولى من الخزينة... لكن أسئلة التسعير والضمانات والالتزامات الطويلة الأجل تضع الحكومة أمام امتحان الشفافية والمحاسبة.
بعد عقود من العتمة والهدر واستنزاف المال العام، يعود ملف الكهرباء إلى الواجهة اللبنانية من بوابة عرض قطري واسع النطاق، يعد بإعادة بناء جزء أساسي من منظومة إنتاج الطاقة. غير أن الأرقام الطموحة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لطمأنة اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة لمشاريع وخطط متعاقبة لم تنجح في تأمين تغذية كهربائية مستقرة.
فخلف الحديث عن إنشاء محطات حديثة، واستيراد الغاز الطبيعي المسال، واستقطاب استثمارات خاصة، تبرز أسئلة جوهرية تتعلق بكلفة المشروع وشروط التعاقد والضمانات المالية التي قد تُطلب من الدولة، وصولاً إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يحصل لبنان على كهرباء مستدامة بكلفة عادلة، أم يدخل في التزامات تمتد لعشرين عاماً من دون ضمانات كافية لحماية الخزينة والمستهلك؟
مشروع ضخم... لكن التفاصيل المالية لم تُحسم
وفق وثيقة تناولتها وكالة رويترز، يتضمن المقترح القطري إنشاء محطتين لإنتاج الكهرباء في دير عمار شمالاً والزهراني جنوباً، بقدرة تبلغ 825 ميغاواط لكل منهما، أي بإجمالي 1650 ميغاواط، إلى جانب اتفاق لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة عشرين عاماً.
ويشمل البرنامج مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة 800 ميغاواط، وطاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواط، فضلاً عن أنظمة تخزين الكهرباء وتطوير البنية التحتية اللازمة لاستيراد الغاز واستخدامه.
وتقوم الفكرة التمويلية على استقطاب استثمارات من القطاع الخاص، بما يتيح تنفيذ المشاريع من دون تحميل الموازنة اللبنانية كلفة إنشائها مقدماً.
لكن هذه النقطة، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن الدولة لن تتحمل أعباء مالية لاحقة، إذ إن طبيعة العقود وآليات شراء الكهرباء والغاز والضمانات المطلوبة ستحدد الحجم الفعلي للالتزامات المستقبلية.
التمويل الخاص... من يتحمل المخاطر؟
في المشاريع الكبرى لإنتاج الطاقة، قد يتولى المستثمر تمويل الإنشاء والتشغيل مقابل عقود طويلة الأجل لبيع الكهرباء إلى الدولة أو مؤسسة الكهرباء.
وفي بعض النماذج التعاقدية، تتضمن الاتفاقيات التزاماً بشراء كميات محددة من الطاقة، أو دفع مبالغ مقابل جاهزية المحطات للإنتاج، حتى عندما لا تُستخدم كامل قدراتها.
ولا تتوافر معلومات منشورة تثبت أن المقترح القطري يعتمد هذه الصيغة تحديداً، لكن احتمال وجود التزامات من هذا النوع يستوجب تدقيقاً مسبقاً في بنود العقود.
فالمسألة لا تتعلق فقط بالجهة التي تدفع ثمن إنشاء المحطات، بل أيضاً بمن يتحمل المخاطر إذا تراجع الطلب، أو تعثرت الشبكة في استيعاب الإنتاج، أو ارتفعت أسعار الغاز، أو تأخر تنفيذ المشاريع.
وأي اتفاق لا يوزع هذه المخاطر بصورة متوازنة قد يحوّل التمويل الخاص من فرصة لتخفيف الأعباء عن الخزينة إلى التزامات مؤجلة تظهر نتائجها بعد سنوات.
الغاز القطري لعشرين عاماً... أين معادلة السعر؟
يشكل اتفاق توريد الغاز الطبيعي المسال أحد أبرز مكونات المشروع، نظراً إلى دوره في تشغيل المحطات الجديدة وخفض الاعتماد على أنواع الوقود الأعلى كلفة.
لكن جدوى الاتفاق ستبقى مرتبطة بمعادلة التسعير، والكميات المتعاقد عليها، وكلفة النقل والتخزين وإعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية.
فهل سيكون السعر مرتبطاً بأسعار النفط العالمية أم بمؤشرات الغاز الدولية؟ وهل يتضمن الاتفاق سقفاً للأسعار أو آليات للمراجعة الدورية؟ وهل يلتزم لبنان بشراء كميات محددة حتى عندما لا يحتاج إليها؟
هذه التفاصيل ليست مسائل تقنية ثانوية، بل عناصر حاسمة في تحديد كلفة إنتاج الكهرباء طوال العقدين المقبلين.
كما أن أي اتفاق طويل الأمد ينبغي أن يراعي تقلبات أسواق الطاقة، والتغيرات المحتملة في حجم الاستهلاك، والتوسع المستقبلي في مصادر الطاقة المتجددة.
إنتاج إضافي فوق شبكة تحتاج إلى الإنقاذ
حتى لو أُنجزت المحطتان ضمن المهل المقترحة، فإن رفع القدرة الإنتاجية لن يكون كافياً وحده لإنهاء أزمة الكهرباء.
فالشبكة اللبنانية تحتاج إلى تحديث واسع في النقل والتوزيع، وخفض الهدر التقني وغير التقني، وتحسين الجباية، ومعالجة الاختلالات الإدارية والمالية المتراكمة.
ومن دون هذه الإصلاحات، قد تتحول زيادة الإنتاج إلى عبء إضافي إذا عجزت الشبكة عن نقل الكهرباء بكفاءة، أو لم تتمكن المؤسسة من تحصيل كلفة الطاقة الموزعة.
وهنا يصبح ضرورياً ربط الاستثمار في الإنتاج بخطة متكاملة لتأهيل الشبكات، وإصلاح الإدارة، وتعزيز الرقابة على الإنفاق والتحصيل.
الشفافية ليست ترفاً... من يراقب العقود؟
بعد التجارب المكلفة التي مر بها قطاع الكهرباء، لم يعد مقبولاً أن تُبرم اتفاقيات استراتيجية طويلة الأجل من دون إطلاع الرأي العام على أسسها المالية والاقتصادية.
فالمشروع القطري، إذا استكمل الموافقات المطلوبة، سيؤثر في سياسة الطاقة اللبنانية لعقود، ما يستدعي إخضاعه لتقييم مستقل يحدد كلفته ومردوده ومخاطره.
والمطلوب ليس التشكيك بالجهة المستثمرة أو التقليل من أهمية المبادرة القطرية، بل ضمان أن تأتي الاتفاقيات لمصلحة لبنان، وأن تكون حقوق المستثمر والدولة والمستهلك واضحة ومتوازنة.
كما ينبغي تحديد آليات اختيار الشركات المنفذة والمشغلة، ومدى خضوع العقود للمنافسة والرقابة، ودور الجهات الرقابية المختصة في مراجعتها.
انطلاقاً من أهمية المشروع وحجمه، تطرح ICON NEWS ستة أسئلة أساسية تستوجب إجابات رسمية واضحة قبل إقرار أي التزامات طويلة الأجل:
أولاً: ما آلية تسعير الغاز القطري طوال عشرين عاماً؟
هل سيُربط سعر الغاز بأسعار النفط أو المؤشرات العالمية للغاز، أم سيُعتمد سعر تعاقدي ثابت أو متغير؟ وما الضمانات التي تحمي لبنان من الارتفاعات الحادة في الأسواق الدولية؟
ثانياً: هل سيلتزم لبنان بشراء حد أدنى من الغاز أو الكهرباء؟
وهل تتضمن العقود المحتملة شروط «خذ أو ادفع» التي تلزم المشتري بسداد قيمة كميات محددة حتى إذا لم يستخدمها؟ ومن يتحمل الكلفة في حال تعذر استيعاب الإنتاج؟
ثالثاً: ما الضمانات المالية أو السيادية المطلوبة من الدولة اللبنانية؟
هل ستقدم الحكومة ضمانات للسداد أو تعهدات مالية طويلة الأجل؟ وهل يمكن أن تنشأ عنها التزامات على الخزينة في حال تعثر مؤسسة كهرباء لبنان أو انخفاض إيراداتها؟
رابعاً: ما الكلفة الفعلية المتوقعة لإنتاج الكيلوواط ساعة؟
وهل تشمل الحسابات سعر الغاز والنقل والتخزين وإعادة التغويز والتشغيل والصيانة واسترداد كلفة الاستثمار؟ وكيف ستنعكس هذه الكلفة على التعرفة النهائية التي يدفعها المواطن؟
خامساً: هل ستخضع العقود لمنافسة شفافة وتدقيق مستقل؟
وما دور هيئة تنظيم قطاع الكهرباء وديوان المحاسبة والجهات الرقابية المختصة في مراجعة الشروط الفنية والمالية، والتحقق من حماية المصلحة العامة؟
سادساً: هل توجد دراسة متكاملة لقدرة الشبكة اللبنانية على استيعاب الإنتاج الجديد؟
وما الاستثمارات المطلوبة لتحديث شبكات النقل والتوزيع وخفض الهدر وتحسين الجباية؟ ومن سيمولها، وما المهل الزمنية اللازمة لإنجازها بالتزامن مع إنشاء المحطات؟
الحكومة أمام الامتحان... لا يكفي الإعلان عن المشاريع
لا شك في أن المبادرة القطرية تمثل فرصة مهمة للبنان، خصوصاً في ظل محدودية قدرته على تمويل مشاريع بنية تحتية بهذا الحجم.
لكن نجاحها لن يُقاس بقيمة الاستثمارات المعلنة أو عدد الميغاواطات المخطط لإنتاجها، بل بقدرتها على تأمين كهرباء مستقرة بكلفة قابلة للتحمل، ومن دون تحميل الأجيال المقبلة التزامات غير مدروسة.
فالحكومة مطالبة هذه المرة بإثبات أن الدولة قادرة على إدارة مشروع استراتيجي وفق معايير اقتصادية واضحة، لا بمنطق التسويات المرحلية أو الوعود السياسية.
كما أن من حق اللبنانيين الاطلاع على الشروط الأساسية لأي اتفاق يمس حياتهم اليومية وأموالهم العامة لعشرين عاماً.
بين فرصة الإنقاذ وخطر تكرار التجارب
يقف لبنان أمام فرصة لإعادة رسم مستقبل قطاع الكهرباء، لكن الاستفادة منها تتطلب قراراً سياسياً وإدارياً واضحاً بإخضاع المشروع للمحاسبة والشفافية منذ مراحله الأولى.
فلا يجوز أن يتحول غياب التمويل الحكومي المباشر إلى مبرر للتساهل في دراسة الالتزامات المستقبلية، ولا أن تُستخدم الحاجة الملحة إلى الكهرباء لتمرير عقود لا تتضح كلفتها الحقيقية.
وإذا كانت قطر تعرض استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، فإن المسؤولية اللبنانية تقتضي التفاوض على أفضل الشروط، ونشر المعلومات الأساسية، وتأمين رقابة فعالة على التنفيذ.
فالمشكلة لم تكن يوماً في افتقار لبنان إلى خطط الكهرباء، بل في عجز الدولة عن تحويل تلك الخطط إلى خدمة مستدامة وخاضعة للمحاسبة.
وبعد عقود من العتمة والإنفاق، لم يعد اللبنانيون يحتاجون إلى وعد جديد بإنارة منازلهم، بل إلى عقد واضح يعرفون مسبقاً كلفته، ومن يتحمل مخاطره، ومن يحاسب إذا أخفق.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي توقيع ليس فقط: متى تصل الكهرباء؟ بل أيضاً: بأي ثمن، ولحساب من، وعلى مسؤولية من؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :