حقل ألغام ثلاثي الأبعاد… وماذا بعد؟

حقل ألغام ثلاثي الأبعاد… وماذا بعد؟

د. شادي مسعد

لم تنجح الخطوة التي قامت بها الحكومة باعتمادها العلني على المساعدة الاميركية لمعالجة الأزمة مع دول الخليج العربي، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية. ويبدو ان واشنطن اختارت الشعار الذي أطلقه ميقاتي قبل سنوات، أي النأي بالنفس، ونأت بنفسها عن الأزمة اللبنانية-الخليجية، وتركت الحكومة اللبنانية “تقلّع شوكها بيديها”.

في الموازاة، انتهت مساعي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من خلال الاتصالات الكثيفة التي اجراها على هامش قمة المناخ الى النتيجة نفسها، بحيث سيكون عليه ان يواجه الأزمات التي تراكمت بسرعة دراماتيكية في غضون شهر بنفسه.

وستكون خياراته ضيقة وصعبة، وتنطوي على مخاطر ومجازفات على كل المستويات. وسيكون على رئيس الحكومة التعامل مع الملفات التالية:
أولاً- ملف التحقيقات بانفجار مرفأ بيروت، وهو الملف الذي انفجر أولا في وجه الحكومة، وأدّى الى تعطيل جلسات مجلس الوزراء. ويطالب كل من حزب الله وحركة “امل” بتنحية المحقق العدلي القاضي طارق البيطار عن التحقيق كشرط للعودة الى طاولة مجلس الوزراء.

حتى الآن، ورغم مرور اكثر من ثلاثة أسابيع على نشوب المشكلة، لم يتم تحقيق اي تقدّم، ولا تظهر في الأفق بوادر تشير إلى وجود اقتراحات حل يمكن اعتمادها للخروج من هذا المأزق. واللافت في هذا الملف، أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة متفقان على رفض فكرة ان تتولى الحكومة اتخاذ اي خطوة لإبعاد البيطار عن ملف التحقيقات، ولكلٍ منهما اسبابه الموجبة.

ثانياً- ملف التحقيقات في احداث الطيونة، والتي لم تنته تداعياتها بعد، خصوصا بعد استدعاء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الى التحقيق، وعدم مثوله. وبعدما تدخل البطريرك الماروني لمنع ما اعتبره انحرافاً وعدم مساواة في تطبيق العدالة، يبدو ان التحركات المقبلة ستركّز على مسألة التعاطي بالتساوي مع الشباب المحتجزين للتحقيق. وفي هذا السياق، باشر حزب القوات اللبنانية حملة، قد تنضم اليها قوى اخرى، وقد يتبناها البطريرك الماروني للتعاطي مع التحقيقات باسلوب مختلف، يؤدي اما الى توقيف المتورطين من حزب الله وحركة امل، واما الافراج عن المحتجزين من القوات اللبنانية، خصوصاً ان قسماً من هؤلاء طلاب جامعات، ويتم تعريض مستقبلهم للخطر.

ثالثا- الأزمة المتصاعدة مع دول الخليج العربي، والتي لا يبدو انها ستنتهي بسرعة كما أمل البعض. وصار واضحاً ان استقالة وزير الاعلام جورج قرداحي، وهو أمر لن يحصل وفق المؤشرات حتى الآن، لم تعد كافية لاعادة المياه الى مجاريها. وبالتالي، سيكون على ميقاتي ان يتعاطى مع هذه المسألة على اساس انها طويلة، وقد لا تنتهي قبل الانتخابات النيابية المقبلة في الربيع. لكن من البديهي، ان ميقاتي سيواصل العمل في محاولة لتأمين استقالة قرداحي اذا استطاع لذلك سبيلا، لأن هذه الاستقالة وإن لم تعالج المشكلة إلاّ انها توقف مسارها التصعيدي والمفتوح على كل الاحتمالات.

ضمن حقل الالغام الثلاثي الابعاد هذا، ستكمل الحكومة الميقاتية عهدها الذي ينبغي ان ينتهي في الربيع المقبل بعد انجاز الانتخابات، هذا اذا لم يطرأ ما يستدعي استقالتها قبل هذا الموعد، ولو ان هذا الامر مستبعد حتى الان، بسبب الاصرار الخارجي على استمرارها من اجل تنظيم الانتخابات النيابية في موعدها.
ماذا يعني كل ذلك، والى اين ستصل الامور؟

هذا السؤال مطروح من منطلق الشلل الذي ستشعر به الحكومة في تأدية واجباتها في المرحلة المقبلة. صحيح ان التركيز سيكون على الانتخابات النيابية، لكن هناك أزمات قائمة تحتاج الى معالجات سريعة، وهذه المعالجات لا يمكن اتمامها بلا عقد اجتماعات لمجلس الوزراء، أو على الاقل من دون توفّر الحد الأدنى من التوافق بين مكونات الحكومة لتمرير ما ينبغي تمريره من قرارات حيوية.

والسؤال المحوري هنا، هل سيتحمّل ميقاتي هذا الوضع لفترة طويلة يُفترض ان تمتد بين 5 و7 أشهر موعد اجراء الانتخابات النيابية؟ وهل يستطيع الرجل ان يجازف بالخسائر المعنوية التي قد يتعرّض لها جراء الاستمرار بحكومة مغضوب عليها خليجياً، ومشلولة بقرار داخلي، ومعرّضة للنيران الصديقة والعدوة في الداخل والخارج؟

هذه التساؤلات على أهميتها قد تبدو أقل أهمية من تساؤلات أخرى ترتبط بموقف حزب الله مما يجري. صحيح ان الحزب عطّل وشلّ الحكومة للضغط من اجل تغيير القاضي البيطار، وصحيح ان “حرب” عين الرمانة اندلعت لأن الحزب وحليفه الرئيس نبيه بري، نقلا المواجهة الى الشارع عبر التظاهرات للضغط في اتجاه “قلع” البيطار، إلا ان الصحيح ايضا، ان مطلب الثنائي الشيعي لم يتحقّق ولا يبدو انه على طريق الانجاز، وبالتالي من المستبعد الرهان على بقاء المواقف متصلبة وجامدة. وهذا يعني ان خطر التصعيد بما يتجاوز مسألة شل اجتماعات مجلس الوزراء وارد ايضاً، طالما أن القاضي البيطار يواصل عمله، وقد يُصدر قراره الظني قبل نهاية العام الجاري. والسؤال الاستطرادي، ماذا سيحصل في حال تضمّن القرار الظني ما يشير بأصابع الاتهام الى حزب الله، او سواه من قوى سياسية نافذة في البلد؟
تبدو درب الحكومة الميقاتية مزروعة بالالغام والأشواك والمطبات، وهذا الوضع سينعكس حتماً على المشهد السياسي بشكل عام، والذي سيكون مشهداً استثنائياً لمرحلة استثنائية ليس واضحاً بعد كيف، ومتى ستنتهي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي