ICONNEWS خاص
حين ينتهي إبراهيم كنعان من الكلام، يستطيع المستمع أن يجمع لائحة طويلة من العناوين: الدولة، الجيش، الشرعية، القانون، الكرامة وحقوق الناس. لكنّه يحتاج أحياناً إلى جولة ثانية من التفكير ليعرف مَن المقصود بالرسالة، وما القرار الذي يترتّب عليها، وأين تنتهي المجاملة وتبدأ المواجهة. هنا تتكوّن الحزّورة السياسية: الكلام يبدو حاسماً، فيما يظلّ جزء من معناه متروكاً لاجتهاد المتلقّي.
في مكتبه في جديدة المتن، في 10 تشرين الأول، تحدّث كنعان خلال لقاء تضامني عقب تداول تسجيل يتضمّن إساءات إليه وإلى البلدية. والسياق واضح: من حقّه رفض الإهانة، ومن واجب المؤسسات حماية موظفيها وأعضائها. ويُحسب له تأكيد شمول الإنماء جميع الأهالي، ورفض تحميل طائفة أو انتماء سياسي مسؤولية سلوك المسيئين.
غير أنّ النبرة انتقلت إلى عبارات من نوع «الحكي من فوق» و«الفاسدين والفاشلين»، وصولاً إلى «ما حدا فوق راسه خيمة». وهنا يبدأ السؤال: هل يتحدّث عن أصحاب التسجيل وحدهم، أم عن جهات تستثمر في الحادثة، أم عن حماية سياسية يلمّح إليها؟ النص المنشور يتيح التأويل أكثر مما يحسمه. ترتفع حرارة الرسالة، ويبقى عنوان المرسَل إليه قابلاً للتخمين.
وكان مكتبه قد أعلن، في بيان صدر في 8 تشرين الأول، الاحتكام إلى القضاء وطلب اتخاذ الإجراءات المناسبة. وهذه إحالة مؤسساتية محدّدة ينبغي تسجيلها. لكن البيان نفسه تحدّث عن أجندات ونوايا وصفها بأنها «معلومة للقاصي والداني»، من دون توضيحها. وإذا كانت معلومة إلى هذا الحد، فما الذي يمنع شرح أبعادها السياسية، بوقائع قابلة للتحقّق، مع احترام عمل القضاء؟ التلميح إلى خلفيات أوسع يفرض مسؤولية توضيحها، خصوصاً حين تكون الحادثة قابلة للاستثمار في التوتر الأهلي.
هذا الأسلوب يظهر بصورة أخرى في الخطاب الوطني. ففي بكركي، في 3 آذار، دعا كنعان إلى الوحدة حول الدولة والجيش، وأيّد الحياد عن الصراعات الإقليمية مع التمسّك بالسيادة والحقوق. وسمّى الاعتداءات الإسرائيلية، وتحدّث عن خروقات داخلية، ثم دعا إلى «خطوات سريعة وحاسمة». إلا أنّ التصريح لم يحدّد تلك الخطوات: مَن يبادر؟ وبأي أدوات؟ وما الالتزام الذي يضعه النائب على نفسه لدفعها إلى التنفيذ؟
الدعوة إلى الدولة تكتسب معناها السياسي حين تتصل بقرار ومسؤولية وكلفة. أمّا الاكتفاء بالمبدأ فيمنح المتكلّم مساحة واسعة من التأييد، ويترك الخلاف الحقيقي مؤجّلاً إلى اللحظة التي تصبح فيها الدولة إجراءً يمسّ المصالح والحسابات. عندها يحتاج المواطن إلى معرفة الموقف الذي سيصمد، والقرار الذي سيُدعَم، والتسوية التي ستُرفَض.
وللدقّة، لا يجوز اختزال خطاب كنعان كله بالغموض. ففي بعبدا، في 2 أيلول، أيّد صراحة خيار التفاوض المباشر الذي تتبنّاه الرئاسة والحكومة، وطالب بالانسحاب الإسرائيلي وبانتشار الجيش بسلاحه وحده على كامل الأراضي اللبنانية. كما أعلن رفض فرض ضرائب جديدة في موازنة 2027. هذه مواقف واضحة يمكن مناقشتها ومساءلته عنها.
وهذا الوضوح يجعل السؤال أشدّ إلحاحاً: لماذا تصبح اللغة دقيقة عند إعلان تأييد مسار سياسي أو رفض ضريبة، ثم تتّسع للتلميح عند الحديث عن الجهات المعطّلة والخلفيات والمسؤوليات؟ حين يعلن السياسي خياره، يتيح للناس الاتفاق معه أو معارضته على أساس مفهوم. وحين يترك المقصود معلّقاً، ينصرف النقاش إلى تفسير عبارته قبل الوصول إلى تقييم موقفه.
وفي الديمان، في 10 أيلول، ظهرت المسافة نفسها بين الطمأنة والإجابة المكتملة. قال كنعان، في حديثه عن الودائع، إن «الأموال موجودة، أو يمكن إنقاذها»، وشرح الحاجة إلى تعاون مع مصرف لبنان وصندوق النقد للوصول إلى أرقام نهائية وصحيحة. وأهمية هذا التوضيح أنّه يعترف بالحاجة إلى عمل وأرقام؛ لكن الفارق بين أموال موجودة وأموال تحتاج إلى الإنقاذ جوهري بالنسبة إلى المودع الذي ينتظر معرفة مقدار ما سيستعيده، ومصدره، وموعده.
لا يُطلب من نائب أن ينجز وحده تسوية مالية أو يوقف حرباً، ولا أن يحوّل كل لقاء صحافي إلى برنامج حكومي. المطلوب أن يربط ما يقوله بما يقع ضمن مسؤوليته: اقتراح يدفع به، رقابة يمارسها، قرار يعترض عليه، أو موعد يعود فيه إلى الناس ليشرح ما تحقّق وما تعطّل ومَن عطّله.
وقد يخدم التلميح أحياناً التهدئة أو يترك باباً مفتوحاً للحوار. لكن تكراره يحمّل الجمهور وظيفة إضافية: استكمال الجملة السياسية نيابة عن صاحبها. يقرأ المؤيّد فيها صلابة، ويقرأ الخصم مناورة، ويجد كل طرف مساحة لإسقاط توقعاته. أمّا المواطن الباحث عن جواب، فيبقى أمام عبارة تحتمل أكثر مما تحسم.
كنعان قادر على الكلام المباشر، وتصريحاته نفسها تثبت ذلك. ولهذا تحديداً يُنتظر منه أن يستكمل وضوح العناوين بوضوح المسؤوليات. فكلما اقترب الكلام من مصالح الناس وحقوقهم وأمنهم، ازدادت الحاجة إلى أسماء الوقائع وخطوات المعالجة وحدود الالتزام.
الحزّورة تنتهي حين يكشف صاحبها الحل. أمّا في الشأن العام، فالمواطن يدفع ثمن بقاء الحل مؤجّلاً.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :