"لا يوجد مراقب دولة في إسرائيل"… اتهام مباشر لنتنياهو بإفراغ المؤسسة
تحوّل منصب مراقب الدولة في إسرائيل، الذي كان في مراحل سابقة يُرعب المؤسسات العامة ويفرض عليها التعامل الجدي مع تقاريره وملاحظاته، إلى مؤسسة فقدت جزءًا كبيرًا من تأثيرها وهيبتها، بحسب قراءة حادة تربط هذا التراجع بسياسات بنيامين نتنياهو وطريقة تعاطيه مع أجهزة الرقابة ومع شاغلي هذا المنصب.
وبحسب مقال للدكتور نحمان شاي، عميد "Hebrew Union College" في القدس ووزير شؤون الشتات السابق والناطق السابق باسم الجيش الإسرائيلي، في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن رحلة "فلاي دبي" 1073، التي وصفها بأنها "الحدث المؤسس الثاني لهذا العقد"، أعادت فتح سلسلة طويلة من الأسئلة والإخفاقات، بعدما تبيّن أن مراقب الدولة كان قد نشر منذ عام 2024 تقريرًا أشار فيه إلى قصور في تأمين الطائرات الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل.
لكن ذلك التقرير، وفق شاي، غرق سريعًا في النسيان، كما حصل مع تقارير أخرى صادرة عن مكتب مراقب الدولة، ولم يترك أثرًا فعليًا على أداء وزارة المواصلات أو الدولة، رغم أنه كشف ما وصفه بـ"الإهمال الخطير" في حماية الرحلات الأجنبية.
ويستعيد شاي مرحلة سابقة كان فيها تقرير مراقب الدولة حدثًا بحد ذاته داخل إسرائيل.
ويقول إنه يتذكر الأيام التي كانت تصل فيها تقارير المكتب إلى وسائل الإعلام مع تحذير واضح: "حظر نشر حتى الثلاثاء الساعة 16:00".
وفي الأيام التي تسبق النشر، كانت المؤسسات الإعلامية تبدأ العمل على التقرير وتحلله وتخرج إلى الميدان وتبحث عن شهادات وردود، قبل أن يؤدي نشره في الموعد المحدد إلى "هزة" داخل القطاع العام.
وكان نشر التقرير، بحسب وصفه، محطة مهمة في مسيرة المؤسسات والشخصيات في الخدمة العامة، إذ كانت الجهات الخاضعة للرقابة تدخل في حالة دفاع، وتتشاجر أحيانًا مع الصحافيين وترد وتغضب، لكنها تبقى حذرة جدًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع تقرير مراقب الدولة.
ويضيف شاي أن القاعدة كانت تقوم على قبول التقرير بخضوع نسبي: "رأينا، تلقينا، قرأنا، لدينا موقف مختلف عن المراقب، لكننا سنفحص ونصحح".
ويفترض بمراقب الدولة، رغم عدم امتلاكه صلاحيات تنفيذية، أن يراقب الحكومة والمؤسسة الأمنية والسلطات المحلية والشركات الحكومية وهيئات عامة أخرى.
وتستمر عملية التدقيق شهورًا طويلة قبل نشر التقرير في موعد محدد، لكنها لا تنتهي عند ذلك، إذ يتابع المراقب عبر "فحوص متابعة" للتأكد من معالجة ملاحظاته وانتقاداته.
لكن شاي يرى أن هذا النموذج ينتمي إلى "دولة سليمة ونظام عام حساس للنقد"، وليس إلى إسرائيل عام 2026.
ويقول إن الرقابة باتت "للزينة"، وتحولت إلى إزعاج بسيط يمكن إبعاده بحركة يد، لافتًا إلى أنه إذا تزامن نشر التقرير مع حدث إخباري كبير، فإن تقرير المراقب يُدفع إلى هامش التغطية ويختفي خلال 24 ساعة، وسط ارتياح الجهات التي خضعت للرقابة.
ويستعيد الكاتب عهد القاضي ميخا ليندنشتراوس، الذي تولى المنصب بين عامي 2005 و2012، واصفًا إياه بأنه مراقب مبادر ونشط، لم يكن ينتظر تحقيقات الصحافة، بل كان يفتح الملفات بنفسه ويراقب ما يجري في المجال العام ويقرر أين يتدخل.
واعتمد ليندنشتراوس، وفق المقال، مبادئ الرقابة في الوقت الحقيقي، ونشر أسماء الخاضعين للرقابة، وتحميل المسؤولية الشخصية، والمطالبة باستخلاص نتائج شخصية.
ويصفه شاي بأنه كان "رعب الخدمة العامة"، لأنه لم يتردد في تحميل مسؤولين كبار تبعات شخصية، وكان أصحاب المناصب يخشونه فعليًا.
أما خلفه، المحامي يوسف حاييم شابيرا، الذي تولى المنصب بين عامي 2012 و2019، فكان أكثر حذرًا وتجنبًا للتصريحات العلنية، لكنه واصل نشر تقارير تحدد بصورة صريحة المسؤولين عن الإخفاقات، بدل الاكتفاء بتعابير عامة من نوع "الوزارة" أو "الجهاز"، وهي تعابير تسمح، بحسب شاي، بإخفاء المسؤولين الحقيقيين تحت مظلة فضفاضة.
ومن هنا ينتقل الكاتب إلى نتنياهو، معتبرًا أن الأخير ضاق ذرعًا بمراقبي الدولة، ورأى فيهم جزءًا إضافيًا من "الدولة العميقة" التي يعتبر أنها تخوض حربًا ضده.
وبحسب شاي، اتبع نتنياهو مسارين في مواجهة ذلك: الأول تجاهل الانتقادات بعدما صنفها على أنها معادية، وبالتالي عدم تنفيذها، والثاني البحث عن "مراقب آخر".
وعندما انتهت ولاية شابيرا، وجد نتنياهو، بحسب المقال، فرصة لتعيين شخص ينسجم مع رؤيته، فاختار متنياهو إنغلمان، أول مراقب دولة لا يأتي من الجهاز القضائي، إذ لم يكن قاضيًا سابقًا ولا محاميًا.
ويرى شاي أن خبراته السابقة، رغم تنوعها، لم تكن تؤهله للمهمة الجديدة، لكن هذا لم يزعج نتنياهو، بل كان جزءًا من الرغبة في تقليص حجم هذا المنصب وإضعاف أحد حراس البوابة الذين، في نظره، تجاوزوا حدود قوتهم.
ويضيف أن المراقبين القادمين من المنظومة القضائية كانوا يعمّقون أصلًا صدام نتنياهو مع المحكمة العليا ويثيرون قلقه.
ويقول شاي إن إنغلمان "لم يخيّب أمل نتنياهو"، إذ أعلن منذ البداية أنه لا ينوي تحميل أصحاب المناصب مسؤولية شخصية أو نشر أسمائهم، أي التخلي عن إحدى أهم الأدوات التي امتلكها المنصب.
ورغم أن بعض تقاريره كان حادًا، فإنها، بحسب الكاتب، بقيت "مبتورة"، لأن الجمهور لم يكن يعرف من هم الأشخاص المعنيون وما إذا جرى محاسبتهم أو ستجري محاسبتهم لاحقًا.
وبحسب المقال، ضعفت بذلك أصداء تقارير مراقب الدولة، كما تراجع موقع المؤسسة في الوعي العام، فيما تخلص منها الجهاز العام براحة.
ثم جاءت أحداث 7 تشرين الأول، التي يقول شاي إنها هزت الدولة ومكتب مراقب الدولة أيضًا، ودفعت إنغلمان إلى الخروج جزئيًا من تحفظه وفتح تحقيقات مع طاقمه المهني حول الحرب والأنظمة المختلفة المرتبطة بها.
لكن الكاتب يعتبر أن هذه الخطوة لم تكن بريئة، بل خدمت نتنياهو لأنها ملأت، ولو ظاهريًا، الفراغ الكبير الناتج عن غياب لجنة تحقيق رسمية.
وبهذا، أصبح بإمكان نتنياهو القول، كما فعل أخيرًا: "ها هو المراقب يحقق".
لكن شاي يشدد على أن نتنياهو كان يعرف أن مراقب الدولة لا يملك لا الصلاحيات ولا القدرات لفحص التحركات العسكرية والسياسية التي سبقت الحرب، وهي، في رأيه، لبّ الأسئلة المطلوبة، وليس فقط ملفات الصحة النفسية ومراكز الصمود والضحايا، رغم أهمية هذه المواضيع.
وبحسب المقال، أدرك مسؤولون مثل رئيس الأركان هرتسي هليفي سريعًا هدف هذه التحقيقات، ولذلك امتنعوا عن التعاون، ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأنهم ينتظرون، بحسب شاي، لجنة تحقيق رسمية كما ينبغي.
أما إنغلمان، فدخل في مواجهة معهم وكشف ما وصفه بتجاهلهم، في خطوة يرى الكاتب أنها ساعدت رئيس الوزراء في معركته الناجحة حتى الآن لمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية.
لكن العقبة التالية أمام إنغلمان جاءت من المحكمة العليا في حزيران 2024.
وبحسب شاي، رفضت المحكمة مساواة "الرقابة" التي تدخل في صلاحيات مراقب الدولة بـ"التحقيق"، ورأت بوضوح أن محاولة إنغلمان ونتنياهو استبدال التحقيق الرسمي برقابة إدارية لم تكن خافية.
ويعتبر الكاتب أن المحكمة العليا فهمت أن الهدف الأبعد هو تجاوزها وتقليص قدرتها على تعيين لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول.
أما الفصل الأخير، بحسب شاي، فكان أكثر سوءًا، وهو "مهزلة انتخابات مراقب الدولة عام 2026" و"انتخاب" المحامي ميخائيل رافيلو.
ويرى الكاتب أن نتنياهو انتقل في هذه المرحلة خطوة إضافية نحو "القضاء" على المؤسسة، بعدما لم تعد هناك حتى محاولة للحفاظ على مظهر الحياد، بل جرت محاولة واضحة لانتخاب شخص من "جماعتنا".
ويشير إلى أن نتنياهو، كما فعل في الشاباك والموساد ومجلس الأمن القومي، وصل مستعدًا إلى هذا المنصب أيضًا، وهذه المرة عبر محاميه الشخصي رافيلو.
ويقول شاي إن ما كان يُعتبر سابقًا غير ممكن وغير منطقي وغير سليم من الناحية العامة أصبح واقعًا.
فقد جرى انتخاب رافيلو في اقتراع وصفه الكاتب بأنه "سري-علني"، بعدما دخلت كاميرات إلى خلف الستار داخل الكنيست، ما أدى إلى المساس بسرية التصويت.
وأبطلت المحكمة العليا انتخاب رافيلو، فيما طلب هو نفسه، بحسب الكاتب، إعادة الانتخابات وعدم اعتماد نتيجة الاقتراع السابق.
لكن الحكومة والكنيست عادتا إلى الصورة، إذ قرر رئيس الحكومة ورئيس الكنيست تأجيل تصويت جديد لاختيار مراقب الدولة.
ويخلص شاي إلى أنه في تشرين الأول 2026، لم يعد في إسرائيل نموذج ليندنشتراوس ولا نموذج شابيرا، وحتى نموذج إنغلمان نفسه لم يعد قائمًا.
ويكتب أن حتى الرقابة المعتدلة والمتسامحة التي مثلها إنغلمان لم يعد لها مكان، وأن المسار انتهى إلى نتيجة واحدة في نظره: "لا يوجد مراقب دولة في دولة إسرائيل".
وبين تقرير عن ثغرات أمن الطيران لم يُلتفت إليه، وصراع طويل على هوية من يراقب السلطة وكيف، يضع المقال انهيار مكانة مراقب الدولة ضمن مسار أوسع من إفراغ مؤسسات الرقابة من قدرتها على التأثير، وتحويلها من مصدر خوف للسلطة إلى مؤسسة تكاد لا يسمع أحد صوتها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي