حين تُرسم خرائط الصراع في المنطقة، تُرسم عادة على السطح: مضائق وسفن وموانئ وجبهات. لكن تحت هذه الخرائط خريطة أخرى لا تُرى، من ألياف ضوئية ممدودة في قعر البحر، عليها تعتمد المصارف والمطارات والحوسبة السحابية وحياة الناس اليومية. وفي زمن تتحول فيه هرمز وباب المندب إلى عناوين يومية، يصبح السؤال عن أمن هذه الكابلات سؤالاً سيادياً لا تقنياً.
ما الذي يمر تحت المضائق
تفيد المعطيات المنشورة بأن الكابلات البحرية تنقل نحو 99 في المئة من حركة البيانات الدولية، وأن نحو 1.4 مليون كيلومتر من الألياف تمتد تحت البحار. وفي منطقتنا تحديداً، يمر 15 كابلاً بحرياً عبر مضيق باب المندب، بحسب العربية. أما تقرير نشره موقع سعودي ونقلته الجزيرة نت، فيقول إن الحرب على إيران تهدد 17 كابلاً ممتداً بين الخليج وهرمز والبحر الأحمر وباب المندب، تحمل 80 في المئة من إجمالي الإنترنت العالمي. وهذا رقم منسوب إلى ذلك التقرير ويجب التعامل معه بحذر.
اختبار أيلول 2025
لم يبقَ الخطر نظرياً. ففي أيلول 2025 أعلنت مايكروسوفت انقطاع كابلات بحرية في البحر الأحمر، ما أدى إلى بطء في الإنترنت في آسيا والشرق الأوسط وعلى مسارات عبر المنطقة، وعزت منظمة نت بلوكس العطل إلى كابلي SMW4 وIMEWE قرب جدة. ومن اللافت أن الخبراء رجحوا أن السبب سفينة تجارية أسقطت مرساها وجرّته على الكابلات، لا هجوم متعمد، وأوضح أحدهم أن عمق الكابلات الضحل في البحر الأحمر يجعلها أكثر عرضة لذلك. لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف من استهداف الكابلات ضمن حملة الحوثيين في البحر الأحمر، بحسب أسوشيتد برس.
وفي سيناريو هرمز، يرى خبراء أن قطع الكابلات هناك لا يوقف الإنترنت بالكامل لكنه يرفع زمن الاستجابة والكلفة ويضغط على المال والمطارات والخدمات السحابية، مع خسائر قد تبلغ عشرات ملايين الدولارات يومياً في المنطقة العربية، وأن إصلاح الكابلات قد يستغرق أشهراً. وأشارت تقارير أخرى إلى أن الأثر الأكبر على الخليج مع إمكانية الاعتماد جزئياً على المسارات القادمة من البحر الأحمر. أي أن الخطر إقليمي لا عالمي، لكن المنطقة العربية هي الأكثر انكشافاً.
أين لبنان
لبنان شريك رسمي في كابل IMEWE منذ عام 2007 عبر أوجيرو، وفيه محطة الإنزال في طرابلس، ويربط الكابل الهند بأوروبا عبر المتوسط. وهذا الارتباط يجعل الأمن الرقمي اللبناني جزءاً من أمن الممرات التي نتحدث عنها. وللبلد تجربة قديمة موثقة: ففي عام 2012 تسبب عطل في الكابل قبالة الإسكندرية بانقطاع الإنترنت في لبنان أياماً، وتم تحويل الخدمة إلى كابل قبرص إلى أن أُصلح العطل، وقد ظهر يومها غياب التنسيق بين وزارة الاتصالات وأوجيرو، وكل طرف يحمّل الآخر المسؤولية.
قراءة تحليلية
هذه القراءة اجتهاد تحريري لا خبر.
الدرس الأول أن الكابلات ساحة أمنية صامتة. فمن يربط بين أمن هرمز وباب المندب وأمن البيانات يدرك أن أي تصعيد في الممرات المائية له كلفة رقمية، وأن لبنان ليس بعيداً عنها، لأن اقتصاده وخدماته الحكومية والمصرفية تعتمد على بنية لا يسيطر عليها.
الدرس الثاني أن التنوع هو الأمن. فلبنان لا يملك ترف الاعتماد على مسار واحد أو اثنين. وقد نشر النهار في أيار 2025 طرحاً يرى أن التحولات الإقليمية في قطاع الاتصالات، بدءاً من سوريا، قد تجعل من لبنان ممراً رقمياً موازياً لمسار الكابلات البحرية، عبر تمرير سعة IMEWE من لبنان إلى سوريا ومنها إلى العمق العربي. هذه فكرة تستحق الدرس، لأنها تحول موقع لبنان من متلقٍّ إلى عقدة عبور، وتربط ملف الاتصالات بالعلاقة الجديدة مع دمشق التي ناقشناها سابقاً.
الدرس الثالث إداري قبل أن يكون تقنياً. فقد أظهرت أزمة 2012 أن أخطر الثغرات ليست في قعر البحر بل في الغرف: وزارة ومؤسسة لا تتواصلان. وعليه، فإن أي خطة حماية يجب أن تبدأ بوضوح المسؤوليات.
ما المطلوب
جرد علني لما يصل لبنان من سعات وكابلات ومساراتها الاحتياطية. وخطة طوارئ مكتوبة لسيناريو انقطاع أحد الكابلات الرئيسية يعرف فيها كل طرف دوره. وتفاوض على مسارات بديلة مع الشركاء الإقليميين، وعلى رأسهم سوريا وقبرص. وتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بحماية الكابلات.
لن يُحسم أمن المنطقة في البر وحده. وحين تُذكر هرمز وباب المندب، يجب أن يُذكر معهما ما يمر تحتهما. وبلد يريد أن يكون جزءاً من المستقبل الرقمي لا يمكنه أن يبقى رهينة كابل واحد وتنسيق مفقود.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :