يستعد الذكاء الاصطناعي للتحول إلى أحد أقوى محركات النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى قدرته على رفع إنتاجية ما بين 13% و20% من الوظائف، بينما لا تتجاوز نسبة الوظائف المهددة بالأتمتة المباشرة حاجز الـ10% على المدى القريب.
أزمة أخرى تعرقل انتشار الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وهي “البيانات”، فبالرغم من وجود أكثر من 500 مليون ناطق باللغة العربية، إلا أنها تمثل أقل من 1% من بيانات التدريب المستخدمة في بناء النماذج المتقدمة عالمياً.
ولا تتوقف المشكلة عند حجم المحتوى، بل تمتد إلى ضعف تمثيل اللهجات الدارجة مقارنة بالفصحى، وهو تحدٍ تشارك فيه لغات إقليمية أخرى كالفارسية والأردية.
وتابع التقرير: “من هنا، تظهر أهمية المنطقة لا بوصفها سوقاً استهلاكية فحسب، بل بوصفها مصدراً غنياً بالبيانات المحلية والخبرات اللغوية التي تجعل هذه النماذج أكثر دقة وملاءمة للمجتمعات المحلية”.
مواهب التكنولوجيا تنجذب إلى الخليج
تنعكس هذه الفجوة على العنصر البشري أيضاً؛ فالكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي تنمو بالفعل، لكنها تتركز بشدة في دول الخليج. هذا الوضع يضع الاقتصادات متوسطة الدخل أمام خطر فقدان كفاءاتها لصالح الخليج أو الأسواق المتقدمة.
كما قد يتيح التفاوت الحالي فرصة للتعاون؛ فبينما تتفوق السعودية والإمارات في الحوسبة والبنية التحتية، تملك الاقتصادات متوسطة الدخل مخزوناً من المواهب والبيانات والخبرات القطاعية، فيما تستطيع الدول الأقل نمواً الاستفادة من أدوات جرى اختبارها وتكييفها بالفعل.
قال البنك الدولي في تقريره: “مشاركة البنية التحتية والبيانات اللغوية والبحوث العلمية يمكن أن تخفض تكلفة بناء منظومة إقليمية متكاملة للذكاء الاصطناعي بدلاً من العمل الفردي. كما أن التعاون في بناء نماذج لغوية محلية قد يساعد في سد فجوة البيانات التاريخية بشكل أسرع”.
أضاف: “المنافسة في المستقبل لن تقتصر على شراء أجهزة الحوسبة، بل ستكون على استقطاب العلماء والمهندسين والاحتفاظ بهم، القادرين على تحويل هذه الاستثمارات إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية”.
كما أن هناك عقبة أخرى تواجهها بعض اقتصادات المنطقة وتتمثل في ضعف الابتكار بالقطاع الخاص، فـ16% فقط من شركات المنطقة طرحت منتجاً أو خدمة جديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، مقارنة بـ29% في الاقتصادات الناشئة المماثلة حول العالم، ويضاف ذلك إلى مشكلات ضعف الاستثمار وغياب التدريب.
تنظيم الذكاء الاصطناعي عربياً
يحتاج نمو الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط أيضاً إلى أطر تنظيمية واضحة ومكيفة. وتظهر الفجوات التشريعية الحالية في غياب أطر حوكمة البيانات وقواعد المسؤولية القانونية وأخلاقيات الاستخدام، بحسب التقرير.
هنا يسلط البنك الضوء على مفهوم “الذكاء الاصطناعي الصغير”، وهي أدوات منخفضة التكلفة ومتطلباتها الحوسبية محدودة، مما يفتح الباب لاستخدامها في مجالات حيوية مثل الزراعة والصحة والخدمات العامة، خصوصاً في الدول التي تعاني قيوداً في البنية التحتية.
لفت البنك: “تكتسب المنطقة أهميتها من وجود قاعدة سكانية ضخمة وطاقات بشرية هائلة، لكنها تصطدم بنقص البيانات وفجوات المهارات وضعف الابتكار المؤسسي. إن تحويل الذكاء الاصطناعي من عناوين استثمارية إلى زيادة حقيقية في الإنتاجية يتوقف على مدى القدرة على سد أخطر 3 فجوات تمنع انتشار الذكاء الاصطناعي في المنطقة، وهي: توطين التكنولوجيا وعمق استخدامها وتوفير رأس المال البشري والمادي”.
اختتم: “السؤال الذي يتشكل الآن في الشرق الأوسط ليس: من يملك النماذج الأكبر؟ بل: من يستطيع استخدام هذه التكنولوجيا بأعلى كفاءة، ومن سيظل مجرد مستهلك لها؟”.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :