ايكون نيوز
يستيقظ لبنان اليوم على مشهدٍ تتداخل فيه خطوط النار: جنوبٌ ما زالت مواجهته مع الاحتلال الإسرائيلي هي الثقل الأكبر في المعادلة الداخلية، وجوارٌ إقليمي يدخل أسبوعه الأكثر حساسية منذ أشهر، حيث تصطدم واشنطن وطهران على أكثر من محور، وتتسع دائرة الاشتباك من غزة إلى اليمن مرورًا بمضيق هرمز.
في الجنوب، لا يمكن فصل ما يجري عن المناخ الأوسع. الضغوط العسكرية والسياسية على محور المقاومة مستمرة، والمحاولة الجارية ليست مجرد ضبط لوقف إطلاق نار هش، بل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك نفسها بحيث يُدار الجنوب وفق منطق أمني جديد يفرضه المحتل. وهذا بالضبط ما يجعل أي مقاربة داخلية تختزل الأزمة بملف أمني محلي عاجزة عن فهم حجم الخطر القادم من الخارج.
وفي الإقليم، دخل الملف الإيراني–الأمريكي مرحلة دقيقة. طهران تدرس الرد على المقترحات الأمريكية وتؤكد استعدادها لكل السيناريوهات، بينما تواصل واشنطن الضغط الدبلوماسي والعسكري معًا. والحركة المتزايدة في محيط مضيق هرمز، حتى مع عودة تدريجية للإمدادات عبر الممر الحيوي، لا تعني انتهاء خطر التصعيد بقدر ما تشير إلى أن الجميع يعدّ العدة لأسوأ الاحتمالات.
الأكثر دلالة أن تقارير إسرائيلية تحدثت عن استعداد الولايات المتحدة لإرسال قوات وطائرات إضافية إلى إسرائيل خلال الأسابيع المقبلة. هذه الخطوة، حتى لو جاءت في إطار تدوير القوات أو تعزيز منظومات الدفاع، تقول شيئًا واضحًا: واشنطن لا تعامل الهدوء الحالي بوصفه استقرارًا دائمًا، بل بوصفه نافذة زمنية قصيرة قبل موجة جديدة.
وفي فلسطين، أعلن الاحتلال إغلاقًا شاملًا على الضفة الغربية وإغلاق المعابر مع قطاع غزة بالتزامن مع ذكرى السابع من تشرين الأول. الغارات الأخيرة على مخيمات وأحياء سكنية أوقعت ضحايا مدنيين بينهم نساء، وهو تأكيد إضافي على أن آلة الحرب لم تتوقف وأن أي حديث عن ترتيبات إقليمية يبقى ناقصًا طالما بقيت غزة ساحة مفتوحة للقتل.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد التوتر في اليمن مع إعلان القوات الحكومية بدء ما سمتها "معركة التحرير"، فيما يجدد التحالف دعمه الميداني. هذا يفتح احتمال توسيع دائرة الاشتباك على جبهة إضافية في وقت لا تزال التداعيات الإيرانية–الأمريكية معلقة.
الصورة الكبرى باتت أوضح: المنطقة لا تتحرك نحو تسويات نهائية، بل نحو إعادة توزيع لأوراق القوة. إسرائيل تسعى لتثبيت نتائج حروبها وتحويل التفوق العسكري إلى وقائع سياسية دائمة، واشنطن تبني منظومة إقليمية تضمن أمن إسرائيل وتُخضع خصومها، وقوى المقاومة تعمل على منع تحويل الضغوط العسكرية إلى استسلام سياسي. دراسات حديثة تقرأ المشهد الإسرائيلي ضمن سياق "إعادة تأسيس" أوسع يعيد تعريف الأمن والتحالفات في المنطقة كلها.
وفي قلب كل ذلك، يقف لبنان أمام استحقاق دقيق: حماية البلد من الانزلاق إلى حرب مفتوحة، دون أن يعني ذلك التعامل مع الجنوب كملف منفصل عن الصراع مع الاحتلال. الدولة اللبنانية مطالبة بأن تكون جزءًا من الحل الإقليمي، لا طرفًا يُدار ملفه من الخارج.
المرحلة المقبلة تحتاج وضوحًا لا شعارات، وقراءة دقيقة لموازين القوى لا أوهام تسويات سريعة. فالمنطقة تدخل طورًا جديدًا، والذين لا يحسنون قراءة اتجاه الريح قد يجدون أنفسهم خارج المعادلة قبل أن يدركوا أن الخريطة تغيّرت.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :