ايكون نيوز
صور ليست فقط تلك المدينة التي نراها على اليابسة، بأعمدتها الرومانية ومدافنها ومضمارها التاريخي. تحت مياه المتوسط، وعلى مسافة قريبة من الشاطئ، يمتد وجه آخر للمدينة: جدران حجرية، منشآت قديمة، طرق وممرات وبقايا مرتبطة بمرافئ مدينة حكمت البحر يوماً.
وبعد الحرب التي أصابت صور ومواقعها الأثرية على اليابسة، عاد الغواصون إلى هذا العالم الغارق، ليكتشفوا خبراً جيداً وسط مشهد ثقيل: الآثار الموجودة تحت الماء تبدو، وفق المعاينات المتاحة، وقد نجت إلى حد كبير من الأضرار التي لحقت بالمواقع البرية.
صور الأخرى... تحت الماء
في تقرير ميداني حديث من المدينة، وثّقت وكالة أسوشيتد برس غواصين يعبرون فوق جدران ومنشآت وطريق مغمور تحت البحر.
وتؤكد اليونسكو أن جزءاً مهماً من البقايا الأثرية لصور موجود تحت الماء أصلاً. فالمدينة القديمة كانت في معظمها قائمة على جزيرة، قبل أن يغيّر الحاجز الذي أقامه الإسكندر المقدوني خلال حصاره لها عام 332 قبل الميلاد جغرافية المكان تدريجياً ويربط الجزيرة بالبر.
وهنا تكمن خصوصية صور: البحر الذي صنع قوتها التجارية وحمل بحّارتها إلى أنحاء المتوسط، يحتفظ اليوم بجزء من تاريخها.
مدينة صنعت تاريخ المتوسط
كانت صور واحدة من أعظم المدن الفينيقية، وامتدت شبكاتها التجارية والاستيطانية عبر البحر المتوسط، فيما ارتبط اسمها تاريخياً بالأرجوان وبنشوء مراكز ومدن فينيقية بعيدة، من بينها قرطاج وقادش.
وتصفها اليونسكو بأنها المدينة الفينيقية الكبرى التي «حكمت البحار»، وقد أُدرجت آثارها على قائمة التراث العالمي عام 1984.
لكن صيف 2026 وضع هذا الإرث أمام خطر مختلف.
فبعد استمرار العمليات العسكرية والأضرار التي لحقت بالموقع الأثري، قررت لجنة التراث العالمي في تموز إدراج صور على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر. القرار الرسمي يقول إن الأعمال العسكرية استمرت في تهديد الموقع وإلحاق الضرر به، وإن الشروط اللازمة لضمان حماية قيمته العالمية الاستثنائية لم تعد متوافرة.
وتؤكد اليونسكو أن الضربات خلال 2026 تسببت بأضرار إضافية في موقعي المدينة والبص، وأطلقت برنامجاً لتقييم الأضرار والمخاطر وتنفيذ إجراءات عاجلة لحماية العناصر الأثرية المهددة.
المفاجأة جاءت من البحر
في مقابل الضرر على اليابسة، قال يوسف الجندي، مدير مركز لبنان للغوص، بعد العودة إلى المواقع البحرية إن المخاوف كانت كبيرة على الآثار المغمورة أيضاً، لكن المعاينات أظهرت أنها لم تتضرر على غرار بعض المواقع البرية.
والمشهد يحمل مفارقة لافتة.
فوق الماء مدينة خرجت من الحرب مثقلة بالدمار، وتحت الماء بقيت حجارة عمرها آلاف السنين في مكانها.
لكن نجاتها من الحرب لا تعني أنها أصبحت آمنة.
علي بدوي، من المديرية العامة للآثار، يقول إن المواقع البحرية ليست محمية بالمستوى المطلوب، وإن تعديات تحصل أحياناً، فيما تعمل المديرية من خلال المسوحات والدراسات وعلى تطوير الأطر القانونية اللازمة لحمايتها.
وهذه ليست مشكلة مستجدة. ففي قرار يعود إلى عام 2013، طلبت لجنة التراث العالمي من لبنان النظر في إدخال الآثار البحرية ضمن حدود الموقع المحمي، إلى جانب إنشاء منطقة بحرية عازلة وتطوير خريطة أثرية شاملة للموقع.
من موقع أثري إلى متحف تحت البحر؟
الفكرة الأكثر إثارة التي تُبحث اليوم هي تطوير السياحة الأثرية البحرية وإنشاء متنزهات أثرية تحت الماء تتيح للزوار والغواصين مشاهدة أجزاء من تاريخ صور في مكانها الأصلي، بالتوازي مع توفير حماية أفضل لها.
وبحسب المديرية العامة للآثار، هناك توجه إلى توسيع الأبحاث والاستثمار في هذا النوع من السياحة.
وهنا يمكن أن تتحول الآثار المغمورة من كنز يعرفه المتخصصون والغواصون إلى جزء من مشروع إعادة الحياة الاقتصادية والسياحية إلى صور.
لكن المعادلة دقيقة: فتح البحر أمام السياحة من دون حماية قد يهدد الآثار نفسها، فيما يمكن للتنظيم العلمي للمواقع أن يجعل السياحة وسيلة لتمويل الحماية والتعريف بتاريخ المدينة.
صور لا تحتاج إلى أسطورة «مدينة كاملة غارقة» حتى تكون قصتها مدهشة.
الحقيقة الأثرية أقوى.
هناك بالفعل أجزاء مهمة من المدينة القديمة تحت البحر، وهناك جدران ومنشآت وطرق ومرافئ مرتبطة بتاريخ يمتد آلاف السنين، وهناك اليوم علماء وغواصون يعودون لتوثيقها وحمايتها.
بعد الحرب، تبحث صور فوق الأرض عن طريقها إلى الحياة.
أما تحت الماء، فما زالت حجارتها القديمة في مكانها... تحرس ذاكرة مدينة كان البحر يوماً مملكتها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :