قبور سليمة في غوبيكلي تبه... ماذا تخبرنا عن البشر الذين عاشوا قبل 11 ألف عام؟

قبور سليمة في غوبيكلي تبه... ماذا تخبرنا عن البشر الذين عاشوا قبل 11 ألف عام؟

 

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحفريات، قد تكون قبور بشرية عُثر عليها في غوبيكلي تبه مفتاحاً لحل واحد من أكثر ألغاز الموقع الأثري شهرة: لماذا كانت مئات القطع من العظام البشرية متناثرة داخل طبقات الردم في منشآته الحجرية الضخمة؟

دراسة علمية نُشرت في مجلة PLOS ONE في 22 أيلول 2026 كشفت عن أول مدفنين يحتفظان بدرجة كبيرة من تماسكهما في الموقع الواقع جنوب شرقي تركيا، ويعودان إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار B، تقريباً بين 8700 و8000 قبل الميلاد.

أحد المدفنين كان جماعياً داخل حفرة تشبه الكلية قُطعت في أرضية مبنى مستطيل. ووجد الباحثون فيه رفات ثلاثة أشخاص على الأقل، فيما أظهرت الدراسة أن الجماجم جُمعت في أحد جوانب القبر وأن أجزاء أخرى من الهياكل العظمية أُعيد ترتيبها داخله. 

أما المدفن الثاني، فاحتوى رفات امرأة شابة دُفنت في وضعية منثنية فوق طبقة من الحجارة. وكان هذا القبر قد ظهر للمرة الأولى عام 2012، لكنه أُغلق آنذاك بسبب ضيق الوقت قبل أن تُستكمل أعمال التنقيب فيه عام 2022. 

القصة لا تتوقف عند اكتشاف القبرين.

منذ بدء الحفريات في غوبيكلي تبه عام 1995، عُثر على مئات الأجزاء من العظام البشرية داخل ردم المنشآت الأثرية. وظل السؤال مطروحاً: هل نُقلت هذه العظام عمداً إلى المباني ضمن طقوس مرتبطة بالموت والأسلاف؟ أم أنها وصلت إلى هناك بفعل عوامل طبيعية؟ :chatgpt-content-reference{index="3"}

المدافن الجديدة تقدم الآن تفسيراً محتملاً.

فالعظام الموجودة داخل القبور أظهرت كسوراً وترسبات معدنية وآثار قضم من القوارض تشبه بدرجة لافتة ما ظهر على العظام المتناثرة سابقاً. ويرى الباحثان جوليا غريسكي ولي كلير أن بعض هذه العظام ربما كان مدفوناً أساساً في مناطق أعلى من التل، قبل أن تؤدي حركة التربة والانجراف إلى نقلها مع الرواسب نحو المنشآت الواقعة في الأسفل. 

لكن الباحثين لا يغلقون باب الطقوس الجنائزية.

فالدراسة تؤكد أن تفسير حركة التربة لا يستبعد وجود ممارسات أخرى مرتبطة بالموت والتعامل مع رفات الموتى، خصوصاً أن مجتمعات الأناضول في العصر الحجري الحديث عرفت أنماطاً متعددة للدفن والتعامل مع الأجساد. 

وهنا يصبح الاكتشاف أكبر من مجرد قبرين.

غوبيكلي تبه اشتهر عالمياً بمنشآته الحجرية الضخمة وأعمدته الجيرية المميزة. ولفترة طويلة، طغت صورة الموقع باعتباره مركزاً خاصاً للتجمعات والطقوس، لكن تراكم الأدلة جعل الفصل بين «المقدس» و«اليومي» في الموقع أقل وضوحاً. وجود مدافن داخل هذا السياق يضيف عنصراً جديداً إلى النقاش حول طبيعة الحياة التي دارت هناك.

والمثير أن غوبيكلي تبه يعود إلى واحدة من أهم لحظات التحول في التاريخ البشري. فقد أُنشئت منشآته على مراحل بين نحو 9600 و8200 قبل الميلاد، في زمن كانت فيه مجتمعات المنطقة تمر بتحولات عميقة في الاستقرار والتنظيم الاجتماعي وطرق الحصول على الغذاء.

 

لذلك لا تخبرنا القبور عن الموت وحده.

إنها تفتح نافذة على المجتمع نفسه: أين عاش أفراده؟ كيف تعاملوا مع موتاهم؟ هل ظلت الجثامين في مواضعها أم أُعيد ترتيبها لاحقاً؟ وما العلاقة بين المباني الضخمة والحياة اليومية والذاكرة الجماعية؟

والأهم أن الدراسة الجديدة تدعو إلى الحذر من الرواية المبسطة التي تختزل غوبيكلي تبه في «أقدم معبد في العالم». الأدلة الأثرية ترسم مكاناً أكثر تعقيداً، اجتمعت فيه العمارة الضخمة والحياة البشرية والموت والطقوس خلال مرحلة مفصلية من تاريخ الإنسان.

بعد أكثر من 10 آلاف سنة، لم تعد عظام غوبيكلي تبه مجرد بقايا صامتة.

قبران فقط بدآ بإعادة ترتيب قصة المكان كله.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي