من نيويورك إلى صور... لبنان يستعيد ذاكرته المسروقة

من نيويورك إلى صور... لبنان يستعيد ذاكرته المسروقة

ايكون نيوز

 

ليست كل معارك لبنان على الحدود. ثمة معركة أخرى تُخاض بصمت بين المتاحف ودور المزادات وأجهزة التحقيق والملفات القانونية، عنوانها استعادة آثار خرجت من البلاد بصورة غير مشروعة، بعضها قبل عقود، قبل أن تظهر فجأة على بعد آلاف الكيلومترات من موطنها الأصلي.

آخر الفصول بدأ من صور وانتهى، مؤقتاً، في نيويورك.

فقد استعاد لبنان ثلاث قطع من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني، بعدما ضبطت في الولايات المتحدة وأعيدت إلى السلطات اللبنانية خلال مراسم أقيمت في نيويورك في الثاني من أيلول. ويعود تاريخ القطع إلى القرنين الثاني والثالث للميلاد، فيما تشير خصائصها الفنية والتقنية إلى ارتباطها بورش صناعة التوابيت التي اشتهرت بها مدينة صور.

وتقول وزارة الثقافة – المديرية العامة للآثار إن القطع هُرّبت بصورة غير شرعية من صور، وإن استعادتها جاءت نتيجة متابعة لبنانية وتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي .

لكن اللافت في القضية هو الطريقة التي عادت بها القطع إلى الضوء.

فبحسب وزير الثقافة غسان سلامة، ظهرت القطع في كتالوغات مبيعات تابعة لدار متخصصة في بيع الآثار، قبل أن تتحرك المديرية العامة للآثار لمتابعتها مع السلطات الأميركية. وتقول الوزارة إن التشابه بينها وبين نماذج عُثر عليها في مدفن روماني في دبعال، على مسافة نحو 14 كيلومتراً جنوب شرقي صور، عزز الأدلة على أصلها اللبناني. 

القضية تكشف إحدى الطرق التي يمكن أن تسلكها القطعة الأثرية المنهوبة: تبدأ بحفر غير شرعي، ثم تخرج من البلاد، وتنتقل بين مالكين أو تجار، قبل أن تظهر بعد سنوات في سوق دولية للآثار. وعندها تبدأ معركة مختلفة تماماً: إثبات المنشأ والملكية وكيفية خروج القطعة من بلدها.

ولهذا قد تستغرق عمليات الاسترداد سنوات، إذ تحتاج إلى أدلة أثرية وقانونية وتعاون بين الدول المعنية. والتقرير المنشور اليوم حول ملف التراث اللبناني يشير إلى أن بيروت تتعامل مع الاسترداد كمسار طويل يقوم على التعاون والمعاملة بالمثل، ولا يقتصر على القطع اللبنانية الموجودة في الخارج، إذ يعمل لبنان أيضاً على إعادة ممتلكات ثقافية تعود إلى دول أخرى عندما يثبت وجودها لديه. 

لكن القصة لا تنتهي عند الآثار التي غادرت لبنان.

فالجنوب نفسه يحتضن مخزوناً أثرياً ضخماً يتعرض اليوم لمخاطر مختلفة. ومن أبرز عناصره قلاع جبل عامل الخمس: الشقيف، تبنين، الدوبية في شقرا، دير كيفا وشمع. وتصف اليونسكو هذه المواقع بأنها شبكة دفاعية وإدارية متكاملة تطورت عبر قرون، وحملت آثار مراحل تاريخية متعاقبة من الصليبيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين والحكام المحليين. 

وهكذا تبدو المفارقة قاسية: لبنان يلاحق في نيويورك قطعة خرجت من أرضه قبل سنوات، بينما يحاول في الوقت نفسه حماية ما بقي فوق أرضه.

إنها ليست معركة حجارة وتوابيت وقلاع فحسب.

فالقطعة الأثرية التي تُنتزع من موقعها تفقد جزءاً من قصتها، والبلد الذي يفقد آثاره لا يخسر مقتنيات يمكن عرضها في متحف فقط، بل صفحات أصلية من ذاكرته.

ولهذا فإن عودة ثلاث قطع صغيرة من نيويورك قد تبدو حدثاً ثقافياً محدوداً، لكنها تحمل معنى أكبر:

ما خرج من لبنان ليس بالضرورة قد خرج إلى الأبد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي