لم يعد الحديث عن رحيل «اليونيفيل» احتمالاً بعيداً. قرار مجلس الأمن 2790 مدّد ولاية القوة للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ وتبدأ عملية انسحاب منظمة وآمنة تمتد حتى نهاية 2027. وبالتالي فالأدق الحديث عن بدء الانسحاب نهاية هذا العام، لا خروج جميع القوات دفعة واحدة.
لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً مع استمرار العمليات العسكرية في الجنوب هو: ماذا سيبقى على الأرض عندما تبدأ القوة الدولية بإخلاء مواقعها؟
اليونيفيل ليست مجرد جنود بقبعات زرقاء. تنتشر حالياً بأكثر من 7500 عنصر من نحو 50 دولة في قرابة 50 موقعاً، وأكثر من نصف هذه المواقع أصبح، وفق تقرير ميداني لرويترز، داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. وتؤدي القوة أدواراً تشمل مراقبة الوضع، حفظ سجلات مرتبطة بالخط الأزرق، تسهيل وصول جهات أممية وإنسانية، إضافة إلى قنوات اتصال ساهمت تاريخياً في احتواء الاحتكاكات.
والخطر لا يتعلق بالشق العسكري وحده. رويترز وثقت من داخل المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية أن اليونيفيل باتت تؤمّن مرافقة قوافل وتساعد في إبقاء صلة بعض البلدات ببقية لبنان. وفي رميش، حيث لا يزال نحو ستة آلاف شخص، عبّر سكان عن خشيتهم من أن يؤدي رحيل القوة إلى زيادة عزلتهم وصعوبة إدخال المواد الأساسية.
من هنا بدأت معركة دبلوماسية حول «اليوم التالي». رئيس الحكومة نواف سلام نقل الملف إلى نيويورك، مؤكداً خلال لقاءاته ضرورة تجنب أي فراغ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، ومشدداً على أن لبنان يحتاج إلى استمرار وجود دولي في الجنوب بالتوازي مع تعزيز قدرات الجيش اللبناني.
أما قرار مجلس الأمن نفسه، فيضع الجيش اللبناني في قلب المرحلة الانتقالية: مواقع اليونيفيل يفترض أن تُسلّم بالتنسيق مع الدولة والجيش، والهدف المعلن أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب. كما طلب القرار البحث في ترتيبات مستقبلية لمراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش بعد انسحاب اليونيفيل.
وهنا تكمن العقدة: انتقال عشرات المواقع والمسؤوليات إلى الجيش يجري في وقت يشهد فيه الجنوب عمليات عسكرية واحتلالاً لمناطق لبنانية ونزوحاً واسعاً. لذلك فإن المسألة ليست ببساطة استبدال راية الأمم المتحدة بالعلم اللبناني فوق المواقع، بل تأمين القدرة البشرية واللوجستية والمالية للجيش كي يتولى مسؤوليات إضافية في بيئة ميدانية شديدة التعقيد.
ولهذا يتحول ملف «ما بعد اليونيفيل» إلى واحد من أخطر ملفات الجنوب في الأشهر المقبلة: مَن سيراقب الخط الأزرق؟ مَن سيؤمّن الحضور الدولي الميداني؟ وكيف ستُنقل المواقع والمسؤوليات إلى الجيش من دون أن تنشأ فجوة أمنية في مرحلة لا تزال فيها الأرض نفسها ساحة مواجهة؟
هذه ليست قصة رحيل قوة دولية عمرها قرابة نصف قرن فحسب… إنها قصة شكل الجنوب في اليوم التالي لرحيلها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :