ايكون نيوز
أن تُسأل هل تُفنى.. وأنت الطرف الذي طلب التفاوض
يجلس رئيس أقوى دولة في العالم أمام الصحافة ويسأل نفسه علناً، كمن يخيّر بين طبقين على المائدة: هل أذهب وأُفني النظام في طهران أم لا؟ ثم يضيف أن كل شيء وارد معه. لا يستوقف هذا الكلام كثيرين اليوم، وذلك بحد ذاته هو الجريمة الصغرى في هذه الحرب: أن يصير التلويح بإفناء حكومة دولة ذات سيادة عادةً لغوية تمرّ بلا سؤال.
من بدأ الحرب؟
لنتذكّر ما يُراد للذاكرة أن تنساه. هذه الحرب لم تنزل من السماء. بدأت في 28 شباط بضربات أميركية وإسرائيلية داخل إيران، ودخلت شهرها السابع. وفي هذه الأشهر أُطبق حصار بحري على الموانئ الإيرانية وشُدّدت العقوبات، أي أن اقتصاد بلد كامل وُضع تحت الخنق. ثم يخرج علينا من بدأ الحرب وحاصر الموانئ ليقدّم تردده في «الضربة الكبرى» كأنه حلم وسماحة، وليطلب من الجميع أن ينتظروا قراره.
ماذا تطلب طهران؟
أعلنت إيران، عبر الوسيط القطري، شروطها لبدء التفاوض: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، والإفراج عن أموالها المجمدة، ورفع الحصار البحري. تأمّلوا القائمة. ليست فيها غنائم ولا أراضٍ ولا إذلال لأحد. هي عودة إلى ما قبل الحرب، وإعادة مال يعود إلى أصحابه. ومن يسمّي هذا «شروطاً تعجيزية» عليه أن يخبرنا: كم من الشروط المعقولة يبقى حين يصير الكف عن القصف والحصار ثمناً يُدفع؟
وإذا كانت إيران قد مدّت يدها عبر الدوحة، فإن ما تلقّته في المقابل هو لغة الإفناء، ثم عودة رئيس مستعجلة من منتجعه في مشهد أقرب إلى المسرح منه إلى السياسة. وقد ذكّرنا الأميركيون قبل أشهر بأن استنفارهم لا يعني حسماً، فهو ورقة ضغط تُلوَّح ثم تُطوى. فمن يعلن الاستنفار كل مرة ليفاوض تحت ظله، هل يفاوض حقاً أم يبتزّ؟
الخليج ليس ديكوراً
وثمة درس آخر لا يقل أهمية. فقد أوقف ترامب هجماته الكبرى منذ آب بعدما حذّره حلفاء خليجيون من ضربات قد تطال منشآت الطاقة السعودية. أي أن ما كبح الآلة الأميركية لم يكن رحمة واشنطن، بل خوف جيران إيران من الثمن. وهذا الثمن سيُدفع إن استؤنفت الحرب في القواعد والناقلات وآبار النفط، لا في نيويورك ولا في واشنطن.
فما الذي يريد ترامب أن يسمعه الثلاثاء من قادة الخليج؟ إن كان يبحث عن غطاء لحرب لن يتحمّل هو كلفتها، فعلى هؤلاء القادة أن يسألوا أنفسهم: من يدفع الفاتورة حين ينتهي العرض؟
ما يعرفه لبنان وتعرفه المنطقة
نحن في هذه المنطقة نعرف الحروب التي تبدأ بجملة في مقابلة وتنتهي بمدن مهدّمة وأجيال مثقلة. ولبنان، الذي يظهر اسمه في قائمة التحذيرات الأميركية لرعاياها، يعرف أن الكلفة تُحسب دائماً على الأضعف في الجغرافيا. وإن كان في العالم من يؤمن بأن الضربة الشاملة ستُنهي الصراع، فتاريخ المنطقة يقدّم له مئة دليل على العكس.
الطريق العاقل معروف، وقد فتحته طهران بنفسها: وقف الحرب، ورفع الحصار، وطاولة تفاوض لا يُرفع فوقها سيف. أما البديل فليس «حسماً» بل مغامرة تحرق المنطقة وتضرب اقتصاد العالم، ولن تنجو منها حتى العواصم التي تظن نفسها بعيدة. والسؤال الذي على واشنطن أن تجيب عنه قبل الثلاثاء ليس: هل نُفني؟ بل: ولماذا لا نفاوض أصلاً؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :