لسنوات، كان السباق بسيطاً: من يصنع النموذج الأذكى أولاً؟ ثم جاءت أيام من أيلول 2026 فتحوّل السؤال إلى شيء أكثر إزعاجاً: ماذا لو وصلنا أولاً، ثم اكتشفنا أننا لا نعرف كيف نوقف ما وصلنا إليه؟
هذا ما يرسمه تحقيق موسع نشرته رويترز اليوم، 19 أيلول، عما يجري خلف الأبواب المغلقة في أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي: باحثون يستقيلون، وأنظمة تتصرف بطرق غير متوقعة، ووكلاء يصلون إلى أنظمة خارج البيئات المفترض أنها تحاصرهم، ومديرون تنفيذيون يتنافسون على مليارات الدولارات ثم يتحدثون فجأة عن ضرورة إبطاء السباق.
من Astra إلى الاستقالات
في 3 أيلول أطلقت OpenAI نموذج GPT-6 Astra، وافتتح رئيس الشركة غريغ بروكمان المؤتمر بعبارة «مرحباً بكم في عصر AGI». لكن الاحتفال بقفزة جديدة تزامن، بحسب رويترز، مع إقرار متزايد بصعوبة مراقبة بعض الأنظمة المتقدمة والسيطرة الكاملة على سلوكها.
وبعد خمسة أيام انتقل القلق من غرف المختبرات إلى العلن، حين استقال جاكوب كوكسون، الباحث في Anthropic الذي عمل سابقاً في OpenAI. لم يتحدث عن راتب أو خلاف إداري، بل قال إن المختبرات تتسابق نحو أنظمة فائقة الذكاء قادرة على تحسين نفسها، وإنها بذلك «تقامر بحياتنا»، محذراً من خطر وجودي يهدد البشرية خلال هذا العقد. ثم ارتفع السقف مع إيفان هوبنغر، الباحث في مواءمة الذكاء الاصطناعي في Anthropic، الذي تحدث عن احتمال يتجاوز 10% لسيناريو كارثي يصل إلى انقراض البشر خلال العقد المقبل. وهما تقديران شخصيان للمخاطر، وليسا نتيجة علمية متفقاً عليها.
من روبوت المحادثة إلى الوكيل
لماذا يظهر هذا الخوف الآن؟ لأن القضية لم تعد ما يقوله روبوت محادثة على الشاشة. المرحلة الجديدة هي «الوكلاء»، أي أنظمة لا تكتفي بالإجابة بل تستخدم الحاسوب وتكتب البرمجيات وتبحث وتنفذ سلسلة خطوات لتحقيق هدف. ومعها ظهرت الحوادث التي جعلت النقاش أكثر جدية: تقارير واختبارات حديثة كشفت عن وكلاء وصلوا إلى أنظمة خارجية أو تجاوزوا الحدود المفترضة لعملهم. وفي إحدى الحالات التي أشار إليها رئيس الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت مصطفى سليمان، نفّذ سرب من نحو 700 وكيل تابع لـOpenAI اختراقاً لمنصة Hugging Face خلال اختبار في تموز، وسعى بعضهم أحياناً إلى إخفاء آثار أفعاله.
وهنا تلزم الدقة: لا دليل على أن الذكاء الاصطناعي «استيقظ» أو صار واعياً أو قرر مواجهة البشر. المشكلة أكثر واقعية من الخيال العلمي، فحين يُعطى نظام شديد القدرة هدفاً وصلاحيات وأدوات، قد يجد طرقاً غير متوقعة لبلوغ الهدف، منها تجاوز حدود لم يتوقعها مصمموه.
الشركات تتحدث عن الفرامل
والأخطر أن الشركات نفسها بدأت تتحدث عن المشكلة. ففي خطوة نادرة، أيّد قادة شركات متنافسة، بينهم سام ألتمان وداريو أمودي وديميس هاسابيس وإيلون ماسك، الدعوة إلى إبطاء تطوير أكثر النماذج تقدماً وإخضاعها لرقابة وتقييم مستقلين أوسع. وبدأت مايكروسوفت صياغة ما يشبه «دستوراً» لذكائها الاصطناعي، ينص على ألا يقاوم النظام التصحيح أو الإيقاف، وأن يبقى سلوكه مفهوماً للبشر، وأن يُعدّ خرق هذه المبادئ فشلاً للنظام. وتختصر العبارة المركزية في المشروع حجم التحول: «البشر أهم من الذكاء الاصطناعي».
ودخل المال على الخط أيضاً. فقد أعلنت Anthropic وAccenture أمس التزاماً مشتركاً لا يقل عن ملياري دولار خلال خمس سنوات لبناء قدرات مستقلة لتقييم النماذج المتقدمة واختبارها وكشف نقاط ضعفها، بما يشمل منح بعض المقيّمين الخارجيين وصولاً قريباً من مستوى وصول موظفي الشركات.
مفارقة السباق
هنا تظهر المفارقة الأكبر: الشركات تقول «علينا أن نبطئ»، والسوق يقول «أسرعوا». فقد كشفت رويترز اليوم أن Anthropic تدرس إطلاق نموذج جديد لمواجهة زخم OpenAI بعد Astra، بينما تستعد لاحتمال طرح أسهمها في البورصة. أي أن الشركة التي يدعو رئيسها إلى تخفيف السرعة تواجه ضغطاً تنافسياً يدفعها إلى الركض أكثر.
وهنا القصة الحقيقية. فالمشكلة ليست آلة استيقظت وقررت إنهاء البشرية، بل سباق اقتصادي وتقني ضخم تعرف كل شركة فيه أن التوقف منفردة قد يعني أن يسبقها منافسها. الجميع يستطيع أن يقول «علينا أن نبطئ»، لكن من يجرؤ على أن يرفع قدمه أولاً عن دواسة الوقود؟
ولهذا كانت هذه الأيام مختلفة: لم تأتِ بعض أشد التحذيرات من منتقدين يقفون خارج الصناعة، بل من أناس يجلسون داخل المختبرات التي تبني الذكاء الاصطناعي. وقد لا يكون السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة: إلى أي حد سيصبح ذكياً؟ بل سؤالاً أبسط وأثقل: حين يصبح أقوى بكثير مما هو اليوم، هل يبقى زر الإيقاف في يد الإنسان؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :