بريطانيا مهدة بالانقسام لكن إسكتلندا وويلز بلا طريق واضح للانفصال

بريطانيا مهدة بالانقسام لكن إسكتلندا وويلز بلا طريق واضح للانفصال

قبل أيام ضرب زلزال سياسي المملكة المتحدة، عندما أعلنت الأقاليم الثلاثة، ويلز وإسكتلندا وإيرلندا الشمالية، التي تشكل المملكة مع إنجلترا، توقيع مذكرة تفاهم تطالب بحق تقرير المصير في شأن الاستقلال، مما يعني انهيار نظام وستمنستر وتفكيك المملكة، إذ نصت الوثيقة بوضوح على أنه "لا يحق لأي حكومة في وستمنستر (أي الحكومة البريطانية) عرقلة الديمقراطية أو تقويض المبدأ القائل إن شعوبنا هي التي ستقرر مستقبلها". 

 
والوثيقة التي وقّعها قادة الأحزاب القومية في الأقاليم الثلاثة، جون سويني زعيم "الحزب الوطني الإسكتلندي"، ورِين أب يورويث زعيم حزب "بلايد كامرو" في ويلز، وكل من ماري لو ماكدونالد وميشيل أونيل، رئيستا حزب "شين فين" الإيرلندي الشمالي المؤيد للوحدة، لا تقدم خريطة طريق للانفصال، بل صيغت بعبارات عامة، ولم يوقّع الأطراف الثلاثة على الوثيقة بصفتهم الرسمية كرؤساء للحكومات المفوضة في أقاليمهم، بل بصفتهم زعماء لأحزاب مؤيدة للاستقلال، مما يعني أن الوثيقة لا تُعد اتفاقاً حكومياً رسمياً، وإنما إعلان نيات يحدد تطلعاتهم في شأن التعاون المستقبلي.
 
مسار إيرلندا الشمالية
ثمة اختلافات عدة بين حركات الاستقلال في الأقاليم الثلاثة، أهمها غياب مسار سياسي وقانوني واضح لاستقلال إسكتلندا أو ويلز، على نقيض ما هو لدى إيرلندا الشمالية، التي يحكم علاقتها بالمملكة المتحدة "اتفاق الجمعة العظيمة"، الذي وقعّه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بليز عام 1998، ضمن اتفاق تاريخي للسلام في إيرلندا الشمالية، بعد عقود ثلاثة من العنف الطائفي، ويُلزم وزير الدولة لشؤون إيرلندا الشمالية بإجراء استفتاء حدودي، "إذا بدا له في أي وقت أن من المرجح أن تعرب غالبية الناخبين عن رغبتها في ألا تظل إيرلندا الشمالية جزءاً من المملكة المتحدة، وأن تصبح جزءاً من إيرلندا موحدة
ووفق موقع "مكتبة مجلس العموم البريطاني"، فقد فشلت محاولات أمام المحاكم لتوضيح الآلية التي يمكن من خلالها الدعوة إلى ما يُعرف عادة بـ "استفتاء الحدود"، وفي حين يمكن لوزير الدولة أن يدعو إلى الاستفتاء، إذا بدا له أن من المرجح أن تؤيد الغالبية توحيد إيرلندا، لكن مشكلة قانونية قد تنشأ في شأن الآلية التي يمكن للوزير من خلالها أن يصل إلى هذا الاستنتاج.
 
وتشير صحيفة "فايننشال تايمز" إلى نقاش واسع يدور حول كيفية تحديد متى يتحقق شرط أن "يبدو مرجحاً"، استيفاء متطلبات إجراء الاستفتاء الحدودي، ونظراً إلى أن عدداً قليلاً جداً من مؤسسات استطلاع الرأي، يجري مسوحات منتظمة للناخبين في إيرلندا الشمالية، ولأن الدعم المتزايد للأحزاب التي ليس لديها موقف ثابت حول المسألة الدستورية، يعني أن نتائج انتخابات "ستورمونت" (المجلس التشريعي لإيرلندا الشمالية) قد لا توفر مؤشراً واضحاً أيضاً، فقد ظل الوزراء المتعاقبون يدرسون، وسيواصلون درس، العوامل التي قد تؤثر في قرار وزير الدولة لشؤون إيرلندا الشمالية.
 
ويظل القرار القانوني في شأن الاستفتاء بيد وزير الدولة لشؤون إيرلندا الشمالية، الذي عليه أن يقرر ما إذا كانت الظروف ترجّح أن تؤيد الغالبية الاستقلال عن المملكة المتحدة، والوحدة مع إيرلندا. 
 
غياب المسار لإسكتلندا وويلز
في المقابل، لا يوجد وضع مماثل بالنسبة إلى الحزب "الوطني الإسكتلندي" أو حزب "بلايد كيمرو" في ويلز، وتتمثل مشكلة "الوطني الإسكتلندي" في شقين، أولهما أن نسبة تأييد الاستقلال لا تزال منقسمة بالتساوي تقريباً، بحسب نتائج استطلاعات الرأي، إذ أظهر أحدث استطلاع أجرته مؤسسة "إيبسوس" أن نسبة تأييد الاستقلال تبلغ 48 في المئة، في مقابل 52 في المئة للوضع الراهن، أما ثانيهما غياب مسار واضح لإجراء استفتاء آخر. 
 
وبموجب "اتفاق إدنبرة" لعام 2012، فقد اتفقت الحكومتان الإسكتلندية والبريطانية على تمكين إسكتلندا من إجراء استفتاء على الاستقلال قبل نهاية عام 2014، وذلك عبر إصدار أمر بموجب المادة (30) من قانون إسكتلندا لعام 1998، بما يمنح البرلمان الإسكتلندي الصلاحية القانونية اللازمة لتنظيم الاستفتاء، وبناء عليه أقرّ البرلمان التشريع الخاص بالاستفتاء الذي أجري عام 2014، وصوّت 55 في المئة مقابل 45 في المئة من الناخبين لمصلحة البقاء جزءاً من المملكة المتحدة.
وفي عام 2022، قضت المحكمة العليا للمملكة المتحدة بأن البرلمان الإسكتلندي لا يملك من تلقاء نفسه صلاحية سنّ قانون لإجراء استفتاء جديد على الاستقلال، مما يعني أن إجراء استفتاء قانوني يتطلب موافقة أو تفويضاً من السلطات البريطانية المتخصصة، على رغم أن تقرير "لجنة سميث" الذي أُعد بعد استفتاء عام 2014، أكد في سياق تعزيز صلاحيات إسكتلندا أن ترتيبات نقل السلطات لا تحول دون أن تصبح إسكتلندا دولة مستقلة مستقبلاً، إذا اختار شعبها ذلك.
 
ووفق مراقبين، فإن الطريق نحو استقلال إسكتلندا يكمن فعلياً في رفع نسبة التأييد للاستقلال، لتصل باستمرار إلى حوالى 60 في المئة في استطلاعات الرأي، وهذا من شأنه أن يفرض واقعاً جديداً على الأرض، ويقول الكاتب البريطاني ستيفن بوش إن "أهمية القمم التي تبرم فيها الحكومة الإسكتلندية اتفاقات للعمل نحو الاستقلال، تكمن في أنها تمنح السياسيين المعتدلين في الحزب 'الوطني' الإسكتلندي، مثل جون سويني، مساحة سياسية أكبر، لتجنب التورط في مناورات مثيرة للجدل، وغير مجدية انتخابياً لمحاولة تحقيق الاستقلال عبر مسارات بديلة". 
 
لا دعم شعبياً للاستقلال في ويلز
وفي ويلز، الواقعة في الجانب الغربي من بريطانيا، يبدو مسار الاستقلال أكثر تعقيداً، إذ يعمل نظام الحكم المفوض هناك وفق نموذج الصلاحيات المحفوظة، أي أن البرلمان الويلزي يستطيع التشريع في المجالات التي لم يحتفظ بها البرلمان البريطاني لنفسه، وفي المقابل تظل المسائل المتعلقة باتحاد ويلز وإنجلترا، فضلاً عن الجوانب المرتبطة بالاتحاد الدستوري للمملكة المتحدة، ضمن اختصاص البرلمان البريطاني.
 
ولا يتوفر في قانون حكومة ويلز لعام 2006 آلية مماثلة لتلك الموجودة في قانون إيرلندا الشمالية، تسمح للسلطات الويلزية بالدعوة من جانبها إلى استفتاء يقرّر الانفصال، وإذا أرادت ويلز إجراء استفتاء قانوني على الانفصال، فستحتاج إلى الحصول على صلاحية من البرلمان البريطاني.
 
وأظهرت استطلاعات الرأي تاريخياً أن غالبية سكان ويلز يعارضون الانفصال عن المملكة المتحدة، غير أن المشهد السياسي شهد تحولاً في مايو (أيار) الماضي، حين تولى حزب "بلايد كيمرو" المؤيد للاستقلال السلطة للمرة الأولى، وفي حين نجح زعيم الحزب، ورين أب يورويث، في تحويل الحملة الانتخابية إلى ما يشبه الاستفتاء حول التخلص من حكومة حزب "العمال" المنهكة في البرلمان الويلزي، ومنع حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني من الدخول، فإنه حظى بثقة الناخبين من خلال طمأنتهم بأن تشكيل حكومة بقيادة حزب "بلايد كيمرو" لا يعني الاندفاع نحو الاستقلال، ومن ثم فإن القفز بخطى سريعة نحو العمل على الانفصال بوتيرة الحزب "الوطني الإسكتلندي" نفسها، تجعله يخاطر بالناخبين الذين منحوه أصواتهم.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي