ليليان عبد الخالق – باحثة في العلوم السياسية
لم تكن «تلة العباد» في العديسة، قبل أن تدخل في دائرة النزاع حول هويتها التاريخية والدينية، سوى تلة يعرفها أهل الجنوب بمقام «الشيخ العباد»، حيث تختلط الذاكرة المحلية بالدين والتاريخ. ثم ظهرت روايات وقراءات إسرائيلية نسبت الموقع إلى «راب آشي»، أحد كبار حاخامات العصر التلمودي، فتحوّل المكان في خطاب آخر من مقام إسلامي إلى موقع ذي دلالة يهودية. ليست المسألة هنا في حسم هوية عظام لم يعد التاريخ قادراً على استنطاقها، بل فيما يكشفه النزاع نفسه: من يملك حق تعريف المكان يملك، تبعاً لذلك، حق منح الحجر تاريخاً جديداً.
تلك هي الآلية التي تتكرر أحياناً في أكثر صورها اختصاراً: نص، ثم تفسير، ثم تسمية، ثم مطالبة بالمكان.
النص موجود، ولسنا بحاجة إلى اختلاقه. ففي أسفار العهد القديم ترد تصورات متعددة للحدود والأرض؛ بعضها يمتد من «نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات»، وبعضها يرسم حدوداً مختلفة، فيما يرد لبنان في مواضع أخرى بوصفه جزءاً من المجال الجغرافي الذي تتحرك فيه الرواية التوراتية. وفي سفر يشوع، الإصحاح الثالث عشر، يرد ذكر «كل لبنان نحو شروق الشمس من بعل جاد تحت جبل حرمون إلى مدخل حماة»، ضمن الأراضي التي لم تكن قد خضعت، وفق الرواية، لبني إسرائيل.
لكن القراءة السياسية الحديثة لهذه النصوص لا ينبغي أن تخفي حقيقة أساسية: النصوص نفسها ليست خريطة سياسية حديثة، ولا تقدم تصوراً واحداً وثابتاً للحدود. فبين الفرات ومدخل حماة وصيدون وغيرها من التخوم، تظهر جغرافيات متعددة تشكلت في طبقات تاريخية ونصية مختلفة. لذلك فإن الانتقال من نص ديني قديم إلى ادعاء سيادي معاصر ليس انتقالاً تلقائياً، بل هو فعل تأويلي وسياسي تختلط فيه العقيدة بالتاريخ والهوية والمشروع القومي.
وهنا يصبح ضرورياً التمييز بين أمور غالباً ما تُدمج في خطاب واحد: النص التوراتي شيء، وتفسيره الديني اللاحق شيء آخر، واستخدامه في بعض الخطابات الصهيونية والسياسية الحديثة شيء ثالث. فليس كل مؤمن بالنصوص التوراتية يقرأها بوصفها برنامجاً للحدود السياسية المعاصرة، كما أن التيارات الصهيونية والإسرائيلية ليست كتلة واحدة في فهمها للعلاقة بين الدين والأرض والدولة. غير أن هذا التعدد لا يلغي حضور القراءة الدينية للأرض في بعض التيارات السياسية والاستيطانية، وتحولها، في لحظات معينة، إلى لغة تمنح التوسع أو السيطرة على المكان بعداً يتجاوز الحسابات العسكرية المجردة.
والمفارقة أن جغرافيا التوراة نفسها كانت موضع جدل تاريخي وأثري واسع. وقد ذهب المؤرخ اللبناني كمال الصليبي، في أطروحته المثيرة للجدل، إلى إعادة قراءة جغرافيا الرواية التوراتية ووضعها خارج فلسطين التاريخية، في جنوب الجزيرة العربية. لم تحظَ أطروحته بقبول غالبية الباحثين، بل واجهت انتقادات واسعة، ولا يمكن تقديمها بوصفها حقيقة تاريخية محسومة. لكن أهمية السؤال الذي أثارته لا تكمن بالضرورة في صحة إجابته، بل في كشفها هشاشة التعامل مع النصوص القديمة كما لو كانت سجلات عقارية جاهزة للقرن الحادي والعشرين.
وإذا كانت الجغرافيا نفسها موضع نقاش بين المؤرخين وعلماء الآثار، فإن تحوّل نص مختلف على تفسيره وحدوده وسياقه التاريخي إلى مصدر يمنح، في الوعي السياسي، شرعية مطلقة للمطالبة بالأرض، يبقى انتقالاً يستحق المساءلة لا التسليم.
الجواب لا نجده في الكتب وحدها، بل نجده أيضاً في الركام.
في لبنان، خلال الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتعاقبة، لم تكن المواقع الأثرية والدينية والتراثية بمنأى عن الخطر، بل بدت في مواضع كثيرة موضع استهداف يتجاوز المصادفة إلى ما يشبه محو المكان نفسه. بعلبك، مدينة الشمس، التي تحمل طبقات من التاريخ الفينيقي والروماني والعربي والإسلامي، وجدت نفسها في قلب دائرة التهديد. وأثارت الغارات والأضرار التي وقعت في محيط المدينة التاريخية والمعابد قلقاً واسعاً بشأن سلامة أحد أهم المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي.
وفي الجنوب، امتد الخطر إلى القلاع والمواقع الدينية والمباني التراثية. في صور والنبطية وقرى الجنوب، وثّقت مؤسسات رسمية ومنظمات ثقافية وبيئية أضراراً لحقت بمواقع تراثية ودينية، فيما اضطرت السلطات اللبنانية، في بعض المراحل، إلى نقل قطع أثرية من أماكنها خشية تعرضها للخطر. وأصاب القصف كنائس ومساجد ومبانٍ تاريخية، فيما بقيت قلعة الشقيف، كما في حروب سابقة، شاهدة على هشاشة التراث حين يقع بين خطوط النار.
وعلى مقربة من الشقيف، في مرتفع علي الطاهر، تكتمل الحلقة التي افتتحت بها هذه القراءة عند تلة العباد. فالاسم نفسه، قبل أن يصبح إحداثية عسكرية على خرائط الأقمار الصناعية، كان مقاماً لولي صالح يدعى «علي الطاهر»، رمّمه أهل النبطية عام 1180 هجرياً، وقصده الناس جيلاً بعد جيل للتبرك وإيفاء النذور. لم ينتظر الاحتلال الإسرائيلي الأول للجنوب (1985) طويلاً ليمحو هذا الأثر بالكامل؛ جرفت الآليات العسكرية الغرفة الأثرية والقباب والضريح التاريخي، وأزالت المقبرة المحيطة به، وأقامت مكانها دشماً خرسانية ومرابض مدفعية.
لم يكن ذلك تدميراً عرضياً خلّفته معركة، بل إزالة لمعلم كامل من الوجود، تمهيداً لتحويله إلى ما بات عليه لاحقاً: عقدة استراتيجية في «حزام ناري» يضم أيضاً الدبشة والطهرة وقلعة الشقيف. وفي العاشر من سبتمبر 2026، اكتمل المحو بفصله الأخير: فجّر الجيش الإسرائيلي ما تبقى تحت التلة من أنفاق وبنى تحتية بأكثر من 1100 طن من المتفجرات، في انفجار سُجّلت ارتداداته بقوة بلغت 4.1 درجات على مقياس ريختر، غيّر معالم الجبل نفسه بشكل مرئي بالعين المجردة. أربعون عاماً فصلت بين محو المقام ومحو ما بقي أسفله، لكنها في جوهرها تبدو عملية واحدة متصلة: مكان يُنزع منه اسمه أولاً، ثم شكله، ثم ما تحته، حتى لا يبقى من ذاكرته إلا فوهة في الأرض.
لكن من الضروري هنا قول ما يجب أن يقوله أي تحليل جاد: إن وقوع الضرر في موقع أثري، مهما كان فادحاً، لا يكفي وحده لإثبات أن النية كانت محو الهوية الثقافية أو تدمير الذاكرة. فالقانون الدولي يميز بين النتيجة والنية، كما أن النزاعات المسلحة قد تلحق أضراراً بالممتلكات الثقافية نتيجة القتال أو قربها من أهداف عسكرية.
غير أن هذه الحقيقة لا تعني إسقاط السؤال. فحين يتكرر الضرر، وتتسع قائمة المواقع المتضررة، وتتحول القلاع والمباني التاريخية والأماكن الدينية إلى ساحات قتال أو أهداف للقصف، فإن المؤشرات تستدعي البحث في ما إذا كان الأمر يتجاوز الأضرار العرضية التي تفرضها العمليات العسكرية.
هذا السؤال ليس أدبياً فقط، بل قانوني أيضاً. فاتفاقية لاهاي لعام 1954 أُقرت لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وتخضع حالات الاستثناء المرتبطة بالضرورة العسكرية لشروط قانونية محددة. وفي القانون الجنائي الدولي، يمكن أن يشكل تعمد استهداف مبانٍ دينية أو تعليمية أو معالم تاريخية جريمة حرب وفق شروط نظام روما الأساسي. وهذه الحماية لا تسقط بمجرد الادعاء بضرورة عسكرية، كما لا يثبت انتفاؤها بمجرد وقوع الضرر مرة واحدة؛ فطبيعة الهدف، والنية، والتناسب، والاحتياطات المتخذة كلها عناصر أساسية في أي تقييم قانوني جدي.
فـ«الإبادة الثقافية» ليست، في صورتها المتداولة، مصطلحاً يمكن إطلاقه بلا تدقيق على كل تدمير للتراث، كما أن إثبات وجود سياسة متعمدة لمحو هوية جماعة يتطلب أدلة تتجاوز مجرد وقوع الضرر. لكن ذلك لا يمنع الحديث عن محو ثقافي أو عن تدمير للذاكرة الثقافية حين يصبح الأثر التراكمي للحرب هو إزالة المعالم التي تحفظ صلة المجتمع بأرضه وتاريخه.
فالنتيجة السياسية والثقافية قد تكون مدمرة حتى عندما تبقى النية القانونية موضع تحقيق.
وفي قانا تتجسد هذه المأساة في طبقات متداخلة من الدين والتاريخ والحرب. فالبلدة مرتبطة، وفق تقاليد وقراءات مختلفة، بروايات دينية مسيحية حول معجزة تحويل الماء إلى خمر، فيما يستمر الجدل التاريخي حول الموقع الدقيق لـ«قانا الجليل» المذكورة في الإنجيل. لكن الجدل اللاهوتي لا يغيّر حقيقة أن قانا اللبنانية تحولت، في تاريخها المعاصر، إلى رمز إنساني للحرب والقتل والذاكرة؛ من أحداث الاحتلال الإسرائيلي للجنوب في الثمانينيات، إلى قصف مقر القوات الدولية عام 1996 وسقوط عشرات المدنيين الذين احتموا به. هناك، تصبح قداسة المكان ذاتها رهينة ذاكرة المذبحة، حين يتحول من احتموا به إلى جزء من سجل الضحايا لا من سجل النجاة.
ولا يقتصر محو المكان على الحجر والمقام والقلعة؛ فالأرض الزراعية نفسها دخلت في دائرة الاستهداف. وثّق لبنان في مذكرة رسمية رفعها إلى الأمم المتحدة نهاية عام 2024 استهداف أكثر من 60 ألف شجرة زيتون معمّرة في القرى الجنوبية، إلى جانب أشجار السنديان والصنوبر والحمضيات، فيما وثّقت منظمة العفو الدولية استخدام القذائف الفوسفورية التي أحرقت، وفق تقاريرها، عشرات الآلاف من أشجار الزيتون. وفي آب 2026، اقتلعت الجرافات العسكرية نحو 600 شجرة زيتون في بلدة زوطر الشرقية دفعة واحدة، ، فيما أفادت التقارير بأن الأشجار التي اقتُلعت جرى نقلها إلى الداخل الإسرائيلي في مشهد وصفته منظمات بيئية بأنه جزء من سياسة «أرض محروقة» ممنهجة، لا نتيجة عرضية للقتال.
وضرب شجرة الزيتون، التي تعمّر مئات السنين وتنتقل ملكيتها جيلاً بعد جيل، ليس إتلافاً لمحصول موسمي، بل قطعاً لخيط النسب الذي يربط العائلة بأرضها؛ فالشجرة هنا وثيقة ملكية حية، وسجل شفهي لهوية لا تحتاج إلى كتابة. وحين تُجرف بساتين بأكملها، لا يُمحى موسم واحد، بل تُمحى القدرة على إثبات أن أحداً كان هنا قبل أن يأتي من يقرر إعادة تسمية الأرض.
وهذا ما يجعل المسألة في لبنان أعمق من إحصاء عدد المباني التي تُهدم أو المواقع التي تتضرر. إنها مسألة ما يحدث لمجتمع حين تُدمَّر الخرائط التي كان يستخدمها لتذكر نفسه.
لبنان ليس أرضاً فارغة تنتظر من يملأ فراغها بنص، ولا يمكن اختزال تاريخه في طبقة واحدة انه تاريخ وطن . هو طبقات فينيقية ورومانية وبيزنطية وعربية وإسلامية ومسيحية، متراكبة فوق بعضها كما تتراكم الصخور في بعلبك، لا يمكن اقتلاع طبقة منها من دون أن تتشقق الطبقات الأخرى.
ولهذا فإن الصراع على المكان يبدأ، أحياناً، قبل إطلاق الرصاصة. يبدأ بالاسم: ما نسمي هذه التلة، ولمن ننسب هذا المقام، وأي تاريخ للمنطقة نعتمد لتفسير هذه الآثار، هو ما يقرر، في نهاية المطاف، من يملك حق تحويل موقع عاش في ذاكرة أهله قروناً إلى موقع ذي هوية أخرى.
تسمية المكان ليست فعلاً بريئاً دائماً؛ إنها، في كثير من النزاعات، شكل من أشكال السلطة. فمن ينجح في تعريف المكان يقترب خطوة من تعريف تاريخه، ومن يعرّف تاريخه يحاول، أحياناً، أن يرسم مستقبله.
لهذا لا ينبغي أن يُفهم الدفاع عن التراث اللبناني بوصفه دفاعاً عن حجارة قديمة في مواجهة ضرورات الحاضر. إنه دفاع عن حق مجتمع في أن يحتفظ بأدلته على وجوده، وبقدرته على سرد تاريخه بنفسه، بعيداً عن النصوص التي يحاول الآخرون تحويلها إلى خرائط، أو القذائف التي قد تحول الذاكرة إلى غبار.
فالنصوص، مهما عظمت مكانتها الدينية، لا تُمنح وحدها سلطة تقرير سيادة الشعوب في العصر الحديث. والسيادة لا تُستمد من تأويل ديني أحادي، كما لا يمكن أن تُمحى هوية بلد لأن طرفاً أقوى يملك القدرة على إعادة تشكيل جغرافيته بالقوة.
ومن هذا الجنوب تحديداً، حيث كل تلة تحمل اسماً وذاكرة، وكل قلعة تخفي طبقات من الحروب، وكل كنيسة أو مقام أو مسجد يشهد على جماعة مرت من هنا وتركت أثراً، تكشف الحرب أن القصف لا يطال الأبنية وحدها، بل يطال معها قدرة الناس على تذكر من كانوا.
ربما لا نستطيع، من دون تحقيقات مستقلة وأدلة قانونية قاطعة، أن نحكم مسبقاً بأن كل ما جرى هو «إبادة ثقافية» بالمعنى القانوني. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن تدمير التراث، حين يتكرر، لا يبقى مجرد خسارة مادية؛ إنه يصيب الذاكرة الجماعية في صميمها.
فما لا يُحسم في المحكمة، قد يُحسم في الذاكرة.
وعندما تصبح الأرض موضع صراع بين نص قديم وقوة عسكرية حديثة، يصبح الدفاع عن الحجر دفاعاً عن أكثر من الحجر.
ليست القضية، في النهاية، لمن يحق أن يمتلك الماضي فقط، بل لمن يحق له أن يروي المستقبل.
وليست هذه حرباً على الحجر وحده، بل على من يملك حق أن يتذكر، وأن يعرّف المكان، وأن يقول: مررنا من هنا، وهذه آثارنا التي تشهد أننا كنا هنا.
# عينك ع لبنان
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :