كتب رشيد حاطوم
حين يقرر النائب جورج عقيص أن يردّ على رئيسة الكتلة الشعبية ميريم سكاف، بعدما طرحت أسئلة عن المواد الكيميائية الموجودة في مطمر زحلة، فمن حقّه أن يدافع عن موقفه وعن البلدية. لكن حين يتحوّل الردّ إلى حديث عن «تسلّق مستوعب نفايات» وعن شخص «يزور الزحليين في المناسبات»، يصبح من المشروع فتح الدفاتر كلّها، قديمها وجديدها.
أكد عقيص في 18 أيلول أنه «ليس هناك أي خطر بيئي أو صحي» يهدّد الزحليين، وقال إن البلدية رفضت فتح المواد أو طمرها أو معالجتها، وطالبت بترحيلها، وإن الملف ينتظر موقف القضاء.
وهنا المفارقة.
إذا كان كلّ شيء آمنًا ومحسومًا إلى درجة تسمح بهذا التأكيد «القاطع»، فلماذا رفضت البلدية نفسها فتح المواد ومعالجتها وطمرها؟ ولماذا طالبت بإخراجها من زحلة؟ ولماذا ينتظر الملفّ القضاء؟
تقول بلدية زحلة نفسها إن 7.5 أطنان وصلت إلى المطمر في 19 أيلول 2025، وإنها كانت مصنّفة من وزارة البيئة والجهات الفنية المختصّة موادَّ غير خطرة. لكنها تقول أيضًا إن علامات استفهام ظهرت لاحقًا حول آلية معالجتها والتخلّص النهائي منها، في ظلّ غياب الجهات الرقابية؛ ولذلك أوقفت العملية ورفضت المعالجة والطمر، ولا تزال العبوات موجودة كما وصلت.
إذًا، السؤال ليس جريمة، والقلق ليس مؤامرة، وميريم سكاف لم تخترع وجود المواد.
لقد سألت علنًا لماذا لم يحاسب نوّاب زحلة الحكومة خلال جلسات المناقشة العامة، ولماذا لا تزال المواد في المطمر، وطرحت تناقضًا في التواريخ بين قرار مؤسسة كهرباء لبنان، في 19 آب 2026، بالموافقة على ترحيل المواد إلى الخارج، وبين موقف البلدية اللاحق في 26 آب. هذه أسئلة منشورة ومحدّدة، ويمكن الردّ عليها بالوثائق والتواريخ، بدل تحويلها إلى مسألة مَن يسكن زحلة ومَن يزورها
أما عبارة «من يزورهم في المناسبات»، فهي ربما الجزء الأكثر غرابة في كلام عقيص.
فميريم سكاف ليست سائحة سياسية في زحلة، وبيت سكاف ليس عنوانًا طارئًا على المدينة يحتاج إلى شهادة إقامة من نائب حالي. يمكن الاختلاف مع الكتلة الشعبية إلى النهاية، لكن تاريخ بيت سكاف في الحياة السياسية الزحلية لا تمحوه جملة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ثم هناك مشكلة أكبر في اختيار عقيص «النفايات» تحديدًا مادةً للسخرية السياسية.
فالذاكرة اللبنانية تحتفظ بواحد من أثقل ملفات النفايات السامة في تاريخ البلاد: ملفّ الشحنة الإيطالية التي وصلت إلى لبنان في ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب توثيق «المفكرة القانونية»، دخل إلى الحوض الخامس في مرفأ بيروت عام 1987 نحو 15,800 برميل و20 مستوعبًا من النفايات السامة الآتية من إيطاليا، وكان الحوض الخامس آنذاك تحت سيطرة القوات اللبنانية. كما تشير مراجعة التحقيق القضائي إلى أن القاضي سعيد ميرزا استدعى لاحقًا عددًا من عناصر القوات الذين كانوا يتولّون مهمّات أمنية ولوجستية في الحوض الخامس.
ووثّق أرشيف «السفير»، المنشور عام 1995، بدوره أن التحقيق القضائي تناول كيفية دخول هذه النفايات عبر الحوض الخامس وانتقالها إلى المناطق، مشيرًا إلى أن الحوض كان خاضعًا في تلك المرحلة لسلطة القوات اللبنانية.
وهنا لا نتّهم جورج عقيص شخصيًا بشيء، ولا نحمّله مسؤولية أحداث وقعت قبل عقود.
لكن من يمثّل حزبًا له هذا الحضور الموثّق في أرشيف واحد من أشهر ملفات النفايات السامة في لبنان، ربما يجدر به أن يكون أكثر تواضعًا عندما يستخدم «مستوعب النفايات» للسخرية ممّن يسأل عن مواد كيميائية موجودة اليوم في مدينته.
والدقّة تقتضي أيضًا عدم خلط الملفات: فقد خلص التحقيق القضائي المنشور إلى أن البراميل التي عُثر عليها في عيون السيمان ويحشوش عام 1994 لم تكن من شحنة النفايات الإيطالية لعام 1988، بل نُسبت إلى شحنات أقدم بدأت تدخل لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي.
وهذا التفصيل لا يمحو ملف الحوض الخامس، بل يمنع استخدام التاريخ بطريقة انتقائية أو غير دقيقة.
لذلك، يا سعادة النائب، القضية أبسط من كلّ هذا السجال.
ميريم سكاف سألت عن 7.5 أطنان موجودة في مطمر زحلة. والبلدية نفسها تؤكد وجودها، كما تؤكد أنها رفضت فتحها أو معالجتها أو طمرها، وتطالب بإخراجها.
فأجيبوا عن السؤال.
متى تخرج المواد من زحلة؟
ومن المسؤول عن بقائها كلّ هذه المدّة؟
وما نتائج الفحوص والتقارير التي تسمح بإعطاء الزحليين تأكيدًا «قاطعًا» بعدم وجود أي خطر؟
أما أن يُقال لميريم سكاف «كفّي»، وللزحليين «اطمئنّوا»، فذلك لا يزيل مستوعبًا واحدًا، ولا يجيب عن سؤال واحد.
وفي ملفات صحّة الناس وبيئتهم، لا يُطلب من الناس أن يكفّوا عن السؤال.
المطلوب ممّن يتولّى المسؤولية أن يكفّ عن الشخصنة… وأن يجيب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :