نهاية 1701 أم نهاية المظلة الدولية؟ لبنان أمام اتفاق يُكتب بشروط إسرائيلية

نهاية 1701 أم نهاية المظلة الدولية؟ لبنان أمام اتفاق يُكتب بشروط إسرائيلية

د. رشا ابو حيدر 

ايكون نيوز

لم يعد القرار 1701، بعد ما يقارب عقدين على صدوره، يشكل في الواقع السياسي والميداني المرجعية التي يفترض أن تحكم العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فالقرار لا يزال قائماً من الناحية القانونية، لكن بقاء النص شيء، وبقاء مفعوله شيء آخر. وما يجري اليوم على الأرض يوحي بأن القرار دخل مرحلة الأفول، وأن قواعد جديدة للعلاقة بين الطرفين يجري تشكيلها بعيداً عن الروح التي قام عليها.

ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول هو استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولا سيما في الجنوب، وصولاً إلى الاعتداء الأخير على منطقة علي الطاهر. فحين تستمر إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وتتعامل مع مناطق لبنانية باعتبارها جزءاً من مجالها الأمني، فإن السؤال لم يعد عن عدد الخروقات للقرار 1701، بل عن جدوى القرار نفسه في منع هذه الخروقات.

لقد كان وجود اليونيفيل أحد أبرز مظاهر الحضور الدولي الذي رافق القرار 1701. ومع اقتراب انتهاء مهمتها في الجنوب، يبرز فراغ لا يتعلق فقط بانسحاب قوة دولية، وإنما باحتمال انتهاء مرحلة كاملة من المعادلة التي نشأت بعد حرب 2006. فالقرار 1701 ليس اليونيفيل، لكن اليونيفيل كانت التجسيد الميداني للوجود الدولي في الجنوب، وانحسار هذا الوجود في وقت تتصاعد فيه الاعتداءات يطرح سؤالاً مشروعاً حول الجهة التي ستملأ الفراغ.

وفي الوقت نفسه، يتكرر الحديث عن أن القرار 1701 يتعلق أساساً بالمنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، وكأن لبنان ينقسم إلى منطقتين: جنوباً حيث تسري ترتيبات القرار، وشمالاً حيث يمكن أن تصبح قواعد الاشتباك مختلفة. وهذه القراءة، وإن كانت تستند إلى طبيعة الترتيبات الخاصة بجنوب الليطاني، تختزل القرار في بعد جغرافي، وتتجاهل أنه جاء أساساً لوقف الأعمال العدائية واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه.

المشكلة، إذاً، ليست في النص وحده، وإنما في تحول الوقائع العسكرية إلى مصدر للقواعد السياسية. فإسرائيل، بدلاً من انتظار تنفيذ الترتيبات الدولية، تعمل على خلق واقع أمني جديد على الأرض، ثم يصبح هذا الواقع لاحقاً نقطة انطلاق للتفاوض. وهنا تكمن الخطورة: أن يتحول الاحتلال أو الوجود العسكري أو المنطقة العازلة إلى واقع يجري التفاوض على شروط الانسحاب منه، بدلاً من أن يكون خرقاً يجب إنهاؤه أولاً.

ومن هنا تكتسب مسألة «اتفاق الإطار» أهميتها وخطورتها في آن واحد، فلبنان لا يحتاج إلى اتفاق جديد لمجرد استبدال اتفاق أو قرار بآخر، وإنما يحتاج إلى اتفاق يعيد تثبيت حقوقه وسيادته ويوقف الاعتداءات والاحتلال. أما إذا أصبح اتفاق الإطار وسيلة لإعادة تعريف الأمن في الجنوب من المنظور الإسرائيلي، بحيث تصبح المطالب الأمنية الإسرائيلية شرطاً مسبقاً للاستقرار، فإن لبنان سيكون أمام معادلة غير متوازنة: إسرائيل تفرض الوقائع أولاً، ثم يدخل لبنان إلى المفاوضات للتعامل مع نتائجها. وهنا يصبح السؤال السياسي الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام انتقال من مرجعية دولية، هي القرار 1701، إلى مرجعية تفاوضية جديدة يكون فيها ميزان القوة هو العامل الحاسم؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن انتهاء مهمة اليونيفيل لا يعني فقط نهاية مهمة قوة دولية، بل قد يعني بداية مرحلة يتراجع فيها الدور الدولي المباشر في الجنوب، بينما تتقدم الترتيبات التي تحددها القوى الأكثر قدرة على فرض الوقائع. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الخطورة بالنسبة إلى لبنان. فالخطر ليس أن يُلغى القرار 1701، وإنما أن يبقى قائماً على الورق بينما تُلغى مفاعيله على الأرض. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة في غياب النص، بل في غياب القوة السياسية القادرة على فرض احترامه.

أما اتفاق الإطار، فإذا لم يُبنَ على قاعدة واضحة تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة اللبنانية، فقد يتحول من إطار لإنهاء النزاع إلى إطار لإدارة النزاع وفق شروط جديدة. وعندها يصبح لبنان أمام واقع سياسي بالغ الحساسية: دولة مطالبة بتقديم الضمانات والالتزامات، في مقابل إسرائيل التي تحتفظ بأوراق الضغط العسكرية والميدانية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الأمن الإسرائيلي هو نقطة الانطلاق، بينما تصبح السيادة اللبنانية نتيجة مؤجلة للتفاوض، وهذا هو جوهر المعركة السياسية المقبلة. فلبنان لا يحتاج إلى مرجعية جديدة تستبدل اسماً باسم، ولا إلى اتفاق يعيد إنتاج ميزان القوة القائم، وإنما يحتاج إلى مرجعية تضمن أن تكون الحدود والسيادة والقانون الدولي هي التي تحكم العلاقة، لا الطائرات والاعتداءات والوقائع المفروضة بالقوة.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تحتمل انتظار ما ستفرضه الوقائع على لبنان. المطلوب أن تتحرك الدولة اللبنانية، سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، قبل أن يتحول الأمر الواقع إلى أمر واقع دائم. فالصمت أمام الاعتداءات المتكررة، والقبول بتحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة أمام العمليات الإسرائيلية، أو الدخول في أي ترتيبات جديدة من موقع رد الفعل، يعني عملياً السماح بإعادة صياغة قواعد العلاقة على حساب السيادة اللبنانية.

إن المطلوب لبنانياً هو التمسك بالقرار 1701 كمرجعية دولية، وعدم السماح بتحويل انتهاء مهمة اليونيفيل إلى نهاية للحضور الدولي في الجنوب، والعمل في الوقت نفسه على ضمان أن يكون أي اتفاق إطار جديد قائماً على وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي واحترام سيادة لبنان وحدوده، لا على تكريس الشروط الأمنية الإسرائيلية.

فلبنان اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن يبادر إلى صياغة شروط المرحلة المقبلة، وإما أن يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع شروط صيغت من دونه.

لقد أثبتت التجربة أن ما يُترك للقوة على الأرض يتحول مع مرور الوقت إلى ورقة على طاولة المفاوضات. ولذلك، فإن التحرك اليوم ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة لحماية ما تبقى من مفاعيل القرار 1701، ولمنع اتفاق الإطار من أن يتحول إلى إطار لإدارة الهيمنة بدلاً من أن يكون إطاراً لإنهائها.

فالسيادة لا تُستعاد بعد تكريس الأمر الواقع، بل تُحمى قبل أن يصبح الأمر الواقع قاعدة جديدة، والمطلوب الآن ليس انتظار نهاية 1701، بل التحرك لمنع أن تكون نهايته بداية مرحلة يصبح فيها الأمن الإسرائيلي هو القاعدة، والسيادة اللبنانية هي الاستثناء.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي