كتب رشيد حاطوم
لم يكن التفاح في لبنان يومًا مجرد محصول موسمي، ولا عنوانًا لمهرجان أو مؤتمر عابر. لقد كان، على مدى عقود، جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحقيقي، ومصدر رزق لأسر كثيرة، وركيزة من ركائز الحياة في قرى الجبل.
على امتداد المناطق الجبلية، من الشمال إلى جبل لبنان والبقاع، نشأت أجيال كاملة على مواسم التفاح. فمن الأرض كانت تعيش العائلات، ومن عائدات الصناديق التي تغادر القرى كانت تُسدَّد أقساط المدارس، وتُبنى البيوت، وتتحرك الأسواق المحلية.
ومع توسّع زراعته في منتصف القرن الماضي، أصبح التفاح واحدًا من أبرز المنتجات الزراعية اللبنانية المخصصة للتصدير. وبلغ إنتاجه، في مراحل معينة، مئات آلاف الأطنان، فيما استوعبت الأسواق العربية الجزء الأكبر من الصادرات الزراعية اللبنانية. يومها، كانت التفاحة اللبنانية تعرف طريقها إلى الأسواق.
أما اليوم، فلم يعد المزارع يعرف إلى أين سيذهب محصوله.
المشكلة ليست في قدرة اللبناني على الزراعة
المشكلة ليست أن اللبناني نسي كيف يزرع، بل أن الدولة نسيت كيف تحمي من يزرع.
تعاقبت الحكومات والوزراء والخطط والمؤتمرات، فيما ظل مزارع التفاح يكرر المطالب نفسها: كلفة إنتاج مرتفعة، أسواق تتقلص، تصريف متعثر، ووسطاء يفرضون شروطهم عندما يحين موعد القطاف، في وقت لا يملك فيه المزارع ترف الانتظار.
ومع كل موسم، يتكرر المشهد نفسه. يقطف المزارع محصوله، فتتكدس الصناديق، وترتفع الأصوات، وتُعقد الاجتماعات، وتُطلق الوعود. ثم ينتهي الموسم، وتُطوى الملفات، إلى أن تحل السنة التالية وتتكرر الأزمة ذاتها.
لكن أزمة التفاح لا تحتاج إلى عشرات الدراسات. فالمزارع يحتاج، قبل كل شيء، إلى أمرين واضحين: حماية شجرته، وتأمين سوق عادلة لمحصوله. وإذا عجزت الدولة عن توفير هذين الشرطين، يصبح كل حديث عن حماية الزراعة مجرد كلام.
أولًا: احموا الشجرة قبل أن تطلبوا محصولها
يدفع المزارع اللبناني من ماله ثمن الأسمدة والمبيدات والأدوية الزراعية. كما يتحمل تكاليف الري والتقليم والرش والعمال والقطاف والنقل، في وقت تُدفع فيه معظم هذه النفقات بالدولار أو بما يعادله.
وهو لا يطلب المستحيل. فإذا كانت الدولة قادرة على دعمه بمستلزمات الإنتاج، فعليها أن تفعل. وإذا لم تكن قادرة على ذلك، فإن أقل واجباتها أن تضمن صلاحية السماد الذي يشتريه، وأن تتأكد من أن المبيد الذي يستخدمه أصلي وفعّال ومطابق للمواصفات.
فالكارثة لا تقتصر على خسارة ثمن عبوة مغشوشة أو فاسدة. الأخطر أن يكتشف المزارع، بعد أشهر، أن هذه المادة أضرّت بأشجاره وأتلفت موسمه. عندها لا يخسر ثمن الدواء فحسب، بل يخسر عامًا كاملًا من العمل والانتظار.
لذلك، المطلوب رقابة فعلية على سوق الأسمدة والمبيدات، وإجراء فحوص دورية، وملاحقة كل من يستورد أو يهرّب أو يبيع منتجات غير مطابقة للمواصفات. كما يجب إغلاق كل منفذ يمكن أن يتسلل منه الغش إلى البساتين اللبنانية.
فالدولة التي لا تستطيع توفير السماد للمزارع، لا يجوز أن تعجز عن حمايته من السماد الفاسد. والدولة التي تطلب منه إنتاجًا مطابقًا لمواصفات التصدير، عليها أولًا أن تضمن سلامة الوسائل التي يستخدمها في إنتاجه.
ثانيًا: ازرعوا للمزارع سوقًا قبل أن يزرع محصوله
تبدأ المشكلة الأكبر عندما ينجح المزارع.
نعم، عندما تنجح الشجرة وتمتلئ بالثمار، تبدأ معركة المزارع الحقيقية: لمن سيبيع؟ وبأي سعر؟ ومن يحدد هذا السعر؟ وكم سيحصل الوسيط؟ وكم سيدفع المستهلك؟
هنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات الزراعة اللبنانية. فالمزارع يشكو من انخفاض السعر الذي يحصل عليه، بينما يشكو المستهلك من ارتفاع السعر الذي يدفعه. وبين الطرفين، يبقى السؤال معلّقًا: من يربح؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي للدولة أن تطرحه بجدية. فمن غير المنطقي أن يمضي المزارع عامًا كاملًا في العمل والإنفاق والمخاطرة، ثم يصل إلى موسم القطاف ليصبح الحلقة الأضعف في السوق.
إن التفاح لا ينتظر. ولذلك يُجبر المزارع على البيع سريعًا، فيشتري التاجر بأقل سعر ممكن، ثم تنتقل السلعة من يد إلى أخرى قبل أن تصل إلى المستهلك بسعر مرتفع. وفي النهاية، يخسر المزارع، ويخسر المستهلك، بينما تتحكم بالسعر حلقات لم تزرع، ولم تسقِ، ولم تقلم، ولم تنتظر المطر، ولم تخشَ البَرَد.
هذه ليست سوقًا سليمة، بل معادلة تحتاج إلى إعادة بناء.
ليس مطلوبًا من الدولة أن تتحول إلى تاجر تفاح، لكنها مطالبة بوضع قواعد عادلة للسوق، وبالمساعدة في فتح منافذ التصريف قبل موسم القطاف، لا بعد وقوع الأزمة.
ويشمل ذلك إبرام عقود مسبقة وفتح أسواق قبل بدء الموسم، وتفعيل دور السفارات والبعثات التجارية للبحث عن مستوردين، وإعادة تثبيت حضور التفاح اللبناني في الأسواق العربية والخليجية، إلى جانب فتح أسواق جديدة.
كما يتطلب الأمر دعم عمليات التوضيب والتبريد والتخزين والنقل، وتشجيع الصناعات التحويلية التي تنتج العصائر والخل والمنتجات المجففة وغيرها. فكل كيلوغرام لا يجد طريقه إلى سوق المنتجات الطازجة يجب ألا يتحول إلى عبء إضافي على المزارع.
وقبل كل ذلك، لا بد من تحديد كلفة الإنتاج الحقيقية. كم يكلّف إنتاج كيلوغرام التفاح المزارع؟ عند معرفة هذه الكلفة يبدأ النقاش الجدي حول السعر، بدل أن يأتي التاجر في ذروة الموسم ليقول للمزارع: هذا هو السعر، فخذه أو اترك محصولك على الشجر.
التفاح لا يحتاج إلى احتفال، بل إلى سياسة زراعية
لسنا ضد «يوم التفاح»، بل نتمنى أن يصبح كل يوم في لبنان يومًا للإنتاج الوطني. ولسنا ضد المؤتمرات أو البحث العلمي أو الابتكار أو الاستدامة. لكن المزارع الذي يسمع كلمة «استدامة» منذ سنوات يريد أن يعرف كيف سيستمر هو شخصيًا في الزراعة.
فاستدامة القطاع تبدأ باستدامة المزارع.
إذا هجر المزارع أرضه، فلن تنفعه الندوات. وإذا اقتلع أشجاره لأن محصولها لم يعد يغطي كلفتها، فلن تعيدها الشعارات. وإذا أصبح أبناؤه يرون في الزراعة طريقًا إلى الخسارة لا إلى الحياة، فإننا لن نخسر موسمًا واحدًا فحسب، بل سنخسر الأرض نفسها.
لذلك، قبل الاحتفال بالتفاح، اسألوا مزارعه: كم دفع؟ وكم خسر؟ وكم مرة باع محصوله بأقل من كلفته؟ وكم مرة اضطر إلى الاستدانة كي يكمل موسمه؟ وكم مرة سمع الوعود نفسها؟
لقد حملت شجرة التفاح جزءًا من الاقتصاد اللبناني لعقود، وهي اليوم لا تطلب شيئًا مستحيلًا. إنها تطلب مستلزمات إنتاج مضمونة، وسوقًا عادلة لتصريف المحصول.
هذه هي الزراعة في جوهرها. أما ما يأتي بعد ذلك، فمجرد تفاصيل.
فالمزارع لا يريد من الدولة أن تصفق له حين يقطف التفاح، بل يريدها أن تقف إلى جانبه قبل أن يزرع، وبعد أن يقطف.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :