حفلة أصالة نصري والصراع على "هوية دمشق"

 حفلة أصالة نصري والصراع على

في عام 2006 كتب سعد الله ونوس مقال «لماذا وقفت الرجعية ضد أبي خليل القباني».

 
ورغم أن العنوان لم يحدد إلا أن الأسطر الأولى أفصحت عن أن القصد هو «الرجعية الدمشقية» التي كان المسرحي السوري المعروف قد صوّرها، في عمله «سهرة مع أبي خليل القباني» (1973)، بشكل سلبي عبر استحضار الشيخ سعيد الغبرة الذي كان قد تصدّر بالفعل الحملة التي أدت إلى إغلاق «الكوميضة» (المسرح) التي كان القباني يقدّم عليها أعماله، بعد أن دبّج «مضبطة» (عريضة) جمع عليها تواقيع عدة مشايخ دمشقيين، وحملها إلى الأستانة حيث استطاع الوصول إلى مبتغاه.
 
يرجَّح أن القباني (آقبيق في الوثائق الرسمية) من أصول تركية، وقد ولد «خارج السور» بمصطلحات اليوم، في حين يقال إن عائلة الغبرة من آل البيت الذين هاجروا إلى دمشق منذ قرون طويلة، واشتهروا، وفق خلطة شامية عريقة، بالتوزع بين العلوم الشرعية والتجارة.
 
أما سعيد نفسه فكان، على حد تعبير عبد الرزاق البيطار في «حلية البشر»، صوفياً «يغلب عليه الصلاح... طلب العلم في أول أمره إلى أن صار له ملكة وإلمامٌ نوعاً ما... وكان يقيم الذكر في الجقمقية شمالي جامع بني أمية... وحصل له قبول عند الناس... كان يقرأ درس وعظ بجامع بني أمية... وكان يخيل له أنه من كبار العلماء».
 
ومن المعروف أن القباني اضطر إثر ذلك، في العام 1883، إلى الهجرة إلى مصر حيث استأنف نشاطه وترك أثراً كبيراً هناك، حيث سجّل لنا تلميذه، محمد كامل الخلعي، ما جاء في «المضبطة» التي قالت إن «وجود التمثيل في البلاد السورية مما تعافه النفوس الأبية، وتراه على الناس خطباً جليلاً ورزءاً ثقيلاً؛ لاستلزامه وجود القيان ينشدن البديع من الألحان، بأصوات توقظ أعين اللذات في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات... فتطبع في الذهن سطور الصبابة والجنون، وتميل بالنفس إلى أنواع الغرام والشجون، والتشبه بأهل الخلاعة والمجون».
 
بعد نحو قرن ونصف على ذلك، في 6 أيلول 2026، سيكتب عدد من الأساتذة في كليات الشريعة، وسواهم، ما أطلقوا عليه وصف بيانٍ بشأن «صيانة هوية سوريا في مرحلة ما بعد التحرير».
 
عبّروا فيه عن استنكارهم لتزايد وتيرة الفعاليات الفنية التي «تُصادم هوية المجتمع وقِيَمه»، مما يفتح باب إفساده وإضعاف مناعته الأخلاقية، مطالبين الجهات المعنية بمراجعة سياسات الترخيص بحيث تراعي «هوية المجتمع وقيمه ومقتضيات المرحلة»، وعدم منح هذه النشاطات رعاية أو غطاء أو حضوراً رسمياً.
 
وفي حين ينتمي عموم الموقعين على هذا البيان إلى بيئة «المناطق المحررة» السابقة في الشمال السوري، ومنها وفيها يرون «المجتمع»؛ أصدر آخرون، بعد أربعة أيام، ممن أطلقوا على أنفسهم سمة «نخب ومثقفين أبناء مدينة دمشق»، بياناً استنكروا فيه ما تحاول «بعض التيارات الراديكالية المتطرفة» فرضه من تقزيم لهوية دمشق وتمزيق لقيم الحرية والمساواة التي لطالما تغنى بها «المجتمع الدمشقي».
 
فالعاصمة السورية «أم الحضارات ومهدها» منذ آلاف السنين، وهي مدينة الفن والأدب والمسرح والثقافة والعلم والفكر والحرية والحكمة، وهي التي أخرجت لنا... وأبو خليل القباني...، ولن تكون إلا «عاصمة الياسمين البيضاء».
 
ومن السياق يتضح أن السجال بين البيانين يدور حول الحفلات الغنائية التي وقعت في قلبها الحفلتان المزمع إقامتهما، بعد أيام، للمطربة أصالة نصري برعاية رسمية من وزارة الثقافة التي أظهرت أنها ماضية في الأمر الذي تعرّض لحملة تهدف إلى إلغاء الفعالية.
 
وراء الإعلانات الطرقية عن الحفلتين، وتمزيقها، والملصقات الورقية المضادة، وإزالتها؛ قفزت إلى النقاش العام مفاهيم نظرية عن وسطية «الإسلام الشامي» واعتداله تاريخياً، وعن «الغزو السلفي» الذي يريد تغيير هويته تلك. والحال أن الموضوعين يحتملان كثيرا من المجادلة البعيدة عن التنميط.
 
فما بات يُطلق عليه وصف «الإسلام الشامي» مفهومٌ لا يخرج عن شروط الزمان والمكان. إذ يفتقر الذين يريدون مدّه ليشمل بلاد الشام، بمدنها المتعددة وأريافها وباديتها، إلى الأدلة المقنعة.
 
فالأدق أن نعترف بأنه إسلام دمشقي يرتبط بالطبيعة التجارية التوافقية لعقلية هذه المدينة/ العاصمة. وبالإضافة إلى ذلك فإن معالم التركيبة الوسطية المشار إليها تتضح فقط في القرن العشرين بتأثير صراع تيارات عاصفة وعميقة.
 
فحضرت في البداية المواجهة الشاملة في أنحاء العالم الإسلامي بين التغريب، وأنماط تعليمه، وبين البنية التقليدية الموروثة للعلوم الشرعية واللغوية. ثم جاء التناحر داخل الوسط الديني نفسه بين الأرضية الصوفية التي كانت سائدة وبين المطرقة السلفية التي أتت مدعومة بنفض الغبار عن علم الحديث الشريف ونشر كتبه، فضلاً عن تأثير النزعة العلمية المأخوذة من نمط التعليم الأوربي كذلك، في محاربة «الخرافات»، مما عزز جهود السلفيين في رفض عقلية «الكرامات».
الإسلام الشامي، من دون قوسين، ليس جوهراً ثابتاً وسمة مستمرة. فقد أقصت العاصمة ابنها الأحدث، عهداً وأفكاراً، لصالح ابنها الأقدم، نسباً وتاريخاً ونهجاً. ونشير هنا إلى القباني والغبرة.
 
أما القول بوجود «غزو سلفي» فأمر يفتقد الدقة في كثير من الأحيان. لأن الرغبة في أسلمة «المجتمع» المتنازع عليه ليست محصورة بالسلفيين، كما أن التكفير الطائفي ليس ماركة مسجلة باسم ابن تيمية.
 
لكن ارتفاع الطلب على الحديث في الشأن الإسلامي، بعد سقوط النظام بيد تحالفٍ قادته «هيئة تحرير الشام»، فتح الباب أمام كثير من «المحللين» الذين يضنّون بصرف أوقاتهم في التحضير لمداخلاتهم. 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي