كتب رشيد حاطوم
حبيب الشرتوني وعظمة سعادة
الرابع عشر من أيلول: حين تغيّر وجه التاريخ، وبقي السؤال بلا جواب
لم يترك أنطون سعادة كلماته للقوميين كي يحفظوها فحسب، بل كي يحوّلوها إلى فعل. قال: «إن فيكم قوةً لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ». وفي الرابع عشر من أيلول عام 1982، تبدّل مسار التاريخ اللبناني فعلًا، وإن لم يكن بالطريقة التي تخيّلتها الحركة القومية الاجتماعية، أو التي كان يمكن لأي طرف أن يتنبأ بمآلاتها.
كان لبنان يومها يرزح تحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي. وكان بشير الجميل رئيسًا منتخبًا ينتظر انتقاله إلى قصر بعبدا، فيما كانت البلاد تقف عند تقاطع حاد بين الحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية، ومشاريع إعادة ترتيب المنطقة. وتحدثت روايات وتقارير متعددة عن لقاءات واتصالات جمعت بشير الجميل بمسؤولين إسرائيليين، من بينهم مناحيم بيغن وأفيغدور بارليف، في سياق تقارب سياسي كانت إسرائيل تسعى من خلاله إلى تثبيت تفاهمات جديدة مع لبنان. وقد اختلفت الروايات في تفاصيل هذه الاتصالات ودلالاتها، غير أن حضورها في سردية تلك المرحلة يجعل تجاهلها عند قراءة سياقها التاريخي أمرًا غير ممكن.
ثم جاء الرابع عشر من أيلول. نُفذت عملية اغتيال بشير الجميل في مقر حزب الكتائب، وأفضى المسار القضائي اللبناني لاحقًا إلى إدانة حبيب الشرتوني بها. فسقط الرئيس المنتخب، وانقطع مسار سياسي كان يتشكّل وسط ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
قد يختلف اللبنانيون طويلًا، وربما إلى الأبد، حول تقييم بشير الجميل وحبيب الشرتوني، وحول معنى كل منهما في الذاكرة السياسية اللبنانية. وليس المقصود هنا تبرير فعل أو تمجيده، بل محاولة قراءة اللحظة في ثقلها التاريخي: فالمسارات السياسية الكبرى قد تنقطع في لحظة واحدة، والتاريخ لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم، ولا تنفذ مشروعاته وفق الخرائط التي يرسمها أصحابها.
بعد أشهر قليلة، وُقّع اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983 بين لبنان وإسرائيل، لكنه لم يصمد أمام الرفض السياسي والشعبي الواسع. ثم تقدمت المقاومة، وتبدلت موازين القوة، وصولًا إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000. وهكذا ظلّ الرابع عشر من أيلول حاضرًا لا بوصفه حادثة منفردة، بل بوصفه عقدةً في سلسلة طويلة من التحولات التي أعادت تشكيل لبنان والمنطقة.
مفارقة الذكرى: عودة خطاب السلام
ما يلفت النظر، بعد أربعة وأربعين عامًا، أن السؤال الذي طُرح في عام 1982 يعود إلى الواجهة من داخل ذكرى بشير الجميل نفسها، ولكن بلغة سياسية مختلفة.
فقد أعلن صالح المشنوق رغبته في قيام سلام بين لبنان وإسرائيل، كما أعاد نديم الجميل طرح فكرة التفاوض المباشر، مؤكدًا أنه لا يرى في السلام مع إسرائيل «عقدة». وهذه مواقف سياسية معلنة، يملك أصحابها حق الدفاع عنها، كما يملك خصومها حق مناقشتها والاعتراض عليها. غير أن استعادتها في سياق ذكرى بشير تعيد فتح سؤال قديم: هل يجوز تقديم بشير الجميل بوصفه ضحية اغتيال سياسي فحسب، بمعزل عن السياق الإقليمي واللبناني المعقد الذي عاش فيه، وعن الخيارات التي نُسبت إليه أو ارتبطت بمرحلة حكمه المرتقبة؟
وفي السياق نفسه، أثار موقف النائب مارك ضو، الذي ربط علنًا بين استرداد أموال المودعين وملف التطبيع مع إسرائيل، جدلًا واسعًا. ورأى منتقدوه في هذا الربط شكلًا من أشكال الضغط السياسي على قضية معيشية تمس آلاف العائلات. وبصرف النظر عن الموقف من التطبيع نفسه، فإن وصل ملف مالي حساس بحسم موقف من قضية خارجية خلافية يستحق نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا؛ إذ لا ينبغي أن تتحول حقوق الناس المعيشية إلى ورقة ضغط في أي اتجاه.
وسط هذه المواقف المتباينة، برز صوت يستحق التوقف عنده لأنه صدر من داخل عائلة بشير الجميل نفسها: يمنى بشير الجميل. لم تجعل ابنة بشير السلام مع إسرائيل عنوان كلمتها، بل تحدثت عن «مشروع وطن»، وعن المواطنة والكرامة، وعن حلم لبنان الذي لم يكتمل. ويستحق هذا الموقف أن يُقرأ في ذاته، بعيدًا عن أي توظيف سياسي مباشر، لأنه ينقل مركز النقاش من الاصطفاف حول الماضي إلى سؤال الدولة التي لم تنضج بعد.
القوة التي لم تُفعّل
السؤال الذي يواجهنا هنا أشد قسوة على أنفسنا مما هو على الآخرين. لسنا مؤرخين يقفون على رصيف عام 1982 ليحصوا المنتصرين والمهزومين، بل أبناء نهضة قال مؤسسها: «إن فيكم قوةً لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ». والكلمة الأكثر إيلامًا في هذه العبارة هي: «فعلت».
ليست هذه الكلمة دعوة إلى تكرار فعل بعينه، ولا تفويضًا بالعنف، بل تذكير بأن الانتماء إلى مشروع فكري لا يكتمل باستحضار رموزه وشهدائه. إنه مسؤولية سياسية وحضارية، تقتضي تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والهوية إلى مشروع عام، والذاكرة إلى قدرة على صناعة المستقبل.
لم يقل سعادة: إن فيكم تاريخًا لو حفظتموه. ولم يقل: إن فيكم شهداء لو احتفلتم بهم. قال: قوةً لو فعلت. فماذا نفعل نحن اليوم؟
ليس المطلوب استنساخ حدث تاريخي أو تمجيد العنف. فالنهضة التي أرادها سعادة أوسع من اختزال القوة في لحظة واحدة أو في فعل فردي. المطلوب أن نسأل بصدق: لماذا يستطيع خصوم مشروعنا الفكري أن يطرحوا رؤيتهم على اللبنانيين بثقة ووضوح، بينما نكتفي نحن، في أحيان كثيرة، باستحضار الماضي بدل صياغة مشروع للحاضر والمستقبل؟
اليوم، يطرح بعض السياسيين جهارًا فكرة السلام مع إسرائيل، ويدافعون عنها بأدوات سياسية وإعلامية مختلفة. فإذا كنا نرى في هذا الطرح خطرًا على السيادة والكرامة الوطنية، فلا يكفي أن نعلن رفضه. علينا أن نقدم للبنانيين بديلًا أكثر إقناعًا من الخوف، وأقوى من الإغراء بالحلول الجاهزة: مشروع دولة، ومجتمع، واقتصاد، ومؤسسات، وسيادة فعلية لا تظل شعارًا معلقًا في الخطابات.
الامتحان الحقيقي
ليس الرابع عشر من أيلول مناسبةً لنسأل فقط: ماذا فعل حبيب الشرتوني؟ بل هو مناسبة لنسأل أيضًا: ماذا فعلنا نحن بعد ذلك؟
أربعة وأربعون عامًا مرّت منذ اغتيال بشير الجميل. تعاقب خلالها الرؤساء، وسقط اتفاق السابع عشر من أيار، وتحررت الأرض، وتبدلت موازين المنطقة، وتغيرت لغة السياسة. واليوم يعود نقاش التطبيع مع إسرائيل إلى الواجهة اللبنانية، محمولًا على خطابات سياسية متباينة، وعلى أزمات اقتصادية واجتماعية تجعل الناس أكثر عرضة للضغط والابتزاز.
فهل نواجه هذا النقاش بوعي ومشروع، أم نكتفي باستحضار رموز الماضي من دون قراءة نقدية لتجربتهم الكاملة؟ هنا يكمن الامتحان الحقيقي. فكل جيل مطالب بأن يصنع لحظته بنفسه، لا أن يعيش على ذكرى لحظة صنعها من سبقوه.
لم يطلب منا سعادة أن نحرس التاريخ، بل أن نصنعه. ولذلك لا يبقى السؤال سؤال ذكرى، بل يتحول إلى سؤال مشروع: هل ما زالت فينا قوة النهضة؟ وإذا كانت فينا، ففي أي اتجاه نستثمرها؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :