سعر المازوت: لماذا ارتفع ولماذا لن ينخفض قريبًا؟

سعر المازوت: لماذا ارتفع ولماذا لن ينخفض قريبًا؟

لم يعد ارتفاع سعر المازوت مرتبطًا فقط بصعود سعر برميل النفط الخام. فالسوق العالمية تواجه اليوم أزمة أكثر تعقيدًا تطال الديزل نفسه وقدرة المصافي على إنتاجه ونقله إلى الأسواق، في وقت تشير المعطيات إلى أن عودة الإمدادات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية قد تتأخر حتى عام 2027.

 
وهذا الواقع يفسّر لماذا ارتفعت أسعار الديزل بوتيرة تفوق في بعض الأسواق ارتفاع النفط الخام، ولماذا قد لا يكون تراجع أسعار المازوت سريعًا حتى في حال هدأت أسعار الخام نسبيًا.
 
فبحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر أيلول 2026، وصل سعر الديزل في الولايات المتحدة في مطلع الشهر إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، أي بارتفاع بلغ نحو 94% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. في المقابل، كان خام برنت يتداول عند نحو 105 دولارات للبرميل، بزيادة تقارب 45% عن مستوياته قبل الحرب.
 
وهذه الفجوة تكشف أن المشكلة لم تعد في النفط الخام وحده، بل في المنتجات المكررة، وخصوصًا الديزل.
 
أين اختفى الديزل؟
 
 
أحد أبرز أسباب الأزمة يتمثل في التراجع الحاد في صادرات المنتجات النفطية المكررة من منطقة الخليج.
 
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي صادرات النفط من دول الخليج انخفض في آب إلى نحو 13 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب نصف مستواه قبل الحرب. إلا أن الضربة الأكبر أصابت المنتجات المكررة والغاز النفطي المسال، إذ بقيت صادراتها أقل بنحو 60%، أو 3.7 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بشباط الماضي.
 
وبالنسبة إلى الديزل تحديدًا، بلغ صافي صادرات دول الخليج نحو 390 ألف برميل يوميًا فقط في آب، أي أكثر بقليل من ربع مستوياته السابقة للحرب.
 
والسبب الأساسي هو استمرار القيود على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. ففي الظروف الطبيعية، يعبر المضيق يوميًا نحو 15 مليون برميل من النفط الخام و5 ملايين برميل من المنتجات النفطية، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك النفط العالمي.
 
روسيا تضيف أزمة ثانية
 
ولم تأتِ الأزمة من الشرق الأوسط وحده.
 
فالهجمات الأوكرانية المكثفة على المصافي والبنية التحتية النفطية الروسية أدّت إلى اضطرابات كبيرة في عمليات التكرير، ما دفع موسكو إلى خفض صادراتها من الوقود وفرض قيود على بعض المنتجات بهدف حماية السوق المحلية.
 
ووفق مسودة توقعات حكومية اطّلعت عليها رويترز، خفّضت روسيا تقديراتها لإنتاج النفط في 2026 إلى نحو 494.2 مليون طن، أو 9.88 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ عام 2009. كما جرى خفض توقعات صادرات الوقود لعامي 2026 و2027.
 
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تراجع صادرات الديزل من الخليج وروسيا معًا بلغ في آب نحو 1.6 مليون برميل يوميًا مقارنة بشباط. والأهم أن هاتين المنطقتين كانتا قبل الأزمة تمثلان معًا نحو 45% من تجارة الديزل المنقولة بحرًا عالميًا.
 
أي أن السوق خسرت في الوقت نفسه جزءًا كبيرًا من إمدادات مصدرين أساسيين للديزل.
 
المصافي تعمل… لكن لا تكفي
 
تحاول مصافٍ في الولايات المتحدة وأوروبا ومناطق أخرى زيادة الإنتاج للاستفادة من الأسعار وهوامش الربح المرتفعة، لكن قدرتها على تعويض النقص تبقى محدودة.
 
وقال مسؤولون في قطاع الطاقة لرويترز إن نقص إمدادات الديزل من روسيا والشرق الأوسط يقدّر بنحو 4 ملايين برميل يوميًا، فيما تعمل مصافٍ عدة بأقصى طاقتها تقريبًا.
 
ونتيجة هذا النقص، قفزت هوامش تكرير الديزل إلى مستويات استثنائية. ووصل الفارق بين سعر الديزل وسعر الخام، المعروف بهامش التكرير، إلى نحو 108 دولارات للبرميل في إحدى مراحل الأزمة.
 
وفي أوروبا أيضًا، وصلت هوامش الديزل إلى نحو 78.91 دولارًا فوق سعر خام برنت، في مؤشر واضح إلى شدة النقص في المنتج المكرر.
 
والشتاء يزيد الضغط
 
الأزمة مرشحة لأن تصبح أكثر حساسية مع دخول فصل الشتاء، عندما يرتفع الطلب على الديزل وزيت التدفئة في عدد كبير من الدول.
 
وهذا ما دفع مسؤولين في شركات تجارة وتكرير عالمية إلى التحذير من أن سوق الديزل ستبقى مشدودة خلال فصل الشتاء، في ظل محدودية طاقة التكرير وتراجع المخزونات واستمرار الاضطرابات الجيوسياسية.
 
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: حتى لو تراجع النفط الخام عدة دولارات، فإن استمرار النقص في الديزل نفسه قد يمنع انتقال هذا الانخفاض كاملًا إلى أسعار المستهلكين.
 
لماذا لا يُتوقع هبوط سريع؟
 
تقول وكالة الطاقة الدولية إن إنتاج المصافي عالميًا يُتوقع أن ينخفض في المتوسط بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا خلال 2026، قبل أن يعاود الارتفاع بنحو 3.5 ملايين برميل يوميًا في 2027.
 
وفي تقريرها الأخير، خفّضت الوكالة توقعاتها لإمدادات النفط العالمية خلال 2026 إلى متوسط يبلغ نحو 100.7 مليون برميل يوميًا، بانخفاض 5.7 ملايين برميل يوميًا عن العام السابق.
 
والأهم أنها أصبحت تتوقع تأجيل التعافي الكامل لإمدادات منتجي الشرق الأوسط إلى عام 2027.
 
وهذا لا يعني بالضرورة أن سعر المازوت سيواصل الارتفاع حتى عام 2027، لكنه يعني أن العوامل التي رفعت الأسعار اليوم لن تختفي سريعًا، وأن السوق ستظل شديدة الحساسية لأي ضربة جديدة للمصافي أو طرق الشحن أو الإمدادات.
 
وماذا عن لبنان؟
 
بالنسبة إلى لبنان، فإن أي ارتفاع عالمي في سعر الديزل ينتقل إلى الداخل من أكثر من قناة، لأن البلاد تعتمد على الاستيراد لتأمين حاجاتها من المحروقات.
 
ولا تتوقف تداعيات ارتفاع المازوت عند كلفة تعبئة الخزانات أو تشغيل السيارات العاملة على الديزل، بل تمتد إلى فاتورة المولدات الخاصة والتدفئة والنقل وكلفة الإنتاج في المصانع والمؤسسات والمطاعم والقطاعات الزراعية.
 
ومع اقتراب موسم الشتاء وبقاء سوق الديزل العالمية تحت ضغط، يصبح السؤال في لبنان أبعد من مجرد معرفة ما إذا كانت صفيحة المازوت سترتفع في الجدول المقبل.
 
السؤال الفعلي هو: كم ستستمر موجة الأسعار المرتفعة، وإلى أي مدى ستنتقل كلفتها إلى الكهرباء والنقل والإنتاج وأسعار السلع؟
 
المؤشرات العالمية حتى الآن لا توحي بانفراج سريع. فالمشكلة لم تعد مجرد برميل نفط مرتفع الثمن، بل نقص في الديزل الجاهز للاستهلاك، واضطرابات في المصافي، وتراجع في الصادرات، وممرات بحرية معرضة للمخاطر.
 
ولهذا، قد ينخفض النفط قبل أن ينخفض المازوت.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي