ايكون نيوز
لم تكن السيطرة على مسارين تحت الأرض في تلة علي الطاهر، بعد ٧٥ يوماً من القتال الشرس، مجرد حدث عسكري عابر، بل هي قراءة ميدانية دقيقة تعيد تشكيل فهمنا لطبيعة المواجهة. فالإعلان الإسرائيلي بالسيطرة على نفقين داخل المنشأة يؤكد، بالصورة والمعلومة، ما كانت المقاومة قد وضحته مسبقاً: أن هذه البنية هي منشأة تكتيكية وعملياتية بامتياز، وليست قاعدة استراتيجية تخزن فيها الصواريخ والأسلحة الرئيسية. فالمنشأة الاستراتيجية بطبيعتها صامدة ومحصنة لتخزين القدرات الكبرى، بينما تتشكل المنشأة التكتيكية من شبكة أنفاق وغرف مخصصة لوظائف قتالية محددة، وهو بالضبط ما أظهرته المعطيات الميدانية.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو ما قدمه العدو الإسرائيلي بنفسه عبر صور نشرها عن الموقع. تلك المشاهد تكشف مقاتلاً عند مدخل أحد الأنفاق في مواجهة مباشرة مع القوات الغازية، مما يدحض تماماً السردية التي حاول الاحتلال فرضها حول وجود عناصر مختبئة تنتظر الموت أو الاستسلام. لقد كان المقاتلون في حالة اشتباك فعلي، يخوضون معركة دفاعية حقيقية. ومنذ بداية العملية، راهن نتنياهو وكاتس على سيناريو خروج المقاتلين رافعي أيديهم، ليقدما المشهد للعالم كإنجاز إنساني وعسكري مزدوج. لكن الواقع خذل هذا الرهان؛ فالمقاتلون قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة التي قرروا فيها الانسحاب وفق حساباتهم العملياتية الخاصة، محرمين العدو الصورة الدعائية التي حلم بها.
هذا الفشل في تحقيق السيناريو المتوقع يفسر الضجيج الإعلامي الكبير الذي صاحبه بيان مشترك بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، حيث سعت القيادة السياسية إلى تضخيم عملية تفجير بعض الأنفاق وتقديمها كـ"انتصار حاسم". الحقيقة الميدانية مختلفة؛ فقد واجهت قوات الفرقة ٣٦، وهي تضم نخبة الألوية المدرعة والمشاة في جيش الاحتلال، مقاومة شرسة في محيط التلة، وخسرت خمسة ضباط وجنود وأصابت نحو عشرين آخرين وفقاً لأرقام العدو نفسه. كيف لقوات النخبة أن تستهلك ثلاثة أشهر كاملة للسيطرة على أجزاء من منشأة تكتيكية؟ هذا السؤال يكشف عمق المفارقة العسكرية.
إن إبقاء منشأة عملياتية صغيرة صامدة بهذا الشكل أمام أقوى التشكيلات العسكرية الإسرائيلية لمدة ربع سنة، يطرح تساؤلات جوهرية حول حجم الخسائر والاستنزاف الذي لحق بالجيش المحتل. وهنا يتضح جلياً الفرق الهائل بين الوضع الحالي وما كان عليه الحال لو بقيت البنية العميقة للمقاثة وقدراتها الاستراتيجية جنوب نهر الليطاني كما كانت قبل حرب عام ٢٠٢٤. آنذاك، تعذر على الاحتلال دخول العديد من البلدات الجنوبية بسبب الكثافة النارية والبنية التحتية للمقاومة. أما اليوم، وبعد أن تخلت السلطة اللبنانية عن اتفاق ٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، وقبلت بورقة "براك" التي أعطت الذريعة للاحتلال بعدم تنفيذ انسحابه الكامل قبل البدء بعملية الحصرية، فقد فتحت المجال واسعاً أمام توغلات كانت مستحيلة سابقاً.
التخلي عن الاتفاق وتقييد قدرات المقاومة أمنياً وسياسياً هما السبب المباشر وراء سهولة تقدم الجيش الإسرائيلي حالياً. لذلك، فإن محاولة تحميل المقاومة مسؤولية هذا التوسع العدواني تقلب الموازين وتحول نتائج القرارات السياسية الخاطئة إلى ذريعة للهجوم على المشروع المقاوم. المطلوب اليوم هو قراءة نقدية للصور الإسرائيلية لا تقبل بكونها دليلاً تلقائياً على النصر، بل تفكيكاً لما تحمله من مؤشرات: منشأة تكتيكية قاومت طويلاً، مقاتلون رفضوا الاستسلام، ومعركة استنزفت نخب العدو. فالحقيقة ليست في عدد النفقين المفتوحة، بل في قدرة هؤلاء المقاتلين على تحويل موقع صغير إلى حصن أوقف زخم آلة عسكرية متغطرسة لفترة طويلة، رغم كل القيود المفروضة عليهم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :