باب المندب يغيّر حسابات المواجهة الإقليمية

باب المندب يغيّر حسابات المواجهة الإقليمية

لم يعد ما يجري على الساحل الغربي لليمن تطوراً يمكن حصره داخل حدود هذا البلد أو قراءته باعتباره جولة جديدة من جولات الصراع اليمني. فالوصول إلى باب المندب والسيطرة على مواقع وجزر شديدة الحساسية في محيطه نقلا المواجهة إلى مستوى مختلف، لأن المعركة باتت تمس واحداً من أهم الممرات البحرية في المنطقة، في توقيت يشهد أصلاً مواجهة مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.

 
ومن هنا تحديداً يبرز الحضور الإيراني، ليس بالضرورة عبر دور مباشر في العمليات التي شهدها الساحل اليمني، بل من خلال النتيجة الاستراتيجية التي أفرزتها. فبحسب مصادر دبلوماسية بارزة، فإن العلاقة بين صنعاء وطهران ليست جديدة أو سرية، كما أن التقاطع السياسي والعسكري بين “أنصار الله” والقوى المتحالفة مع إيران في المنطقة معلن منذ سنوات. لكن المستجد أن هذا التحالف بات اليوم موجوداً عند نقطة بحرية تمنحه ثقلاً يتجاوز حدود اليمن، فيما تمسك إيران من جهتها بموقع بالغ الحساسية عند مضيق هرمز.
 
وعلى هذا الأساس، ترى المصادر أن ما تحقق في باب المندب يخدم صنعاء أولاً في معركتها الخاصة، لكنه يضيف في الوقت نفسه ثقلاً جديداً إلى موقع طهران في المواجهة الإقليمية. فوجود حليف لإيران عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بالتزامن مع النفوذ الإيراني عند هرمز، يضع اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة ضمن دائرة صراع واحدة، حتى وإن اختلفت القوى التي تملك القدرة على التأثير في كل منهما.
 
غير أن حسابات صنعاء لا تبدأ من إيران وحدها. فالمواجهة الأخيرة تحمل أيضاً امتداداً مباشراً للصراع مع السعودية، في ظل اعتبار القيادة في صنعاء أن الضغوط المفروضة على الموانئ والمطار والحركة الاقتصادية لا يمكن أن تستمرّ من دون رد. ومن هنا، تحاول صنعاء نقل الضغط من الداخل اليمني إلى البحر، وفرض كلفة مقابلة على الأطراف التي تعتبرها مسؤولة عن استمرار التضييق عليها.
 
أمام هذا الواقع، تقول المصادر أن الرياض تجد نفسها أمام خيارات شديدة التعقيد. فالعودة إلى تدخل عسكري واسع تحمل معها خطر استعادة حرب حاولت المملكة طوال السنوات الماضية الخروج منها، فيما يتيح لها الخيار الآخر دعم القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً وإسنادها استخبارياً وجوياً من دون الدفع بقوات سعودية إلى الميدان. وبين الخيارين تبقى حماية الحدود والمنشآت الحيوية والممرات البحرية أولوية سعودية، خصوصاً إذا تحولت السيطرة الجديدة إلى قدرة فعلية على فرض قواعد مختلفة في البحر الأحمر.
أما واشنطن، فتبدو حساباتها أكثر حساسية. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى باب المندب بمعزل عن المواجهة الأوسع مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو متحمسة لفتح حرب يمنية جديدة تستنزف جزءاً إضافياً من قدراتها العسكرية. ولذلك يبقى الاحتمال الأقرب تعزيز حماية الملاحة ودعم الحلفاء ورفع مستوى العمل الاستخباري والعسكري غير المباشر، مع إبقاء التدخل الأوسع مرتبطاً بما ستفعله صنعاء فعلياً بالموقع الذي باتت تملكه.
 
وهنا يصبح سلوك صنعاء في المضيق عاملاً حاسماً، إذ إن السيطرة على نقاط تتحكم به تختلف عن الذهاب نحو تعطيل الملاحة الدولية. وتلفت المصادر إلى أن صنعاء تحاول حتى الآن الفصل بين الأمرين، من خلال التأكيد أن حركة السفن الدولية ليست مستهدفة بصورة عامة، فيما تربط إجراءاتها البحرية بالصراع مع السعودية وإسرائيل. وتعتبر المصادر أن نجاح هذا الفصل أو سقوطه سيكون عاملاً أساسياً في تحديد حجم الرد الأميركي، لأن أي تهديد واسع للملاحة قد ينقل الملف سريعاً من مواجهة يمنية سعودية إلى أزمة دولية أكبر.
 
وفي الوقت نفسه، لا تبدو الدبلوماسية غائبة عن المشهد. فرغم التصعيد، بقي التواصل بين الرياض وطهران قائماً، وهو ما يعكس إدراك الطرفين أن انفلات الساحة اليمنية قد يفتح مواجهة يصعب ضبط حدودها. حيث أن السعودية تريد ضمان أمنها وحدودها والملاحة في البحر الأحمر، بينما ترى صنعاء أن أي تسوية لا تعالج الموانئ والمطار والرواتب والقيود الاقتصادية لن تنهي أسباب المواجهة.
 
وفي موازاة الخيارات الأميركية والسعودية، يبقى التدخل العسكري الباكستاني أو التركي في اليمن مستبعداً، بالنظر إلى حسابات البلدين وحجم المخاطر التي يحملها الانخراط في هذه الساحة. فالدخول في الحرب اليمنية لا يرتبط بقرار سياسي فحسب، بل يتطلب استعداداً لتحمل كلفة عسكرية ومالية كبيرة في ساحة أثبتت طوال سنوات قدرتها على استنزاف الأطراف المنخرطة فيها.
 
لهذا قد تكون أهمية باب المندب اليوم أبعد من الجغرافيا نفسها. فما حصل أعاد وضع اليمن داخل المفاوضات الإقليمية الكبرى، وربط مستقبل التهدئة فيه بمسار العلاقة بين طهران وواشنطن من جهة، وبين طهران والرياض من جهة أخرى. وإذا كان مضيق هرمز شكّل طوال عقود إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، فإن وجود حليف لطهران عند باب المندب يضيف إلى المعادلة ورقة أخرى، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن قرار استخدامها موجود في طهران.
 
في المحصلة، لم يعد باب المندب تفصيلاً في الحرب اليمنية، بل أصبح جزءاً من ميزان القوة الذي يرسم شكل المواجهة المقبلة في المنطقة. فصنعاء باتت تملك موقعاً يمنحها قدرة أكبر على الضغط، وطهران تستفيد من اتساع مساحة نفوذ حلفائها من هرمز إلى البحر الأحمر، فيما تجد واشنطن والرياض نفسيهما أمام معادلة لا تسمح بخطوة عسكرية سهلة ولا بتجاهل الواقع الجديد. ومن هنا، قد لا يكون السؤال المقبل كيف ستُستعاد السيطرة على المضيق، بل كيف ستُدار ورقته قبل أن تتحول من أداة ضغط إلى شرارة مواجهة أوسع.
 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي