مغزى التصعيد على توقيت نتنياهو

مغزى التصعيد على توقيت نتنياهو

اتخذت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب في الأيام الأخيرة منحى تصاعدياً شديد الخطورة، ويُخشى من تفاقمه تباعاً، في ظل مرحلة من انعدام الوزن ووسط حاجة اليمين الإسرائيلي المتطرِّف الحاكم إلى زيادة معدّلات البطش والعنف حيث أمكنه ذلك، لكسب أصوات المستوطنين في الانتخابات المقرَّرة في 27 تشرين الأول المقبل.

المفارقة الفاقعة في المشهد، هي أنّه ما أن سلّمت تل أبيب في يد بعض المختطفين اللبنانيّين حتى «كبست» باليد الأخرى على الزناد وأطلقت العنان لموجة من التصعيد الدامي، ناسفة كل الإيجابيات الوهمية أو النيات الحسنة المزعومة التي حاولت تسويقها بعد إطلاق سراح المعتقلين.

 

وبعدما قيل إنّ مبادرة الإفراج عن المحتجزين اللبنانيّين من شأنها تعويم خيار التفاوض المباشر وإنقاذ صيغة الإطار المترنّح، وإثبات جدوى التعويل على الديبلوماسية والدور الأميركي، وإراحة السلطة التي تحتاج إلى إنجاز تواجه به خصومها، أتت الاعتداءات العنيفة لتهزّ هذه الفرضيات بشدّة، وتعيد الأمور إلى المربّع الأول، واضعةً لبنان الرسمي في موقف حرج، على وقع التساؤلات المتزايدة حول جدوى مواصلة المفاوضات تحت المطرقة. 

 

وإذا كانت تل أبيب قد دأبت بذرائع مختلفة على خرق قرار وقف إطلاق وصيغة الإطار منذ ولادتهما، إلّا أنّ ما تجدر ملاحظته هو أنّ الاعتداءات الأخيرة حملت سمات لافتة من بينها:

 

- اتساع الرقعة الجغرافية للاستهدافات التي تمدَّدت شيئاً فشيئاً من جنوب الليطاني إلى شماله، فلم تعُد تنحصر ضمن منطقة ما يُسمّى الخط الأصفر وفق المصطلح الإسرائيلي، بل أصبحت تتركّز خارجها (مدينة النبطية، أنصار، عربصاليم، دير الزهراني، كفررمان وغيرها) ما يؤشر إلى محاولة فرض وقائع ميدانية وحتى سياسية جديدة، وتعديل قواعد الاشتباك التي حكمت المرحلة السابقة.

 

- الإفراط في استخدام القوّة ضدّ المدنيّين، وفق ما يُستدلّ من المجازر المتنقلة التي تذهب ضحيّتها عائلات كاملة، كما حصل في أنصار وكفررمان على سبيل المثال، في دلالة إلى أنّ الضربات الإسرائيلية تجاوزت سقف الخروقات المألوفة إلى ارتكاب جرائم دموية، تختزن سعياً إلى مضاعفة الضغط على «حزب الله» عبر إيلام بيئته، وصولاً ربما إلى محاولة استدراجه نحو رد واسع، يبرّر استئناف العدوان الشامل الذي يخدم حسابات بنيامين نتنياهو ومصالحه.

- تعديل بنك الأهداف الذي شمل للمرّة الأولى بعد التوصُّل إلى وقف النار وصيغة الإطار، مؤسسة رسمية تخصّ الدولة اللبنانية وتتمثل في مبنى وزارة المال الكائن في النبطية، إذ تعرَّض إلى قصف ألحق به أضراراً فادحة، في إشارة إسرائيلية إلى أنّ مؤسسات الدولة ومرافقها قابلة للاستهداف في أي وقت، وأنّه لا يمكن للحكم اللبناني أن ينام على حرير تحييدها إلى ما لا نهاية.

 

- استئناف  سياسة توجيه إنذارات الإخلاء بكل ما تنطوي عليه من حرب نفسية وضغوط معنوية على البيئة المقصودة. 

- نسف مفهوم المناطق التجريببة التي تتمسك بها السلطة، إذ وبدل أن تنسحب القوات الإسرائيلية من مناطق محتلة في سياق الآلية التجريبية التي تلحظها صيغة الإطار، عمدت إلى توسيع رقعة احتلالها عبر ما أسمتها السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر الواقعة في شمال نهر الليطاني.

 

إزاء جميع تلك الوقائع، صار واضحاً أنّ نتنياهو يريد الاستفادة حتى أقصى الحدود الممكنة من الهامش الممنوح له أميركياً في لبنان، فيلجأ إلى رفع منسوب التصعيد العسكري، من دون أن يفيض عن سدّ الضوابط الأميركية الكابحة، أقلّه راهناً، لسيناريو التدحرج نحو مواجهة شاملة قد تستدعي تدخّلاً إيرانياً يبعثر أوراق الرئيس دونالد ترامب على مقربة من انتخابات الكونغرس النصفية.

 

وضمن مساحة هذا الهامش، يندفع رئيس حكومة الاحتلال إلى تصعيد مركّب، يرتكز من جهة على العمل لتحقيق أهداف عملياتية في الميدان، ومن جهة أخرى على الدفع في اتجاه تعزيز فرصة نجاحه في الانتخابات القريبة، خصوصاً أنّ استطلاعات الرأي داخل الكيان، تعكس تراجعاً في شعبيته، التي يبدو أنّه لا يمكن تعويمها إلّا على الدم، وفق معادلة نتنياهو واليمين المتطرِّف.

لكن هل يمكن ضمان بقاء التوتر الحالي تحت السيطرة، وكيف سيتصرَّف «حزب الله» المتوثب؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي