ورد، ويوسف الخال، ويوسف حداد… حين تُصبح الشاشةُ أفقر من نجومها

ورد، ويوسف الخال، ويوسف حداد… حين تُصبح الشاشةُ أفقر من نجومها

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

ليس هذا نشيدَ حنينٍ إلى وجوهٍ أحببناها في زمنٍ ولّى، ولا صرخةَ مطالبةٍ بإعادة ممثلٍ إلى الضوء لأن له في القلوب مكاناً قديماً. إن المسألة، يا صديقي، أعمق من الحنين وأخطر من الذكرى: كيف تُصبح صناعةٌ تلهث كل عام وراء النجاح، مقبرةً تدفن فيها مواهب بحجم ورد الخال ويوسف الخال ويوسف حداد، بينما تدور عجلة المواسم حول نفسها، تجترّ الوجوه ذاتها والتراكيب ذاتها، كأن الزمن توقف والموهبة نضبت؟

ورد الخال ليست ممثلةً تحتاج من يوقظ فيها اسمها النائم. هي وليدة مدرسةٍ فنيةٍ وثقافيةٍ رضعت من ثديها الحضور لا الضجيج، وبنت عرشها بالدور والأداء لا بصخب المنصات. وحين ابتعدت، لم تحمل غيابها كمن يحمل تقاعداً مبكراً، بل حملته كشهادةٍ صادقة: قالت إن في الأعمال اللبنانية نقصاً «ليس صحياً»، وإنها تختار ما يليق بروحها الفنية لا بما يُفرض عليها.

واعتراض ورد ليس وليد موسمٍ عابر، بل هو جرحٌ قديم. تحدثت يوماً عن «لعبة إنتاج ومحطات»، عن أعمالٍ تجارية سريعة كالسراب لا تروي ظمأ الفن، عن احتكارٍ يُكرّر الأسماء ذاتها ويُقصي سواها. فغيابها، إذن، سؤالٌ أكبر منها: هل غدت موازين السوق أثقل من ميزان الموهبة والخبرة؟

أما يوسف الخال، فحكايته مختلفةٌ في الشكل، متطابقةٌ في الجوهر.

هو ممثلٌ يحمل هيبة البطولة في خطواته، وينحدر من بيتٍ نسج الشعرُ والثقافةُ خيوط هويته. وفي السنوات الأخيرة، لم ينفصل عن وجع وطنه؛ بدا متأثراً بما يعصف بلبنان، تحدث عن الخوف الذي يسكن الوطن والقلق الذي يقيم في صدر كل لبناني. حتى ابتعاده عن مرايا التواصل، ربطه بجرح المرحلة التي يعيشها بلده.

يوسف حداد… حين يكون الوطن قضية لا دوراً يُمثَّل

 

ويوسف حداد لم يكن يوماً ممثلاً يكتفي بأن يمنح الشخصية صوته، بل منح وطنه صوته أيضاً حين اشتدت الأزمة. في الأيام التي ارتجّ فيها لبنان تحت وطأة العدوان، لم يكتفِ بالصمت الآمن الذي يلوذ به كثيرون من أهل الفن، بل خرج بكلماتٍ لاذعة يفضح فيها ما يراه ظلماً واقعاً على بلده وناسه، ويقف فيها إلى جانب "الميدان" الذي وصفه بأنه "أملنا الوحيد". وحين وارى لبنان أحد رموزه الكبار، شارك حداد في توديعه بكلماتٍ تفيض حزناً وانتماءً، لا مجاملةً عابرة.

فهو ممثلٌ يرفض أن يكون الفن جزيرة معزولة عن وجع الناس، ويرى أن الانتماء للوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل موقفٌ يُدفع ثمنه أحياناً من رصيد الشهرة والراحة.

وهنا، يا صديقي، نصل إلى جوهر الداء.

لا أحد يطلب إبعاد جيلٍ ليأتي جيلٌ آخر، ولا إغلاق الأبواب أمام نجوم اليوم. فالفن لا يُبنى بمنطق الإقصاء. المطلوب نقيض ذلك تماماً: أن يتّسع الملعب لا أن يضيق.

لكن الذي يصعب فهمه أن تتحول بعض المواسم إلى حلقةٍ مغلقة: المنتج نفسه، والنجوم أنفسهم، والتراكيب ذاتها تُعاد صياغتها بأسماء جديدة وقصص مموّهة، لنعود في العام التالي إلى الخلطة عينها، كأننا نرقص حول محورٍ لا يتغير.

فالجمهور ليس عدواً للنجوم الدائمي الحضور، لكنه يريد أن يشتاق إليهم أيضاً؛ فالشوق جزءٌ من المحبة، والتكرار قاتلٌ لكل جمال.

والدراما ليست إعلاناً تجارياً يكفيه وجهٌ متداول على الشاشات الصغيرة. فالممثل المحترف يحمل في داخله ذاكرةً وخبرةً وقدرةً على تحويل الكلمات الجامدة إلى مشهدٍ يسكن الذاكرة. وهذه قيمةٌ لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا تُقاس بـ«الترند» العابر كسحابة صيف.

بل إن ورد الخال نفسها وضعت إصبعها على الجرح منذ سنين، حين قالت إن الشخص المناسب يجب أن يكون في المكان المناسب، وإن النص الجيد يستحق ممثلين ومخرجين وفنيين قادرين على أن يمنحوه الصورة التي يليق بها.

ومن هنا تكبر القضية، فتتجاوز ورد ويوسف ويوسف لتطال جوهر السؤال:

ماذا نفعل بكل هذا الرصيد اللبناني الثمين؟

أين المساحات التي تجمع أصحاب الخبرة بالجيل الجديد في عناقٍ فني واحد؟ أين النصوص التي تُكتب لممثلٍ في الخمسين كما تُكتب لنجمٍ في الثلاثين؟ ولماذا يغدو عمر الممثل أحياناً وكأنه تهمةٌ يُحاكم عليها، بينما أعظم صناعات الدراما والسينما في العالم تبني صروحها الكاملة على ممثلين تجاوزوا هذه الأعمار بأشواط؟

لبنان الذي صدّر إلى العالم العربي ممثلين ومخرجين وموسيقيين وكتّاباً، ليس فقيراً في المواهب.

إنه، في جانبٍ من أزمته الدرامية، فقيرٌ في الجرأة على استخدام ما يملك.

والمفارقة أن ورد الخال لا تزال تقول إنها مستمرة. في أحدث كلماتها تحدثت بفخرٍ عن تمثيل الفن اللبناني في المحافل العربية، وعن مواصلة العمل وإثبات الذات رغم الانكسار الذي أصاب الصناعة.

لهذا لا نقول للمنتجين: أعيدوا ورد الخال ويوسف الخال ويوسف حداد لأننا نحن، فقط، نشتاق إليهم.

نقول ما هو أعمق من الحنين:

أعيدوا الاعتبار لمعنى كلمة «ممثل».

لأن الشاشة التي تتّسع كل عامٍ لعشرات المسلسلات، ولا تجد مكاناً ثابتاً لأصحاب الموهبة والخبرة والحضور، عليها أن تقف أمام مرآتها وتسأل: أين يكمن الخلل؟

وإذا كان الجمهور، بعد كل هذا الغياب، لا يزال يهمس: «وين ورد؟ وين يوسف؟ وين يوسف حداد؟»

فتلك ليست مشكلة النجوم الغائبين.

تلك شهادةٌ خالدة بأنهم، حتى وهم خارج الشاشة، ما زالوا يسكنون فيها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي