غاز العقبة في طريقه إلى لبنان… هل تبدأ نهاية «جمهورية المولدات»؟

غاز العقبة في طريقه إلى لبنان… هل تبدأ نهاية «جمهورية المولدات»؟

خاص ايكون نيوز

بعد سنواتٍ اعتاد فيها اللبناني أن يسمع الوعود نفسها عن زيادة ساعات التغذية وخفض فاتورة الكهرباء، يأتي هذه المرة تطور مختلف: الأردن وافق رسمياً على تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر منشآت العقبة وسوريا، فيما يؤكد وزير الطاقة اللبناني جو صدي أن خط الغاز إلى معمل دير عمار دخل فعلاً مرحلة إعادة التأهيل، وأن عقود شراء الغاز وعبوره باتت في مراحلها الأخيرة.

المسألة، إذاً، لم تعد مجرد فكرة على طاولة اجتماعات إقليمية. فوفق الآلية المعلنة، سيستورد الأردن الغاز الطبيعي المسال، ويعيد تحويله إلى حالته الغازية باستخدام منشآت العقبة، ثم ينقله عبر شبكته باتجاه سوريا وصولا إلى لبنان لاستخدامه في إنتاج الكهرباء. والأردن يستخدم الآلية نفسها بالفعل لتزويد سوريا بالغاز منذ مطلع العام. أما في لبنان، فتجري إعادة تأهيل الخط الممتد إلى معمل دير عمار عبر محطة الدبوسية في سوريا. وبحسب الوزير صدي، تحتاج أعمال الصيانة إلى نحو أربعة أسابيع إضافية، تعقبها اختبارات تشغيلية لنحو أسبوعين قبل إدخال الغاز بصورة فعلية، إذا سارت الإجراءات التعاقدية والفنية كما هو مخطط لها.

من «لا كهرباء» إلى «لماذا لا كهرباء؟»

على مدى سنوات، كانت أزمة الكهرباء اللبنانية تُبرَّر بنقص الوقود، وارتفاع كلفته، وعجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين إنتاج مستقر. لكن وصول الغاز إلى دير عمار، إذا اكتملت العملية، سيغيّر طبيعة السؤال جذريا. لن يعود السؤال فقط: من أين نأتي بالوقود؟ بل سيصبح: كم ساعة إضافية ستنتج الدولة؟ وكم ستبلغ كلفة الكيلوواط؟ وهل سينعكس انخفاض كلفة الإنتاج على فاتورة المواطن فعلا؟

وزير الطاقة نفسه يقول إن التحول إلى الغاز الطبيعي يفترض أن يخفض كلفة إنتاج الكهرباء، فضلا عن كونه أقل ضررا بيئياً من الفيول. وهذا تحديدا ما يجعل المشروع يتجاوز حدود الطاقة ليصبح ملفاً اقتصادياً وسياسياً بامتياز.

المولد الذي تحول إلى «دولة موازية»

خلال سنوات الانهيار الكهربائي، لم تعد المولدات الخاصة مجرد حل طارئ لساعات التقنين، بل أصبحت اقتصاداً قائماً بذاته. وفي مناطق كثيرة بات المواطن يتعامل مع فاتورة المولد كما لو أنها ضريبة شهرية إلزامية، فيما تقلص حضور الدولة في واحدة من أبسط الخدمات التي يفترض أن تؤمنها.

لذلك فإن دخول الغاز إلى معامل كهرباء لبنان لا يعني فقط تشغيل توربينات إضافية، بل يعني — إذا أحسنت الدولة استثمار الفرصة — محاولة استعادة سوق تركتها طوال سنوات تتمدد خارج سيطرتها. وهنا يصبح ملف الغاز امتداداً مباشراً للسؤال الذي طرحناه في تحقيق «جمهورية المولدات»: هل تستطيع الدولة استعادة الكهرباء من اقتصاد العتمة؟

لا إعلان للنصر بعد

لكن الحذر ضروري. فالقرار الأردني لا يعني أن الغاز بدأ يتدفق صباح اليوم إلى لبنان. فالمعلومات الرسمية المنشورة حتى الآن لا تحدد الكميات النهائية التي سيحصل عليها لبنان، ولا السعر النهائي، ولا موعد بدء الإمدادات التجارية. كما أن العقود اللبنانية نفسها لا تزال تحتاج إلى المرور عبر مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان ثم مجلس الوزراء، بالتوازي مع استكمال تأهيل الخط واختباره.

وهذا فارق أساسي. فلبنان عرف خلال العقود الماضية عشرات مشاريع الكهرباء التي بدأت بوعود كبيرة وانتهت في الأدراج. لذلك لا يمكن قياس نجاح مشروع الغاز بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بعدد ساعات الكهرباء التي ستصل فعليا إلى المنازل وبالكلفة التي سيدفعها المواطن.

العقبة – سوريا – دير عمار: مسار واقعي

مع ذلك، هناك ما يجعل المشروع الحالي جديراً بالمراقبة الجادة. فهناك منشأة قائمة في العقبة، وشبكة غاز مستخدمة بالفعل بين الأردن وسوريا، وموافقة سورية على آلية العبور والتبادل. وهناك أعمال تأهيل جارية فعليا على الجزء اللبناني المؤدي إلى دير عمار. كما أن الأردن وسوريا ولبنان كانوا قد وقعوا في أيار اتفاقاً للتعاون في إمدادات الغاز، ما يعني أن قرار عمّان الأخير يأتي ضمن مسار سبق العمل عليه وليس مشروعاً ظهر فجأة. ولذلك يمكن القول إن لبنان أصبح هذه المرة أقرب إلى الغاز من كثير من الوعود السابقة، ولكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد وصوله.

المعركة المقبلة… فاتورة اللبناني

إذا دخل الغاز إلى دير عمار وانخفضت كلفة إنتاج الكهرباء، فسيصبح من الصعب تبرير استمرار الوضع الحالي كما هو. فزيادة التغذية الرسمية تعني نظرياً تراجع عدد الساعات التي يحتاج فيها المواطن إلى المولد الخاص. وتراجع ساعات المولد يعني تراجع الفاتورة. وتراجع الاعتماد على المولد يعني، للمرة الأولى منذ سنوات، أن الدولة تستطيع اقتطاع جزء من السوق التي نشأت على أنقاض انهيار كهربائها.

وهنا قد تبدأ المعركة الأصعب. فإصلاح الكهرباء في لبنان ليس مجرد مسألة تقنية بين أنبوب غاز وتوربين، بل إنه صراع بين نموذجين: دولة تنتج الكهرباء وتبيعها للمواطن بسعر يمكن ضبطه ومراقبته، واقتصاد موازٍ تضخم خلال سنوات غيابها وأصبح جزءاً من الحياة اليومية للبنانيين.

لهذا لا نحتاج اليوم إلى الاحتفال بوصول باخرة إلى العقبة. نحتاج إلى مراقبة الأنبوب حتى دير عمار، والعقود حتى مجلس الوزراء، والغاز حتى التوربين، والكهرباء حتى عداد المواطن.

عندها فقط يمكن طرح السؤال الكبير: هل يكون الغاز القادم من العقبة بداية عودة كهرباء الدولة… أم يصبح مجرد وقود جديد يدخل إلى النظام القديم، فيما تبقى «جمهورية المولدات» أقوى من الجمهورية ذاتها؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي